بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 332

وأصحاب النفوس الضيقة، أو يطمع الاراذل والأوباش في ماله وعرضه.

ولذا ورد في الأحاديث السابقة أنّ الإمام قال:«سِرُّكَ سُرُورُكَ إِنْ كَتَمتَهُ وإِنْ أَذَعَتَهُ كانَ ثُبُورَكَ»[1].

وعليه فلابدّ للإنسان أن يحفظ أسراره مهما أمكن ولايذيعها إلى الآخرين، وبعبارة اخرى: أن يجعل صدره صندوق أسراره، فلو اضطر في مورد معيّن أو إتفق له أن اطلع على سرّ من أسرار أخيه المؤمن فإنّه يجب عليه أن يسعى لحفظه ولا يرتكب الخيانة في حق أخيه المؤمن.

أمّا بالنسبة إلى إفشاء أسرار المذهب أمام المتعصّبين والحاقدين الذين لا يتحمّلون سماع الرأي الآخر ولا يرون أي فكر حقّاً غير فكرهم القاصر فكذلك، وخاصة بالنسبة إلى فضائل الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي لا يطيق سماعها الأعداء المعاندين والحاسدين، وهكذا الحال بالنسبة إلى حفظ الأسرار السياسية والعسكرية للبلد الإسلامي حيث يؤدّي إذاعتها إلى تعرّض مصالح الامّة ومصير النظام الإسلامي إلى الخطر أو يتسبب في إراقة الكثير من الدماء البريئة وتلف الثروات الطائلة أو هتك الشخصيّات المرموقة في المجتمع الإسلامي، ولذلك فإنّ حفظ هذه الأسرار يعدّ من أهمّ الوظائف الدينية، وفي المقابل فإنّ إفشاء هذه الأسرار يعدّ من أقبح الرذائل الأخلاقية ويترتّب عليه عقوبة شديدة، ولهذا السبب قرأنا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول:«ما قَتَلَنا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا قَتلَ خَطاءٍ وَلَكِن قَتَلَنا قَتلَ عَمدٍ»[2].

وقد أورد العلّامة المجلسي في بحار الانوار حديثاً جذّاباً حيث يقول ما خلاصته:

«دخل على أميرالمؤمنين عليه السلام رجلان من أصحابه فوطى‌ء أحدهما على حيّة فلدغته ووقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته وسقطا جميعاً فكأنّهما لما بهما يتضرّعان ويبكيان، فقال لهما أميرالمؤمنين عليه السلام:

[1]. غرر الحكم.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 370، ح 4.


صفحه 333

«ما اصِيبَ وَاحدٌ مِنكُما إِلّا بِذَنبِهِ.

أَمّا أَنتَ يا فُلان- وَأقبل على أحدهما- أَتَذكُر يَومَ غَمَزَ عَلى‌ سَلمانِ الفارِسي فُلان وَطَعَنَ عَلَيهِ لِموالاتِهِ لَنا فَلم يَمنَعُك مِنَ الرَّدِّ وَالإِستخفَافِ بِهِ خَوفاً عَلى نَفسِكَ وَلا عَلى‌ أَهلِكَ وَلا عَلَى وُلدِكَ وَمالِكَ أَكثَرَ مِن أَنْ استَحييتَهُ، فَلِذلِكَ أَصابَكَ.

فإنْ أَرَدتَ أَنْ يُزِيلَ اللَّهُ ما بِكَ فاعتَقِد أَنْ لاتَرى مرزئاً عَلَى وَلَّيٍّ لَنا تَقدَرُ عَلَى نُصرتِهِ بِظَهرِ الغَيبِ إلّانَصَرتَهُ، إلّاأَنْ تَخافَ عَلَى نَفسِكَ وَأَهلِكَ وَوُلدِكَ وَمالِكَ.

وَقالَ للآخَر: فَأَنتَ أَتَدرِي لِما أَصابَكَ ما أَصابَكَ؟

قال: لا.

قَالَ عليه السلام: أَما تَذكُر حِيثُ أَقبَلَ قَنبَرَ خادِمِي وَأَنتَ بِحضرَةِ فُلانَ العاتِي فَقُمتَ إِجلالًا لَهُ لإجلالِكَ لِي؟

فَقالَ لَكَ: أَوَ تَقُومُ لِهذا بِحضرَتِي؟

فَقُلتَ لَهُ: وَما بالِي لاأَقُومُ وَمَلائِكةُ اللَّهِ تَضَعُ لَهُ أَجنِحَتِها فِي طَريقِهِ، فَعلَيها يَمشِي، فَلَمّا قُلتَ هذا لَهُ، قَامَ إِلى قَنبَرَ وَضَرَبَهُ وَشَتَمَهُ وَآذاهُ وَتَهَدَّدنِي وَأَلزَمَنِي الإغضاءَ عَلىَ قَذى‌، فَلِهذا سَقَطتْ عَلَيكَ هذِهِ الحَيَّةُ.

