إِلى الغَضَبِ فِي كُلِّ حالٍ»[1].
2- ضيق الافق:
إنّ الأشخاص الذين يعيشون سعة الصدر وكبر الروح وقوّةالشخصية وسعة الفكر فإنّهم يتحمّلون الحوادث الصعبة ويواجهون تحدّيات الواقع المرّة بكامل الوقار وحفظ النفس، ولكنّ الأشخاص الذين يعيشون ضيق الافق فإنّهم ينفعلون بأقل حادثة غير ملائمة وأحياناً يخرج زمام امورهم من أيديهم ويتصرّفون تصّرفاً طائشاً.
والحديث الذي قرأناه آنفاً من أنّ سرعة الغضب والحدّة من أخلاق الجهّال هو إشارة إلى هذه الحقيقة أيضاً.
3- التكبّر والغرور:
إنّ الأشخاص الذين يعيشون روح التكبّر والغرور، ويرغبون دائماً في أن يحفظ لهم الآخرون احترامهم ولا يتجاوزوا حدودهم ويقومون لهم حين دخولهم المجلس إكراماً لهم واحتراماً يرون لأنفسهم إمتيازات خاصة على سائر الناس، ولكن إذا لم يحصلوا على هذه التوقّعات ولم يجدوا في الناس ذلك الأحترام والإكرام فسوف تتحرّك فيهم حالة الغضب والحدّة، في حين أنّ عنصر الشر موجود في باطنهم والعامل الأساس لشقائهم موجود في ذواتهم ولا ذنب للآخرين.
ونقل في الرواية عن السيد المسيح عليه السلام ضمن بيانه لأسباب الغضب أنّه عدّ التكبّر والعجب والغرور من العوامل لذلك[2].
ونقرأ في حديث آخر عن السيد المسيح عليه السلام أيضاً أنّ الحواريين قالوا له:«يا مُعَلمَ الخَيرِ، عَلِّمنا أَيّ الأَشياءِ أَشَدُّ؟
فَقَالَ عليه السلام: أَشَدُّ الأشياء غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: فَبِمَ يُتَّقى غَضَبُ اللَّه؟ قَالَ: بِأَنْ لا تَغضَبُوا.
قَالُوا: وَما بِدؤ الغَضَبِ؟ قال عليه السلام: «الكِبرُ والتَّجبُّرُ وَمَحقَرَةُ النّاسِ»[3].
4- الحسد والحقد:
إنّ الأشخاص الذين يعيشون الحسد والحقد تجاه الآخرين فإنّ
[1]. غرر الحكم.
[2]. محجةالبيضاء، ج 5، ص 304.
[3]. سفينة النجاة، مادة غضب.
المواد الأولية لهذه الحالات الذميمة موجودة في باطنهم كما يخزن البارود والديناميت في مخازن ولا يحتاج إلّاإلى شرارة خفيفة من الخارج حتى ينفجر بركان الغضب ويستولي على جميع كيانهم، وفي الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام يقول:«الحِقدُ مَثارُ الغَضَبِ»[1].
5- الحرص وحبّ الدنيا:
إنّ الأشخاص الذين يهيمون بحبّ الدنيا ويملأ وجودهم الحرص على تحصيل زخارفها وزبارجها، فإنّهم لا يتحمّلون أن يجدوا أيّة مزاحمة وخسارة محتملة لمنافعهم الدنيوية، ولذلك نجدهم يثورون لأتفه الأسباب فيما لو تعرّضوا لبعض الخسائر الطفيفة، وبما أنّ الحياة الاجتماعية لا تخلو من أمثال هذه المزاحمات والمضايقات، بل يمكن القول أنّ هذه المزاحمات والمضايقات جزء من كل يوم من أيّام الدنيا، ولذلك نجد مثل هؤلاء الأشخاص يعيشون الغضب والحدّة باستمرار وفيما لو لم يستطيوا إبراز غضبهم في بعض الحالات فإنّ نار الغضب تستقر في ذواتهم وتحرق طاقاتهم الخيّرة وإمكاناتهم الإيجابية في عالم النفس.
وكما ورد في ذيل الحديث المذكور آنفاً عن السيد المسيح عليه السلام أنّه أشار إلى هذا العامل:
«وَشِدَّةُ الحِرصِ عَلى فُضُولِ المَالِ وَالجاهِ».
علاج الغضب:
ونظراً إلى أنّ الآثار السلبية والعواقب الوخيمة لحالات الغضب والحدّة كثيرة وخطرة جدّاً وأحياناً تؤدّي إلى تدمير حياة الإنسان على كل المستويات والصعد، لذلك كان من الضروري بذل الجهد لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية، وإلّا فإنّ الندم ينتظر هؤلاء الأشخاص، وقد ذكر كبار علماء الأخلاق في هذا الباب أبحاثاً مهمّة وكثيرة، والأهم من ذلك ما ورد من التعليمات الدينية في النصوص الإسلامية التي ذكرت إرشادات مؤثّرة لإطفاء نار الغضب في واقع الإنسان، ونختار منها ما يلي:
[1]. غرر الحكم.