فَإنْ أَردتَ أَنْ يُعافِيكَ اللَّهُ تَعالى‌ مِنْ هذا فاعتَقِد أَنْ لاتَفعَلَ بِنا وَلا بِأَحدٍ مِنْ مَوالينا بِحضَرةِ أَعدائِنا ما يُخافُ عَلينا وَعَليهِم مِنهِ»[1].

وكذلك نقرأ ما ورد في التواريخ الإسلامية أنّ بعض قادة الإسلام اعدموا الجواسيس بسبب أنّ عملهم يؤدّي إلى سفك الدماء البريئة ولذلك حكموا بقتلهم وإعدامهم.

الضرورات:

أحياناً تدفع الحاجة أو الضرورة الإنسان إلى إخبار الآخر بسرّه، ففي هذه الموارد يجب‌

[1]. بحار الانوار، ج 26، ص 237، مع التلخيص.


صفحه 334

على هذا الإنسان أن يختار لذلك الشخص الأمين العاقل ليضع عنده سرّه كما قال الإمام علي عليه السلام:«مَنْ أَسَرَّ إِلى‌ غَيرِ ثِقَةٍ فَقَد ضَيَّعَ أَمرَهُ»[1].

وحتى أنّ الإمام أوصى في حالة الضرورة وعندما يريد الإنسان أن يودّع سرّه عند أخيه المؤمن أن يتلقى في المقابل سرّاً من ذلك الشخص لكي يكون بمثابة الضمانة لحفظ سرّه حيث يقول:«لا تَضع سرِّكَ عِندَ مَنْ لاسِرَّ لَهُ عِندَكَ»[2].

ويجب الانتباه إلى أنّ الأشخاص الذين لا يعيشون الانضباط في حفظ أسرارهم فإنّهم لا يليقون بالثقة والاعتماد لحفظ أسرار الآخرين، فينبغي الاجتناب عن وضع السرّ عندهم.

يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا المجال:«مَنْ ضَعُفَ عَنْ حِفظِ سِرِّهِ لَم يُطِق سِرَّ غَيرِهِ»[3].

دوافع إفشاء السّر وعلاجها:

إنّ هذه الرذيلة الأخلاقية تنشأ من دوافع ونقاط ضعف مختلفة منها:

1- إنّ الشخص الحسود يسعى‌ لإفشاء أسرار الطرف الآخر لتوجيه ضربة إلى نقاط قوّته وشخصيته بين الناس، ويسعى لذلك لإراقة ماء وجهه أو تهديد مصالحه الدنيوية والمادية.

2- إنّ الأشخاص الذين يعيشون الحقد والعقدة تجاه الآخرين فإنّهم يسعون أيضاً ولغرض الانتقام من الطرف الآخر وارضاء دافع الحقد في نفوسهم إلى إفشاء أسرار الآخرين.

3- ومن الدوافع الاخرى لهذه الرذيلة هو عنصر الجهل وضيق الافق، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الحالات الوضيعة ليست لديهم اللياقة لحفظ أسرار الآخرين.

ونقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«ثَلاثٌ لا يُسْتَوْدَعْنَ سِرّاً:

المَرأَةُ وَالَّنمامُ وَالأْحْمَقُ»[4].

[1]. غرر الحكم.

[2]. المصدر السابق.

[3]. المصدر السابق.

[4]. غر الحكم.


صفحه 335

وفي حديث آخر عن الإمام عليه السلام نفسه أنّه قال:«لا تُسِرَّ إِلَى الجاهِلِ شَيْئاً لا يُطِيقُ كِتْمانَهُ»[1].

4- وأساساً فإنّ إفشاء السِّر وبشكل عام نشر الأخبار الخفيّة والجديدة وأحياناً العجيبة والغريبة تجد في قلوب الناس جاذبية خاصة تقودهم إلى الرغبة الشديدة في الإستماع والإصغاء لهذه الأخبار،. هذا المعنى قد يتسبب إلى أن يرغب بعض الناس لإفشاء أسرار الآخرين ليلفتوا إليهم نظر المستمعين.

5- ومن العوامل المهمّة الاخرى لإفشاء الأسرار هو الأخطاء والاشتباهات وعدم الالتفات إلى كون هذا الأمر من الأسرار، ولهذا السبب فقد يصدر من بعض الناس المنضبطين في مسألة حفظ السر بعض الاشتباهات والزلل في هذا الأمر حتى قيل:«كُلُّ سِرٍّ جاوزَ الإثنِينَ شاعَ».

ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه ويدعى‌ عمّار حيث سأله الإمام الصادق عليه السلام:«هَل أَخبَرتَ بِما أَخبِرتُكَ بِهِ أَحَداً؟ قَلتُ: لاإلّاسُلَيمانِ بنِ خالِدَ، قالَ: أَحسَنتَ أَما سَمِعتَ قَولَ الشَّاعِر:

فَلا يَعدُوَنْ سِرِّي وَسِرِّكَ ثالثاً

أَلا كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الإِثنِينِ شايعُ‌

والسبب في ذلك واضح لأنّه إذا كان البناء على أن يقوم كل شخص بأخبار أحد أصدقائه الموثوقين بأسرارهم، ويقوم الشخص الثاني بمثل العمل، وهكذا الثالث والرابع فلا تطول المدّة حتّى ينتشر السِّر في المجتمع كلّه.

أمّا العلاج:

فقد رأينا في الأبحاث السابقة أنّه إذا كان موضوع إفشاء الأسرار يتعلّق بخصوصيات الأشخاص الآخرين فيترتب على ذلك الآثار السلبية الكثيرة من قبيل سقوط شخصيته ومنزلته الاجتماعية، وزوال ثقة الناس وإعتمادهم عليه قد يصل الأمر إلى سقوط شخصيته‌

[1]غرر الحكم.


صفحه 336

نهائياً في أنظار الناس وتلف جميع إيجابيّاته ونقاط قوّته في المجتمع.

وإذا كان إفشاء السّر متعلّقاً بالمجتمع أو المذهب والدين فقد يؤدّي أحياناً إلى تعرّض ذلك المجتمع للخطر أو يتعرّض أتباع ذلك المذهب إلى مشاكل كثيرة وقد تسفك في ذلك دماء بريئة وتهتك حرمات المؤمنين وتصادر أموالهم من قبل الأشخاص الذين يعيشون التعصّب الأعمى والجهالة والانحراف.

إنّ الالتفات إلى هذه العواقب والآثار السلبية الأليمة في إفشاء الأسرار يعدّ أحد العوامل المؤثّرة في الوقاية من هذه الرذيلة الأخلاقية، كما أنّ التدبّر في الآثار السلبية في كل صفة رذيلة من الصفات الأخلاقية الذميمة يعدّ عاملًا للتوقّي من الوقوع والابتلاء في هذه الرذيلة.

ومن الطرق الاخرى للعلاج هو القضاء على أسباب ودوافع هذه الرذيلة وإقتلاع جذورها من واقع النفس، أي عنصر الجهل والحسد والحقد أمثال ذلك.

ومن الطرق الاخرى هو سعة ظرفية الإنسان وأفقه وشرح صدره وروحه وقوّة شخصيته، فهذا من شأنه أن يساعده على المحافظة والانضباط في دائرة الأسرار.

وكذلك التفكّر في العقوبات الإلهية الشديدة المترتبة على إفشاء أسرار الناس والمجتمع والتي تقدّم الحديث عنها سابقاً يمكن أن يعدّ من الامور النافعة للوقاية من هذه الرذيلة أو علاجها.

ومن العوامل المهمّة الاخرى هو الالتفات إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ إفشاء أسرار الآخرين إذا تسبب في لحوق الضرر والخسارة بهم فإنّ المذيع لسّرهم يعدّ مسبباً لهذه الأضرار وفي الكثير من الموارد يعتبر ضامناً شرعاً وقانوناً لها.


صفحه 337

14- الحلم والغضب‌

تنويه:

(الغضب) من أخطر الحالات والانفعالات في الإنسان التي إذا لم يتصدّ الإنسان لضبطها والسيطرة عليها فإنّها قد تظهر بشكل جنوني على سلوكيات الفرد وتفقده أيّة سيطرة على أعصابه، وحتى أنّ الكثير من السلوكيات الخطرة والجرائم الكثيرة في حركة الإنسان في حياته الاجتماعية تكون بدافع الغضب ويترتب عليه دفع كفّارة وضريبة، وبعكسه، نرى‌ صفة الحلم وهي من الصفات الاخلاقية الحميدة، ونرى‌ القرآن الكريم قد إهتم بهذه الصفة أيما اهتمام، وقد وردت في الآية 134 من سورة آل عمران يصف فيها المتقين حيث ذكرت بعد صفة الانفاق، لما لهذه الصفة من آثار ايجابية على وضع الفرد والمجتمع. إنّ حالة الغضب كالنار المحرقة التي قد تأتي على الأخضر واليابس من حياة الإنسان وتكفي شرارة صغيرة منها إلى إحراق بيوت ومدن كاملة وتحويلها إلى رماد.

وإذا تصفّحنا التاريخ البشري فإننا نجد أنّ المشكلات الكثيرة التي ابتلت بها المجتمعات البشرية كانت بدافع من قوّة الغضب هذه حيث تسببت في الكثير من الحوادث المؤلمة والأزمات الخطيرة والخسارة الهائلة على المستوى الفردي والاجتماعي.

وبهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم لنستوحي منها دورساً وعبراً في خطر هذه‌


صفحه 338

الرذيلة الأخلاقية وكذلك بركات الحلم وآثاره الإيجابية في النقطه المقابلة لها:

1- «وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون»[1]. 2- «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الُمحْسِنِينَ»[2]. 3- «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَاإِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ»[3]. 4- «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ»[4]. 5- «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ»[5]. 6- «فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ»[6]. 7- «وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً»[7]. 8- «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ»[8].

تفسير واستنتاج:

«الآية الاولى»من الآيات محل البحث التي تتحدّث عن أوصاف طائفة من المؤمنين الصادقين الذين شملهم اللَّه تعالى برحمته وعنايته الخاصة، فتقول بعد أن تذكر إيمانهم وتوكّلهم على اللَّه تعالى: «وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون».

وبعبارة اخرى: أنّ هؤلاء عندما تشتعل في نفوسهم نار الغضب يتحرّكون على مستوى‌

[1]. سورة الشورى، الآية 37.

[2]. سورة آل عمران، الآية 134.

[3]. سورة الأنبياء، الآية 87.

[4]. سورة التوبة، الآية 114.

[5]. سورة هود، الآية 75.

[6]. سورة الصافات، الآية 101.

[7]. سورة الفرقان، الآية 63.

[8]. سورة الاعراف، الآية 199.


صفحه 339

ضبطها والسيطرة عليها ولا يسمحون لأنفسهم بالتلّوث بأنواع الخطايا والذنوب لأجل ذلك.

إنّ ذكر هذه الصفة بعد مسألة التوقّي من الذنوب والآثام الكبيرة لعله بسبب أنّ حالة الغضب تقود النفس إلى التحرر من قيود العقل وتفكّ عن قوى الشر جميع الضوابط الأخلاقية والشرعية لتتحرّر وتنطلق في كل إتجاه.

ومن الملفت للنظر أنّ هذه الآية لا تقول: إنّ هؤلاء لا يغضبون، لأنّ الغضب في مواجهة المصاعب اللاملائمات والتحدّيات هو حالة طبيعية لدى الإنسان، بل تقرر أنّ هؤلاء في حال الغضب يتحركون من موقع السيطرة على حالة الغضب هذه وأن لا يخضع الإنسان لايحاءات هذه القوة في نفسه وخاصة أنّ قوّة الغضب لا تقع دائماً في جانب الشرّ في الإنسان ولا تمثّل عنصراً سلبياً في دائرة السلوك المخرّب، فأحياناً تكون قوّة مثمرة وبنّاءة كما سيأتي تفصيل ذلك فيما بعد باذن اللَّه تعالى.

وتأتي‌«الآية الثانية»وبعد أن تستعرض وعد اللَّه تعالى للمتّقين بالجنّة التي وسع عرضها السموات والأرض لتتحدّث عن أوصاف هؤلاء، وأوّل صفة تذكرها لهؤلاء هي صفة الانفاق وتقول: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» ثمّ تضيف الآية «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ» وفي النتيجة: «وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ» فمن يعيش هذه الحالات الايجابية والقيم الأخلاقية فهو من المحسنين الذين تقول عنهم الآية في ذيلها: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الُمحْسِنِينَ».

والملفت للنظر أنّ الآية التي تليها وعدت هؤلاء بعفو اللَّه ومغفرته في حال صدور الخطأ منهم، وأنّهم عندما يتحرّكون صوب الانحراف وارتكاب الخطأ يتذكّرون اللَّه تعالى ويستغفرونه فيشملهم اللَّه بعفوه ومغفرته.

وهذا إشارة إلى أنّ هؤلاء كما أنّهم يتحرّكون في تعاملهم مع الآخرين من موقع العفو والصفح عن أخطاء الغير فإنّ اللَّه تعالى كذلك يعفو عنهم ويصفح عن أخطائهم.

وعلى أيّة حال فإنّ (كظم الغيظ) في هذه الآية ورد بعنوان أحد الصفات الإيجابية المرموقة لهؤلاء المتّقين.