1- أن يقوم الشخص الحاد المزاج بالتفكّر بآثار الغضب السلبّية وعواقبه السيئة قبل أن تستعر نيران الغضب في قلبه وتلتهم كيانه، فيتحرك على مستوى التلقين والإيحاء لها بأنّ الغضب هو في الحقيقة نار يمكنها أن تأتي على الأخضر واليابس وتحرق إيمانه وسعادته ووجوده، وتسعّر غضب اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، وأنّ هذه الحالة الذميمة تبعد الناس من حوله وتفرّق عنه أصدقاءه وتكون ذريعة بيد أعدائه، وللغضب آثار وخيمة على أعصاب الإنسان ويؤدي إلى قصر العمر ويهدد سلامة الشخص البدنية أيضاً، ويمنعه من الصعود في مدارج الكمال الدنيوي والاخروي.
بخلاف حالة الحلم وسعة الصدر التي هي رمز موفقّية الإنسان وتقدّمه وتفوّقه وصحّته الروحية والبدنية والتي تمنحه الإحترام والمودّة في قلوب الناس وتوجب له رضا اللَّه تعالى والإبتعاد عن الشيطان، وكذلك يتفكر في الثواب الإلهي لمن يعيش الحلم وسعة الصدر، والعقاب الإلهي المترتب على من يعيش الحدة وسرعة الغضب.
وهذه الامور لا يتفّكر فيها الإنسان في حال الغضب فحسب بل عليه أن يتفّكر فيها قبل ذلك ويلقّن نفسه باستمرار لكي لا يتورّط في هذه الحالة الذميمة.
2- أن يفكّر في عواقب الغضب والحدّة، وهذه المسألة مجربة تماماً، وإذا لم يجرّبها الإنسان نفسه فقد جرّبها الآخرون وهي أنّ كل تصميم على عمل معيّن يتّخذه الإنسان في حال الغضب فأنّه يكون زائفاً وسخيفاً وغالباً ما يوجب له الندم، فما أحسن أن يتذّكر هذه العبارة المعروفة عن أحد العلماء، وهي أنّه في حالة الغضب لا ينبغي عليه التصميم ولا التوبيخ ولا العقوبة.
3- ومن الطرق المهمّة لعلاج حالة الغضب والتي ورد التأكيد عليها في الروايات الشريفة هو (ذكر اللَّه) وقد ورد في بعض الروايات أنّ من ثارت فيه الحدّة عليه بقول:«أعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ»[1].
[1]. سفينة البحار، مادة الغضب، المحجة البيضاء، ج 5، ص 307.
وورد في رواية اخرى أن يقول في هذه الحالة:«لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلّابِاللَّهِ العَلِّي العَظِيمِ»[1]، لتهدأ سورة الغضب في أعماقه.
وجاء في بعض الروايات أيضاً أنّه ينبغي أن يضع خدّه على الأرض أو يسجد للَّهتعالى.
ويقول أبو سعيد الخدري نقلًا عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:«أَلا إنَّ الغضَبَ جَمرَةٌ فِي قَلبِ ابنِ آدمَ، أَلا تَرَونَ إِلى حَمرَةِ وَانتفاخِ أَودَاجِهِ فَمَن وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَليلصَقِ خَدَهُ بِالأرِضِ»[2].
ومن المعلوم أنّ كل شخص يسلك في حالة الغضب في خط العمل لهذه التوصيات والتعليمات الدينية ويلتجأ إلى اللَّه تعالى من شرّ الشيطان فإنّ غضبه سيهدأ قطعاً.
ومعلوم أيضاً أنّ ذكر اللَّه مؤثّر جدّاً في مثل هذه الأحوال، ولكنّ ذكر اللَّه بالكيفية المذكورة آنفاً أكثر تأثيراً من علاج هذه الحالة.
وقد أورد الشيخ الحرالعاملي في كتاب وسائل الشيعة باباً تحت عنوان (باب وجوب ذكراللَّه عند الغضب) في أبواب جهاد النفس، حيث يدلّ على أهميّة هذا الموضوع بالذات[3].
4- تغيير الحالة الفعلية للشخص إلى حالة اخرى حيث تكون مؤثرة في علاج الغضب أيضاً كما ورد في الروايات الإسلامية أنّ الشخص إذا تملّكه الغضب وكان جالساً فعليه أن يقوم، وإذا كان قائماً عليه أن يجلس، أو يعرض بوجهه عن مواجهة الحدث، أو يستلقي على الأرض، أو إذا أمكنه أن يبتعد عن محل الحادثة، أو يشغل نفسه بأمر آخر.
وهذا التغيّر في الحالة الفعلية يوثر كثيراً في تهدئة الغضب والحدّة فنقرأ في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قوله:«كانِ النَّبِيّ إذا غَضِبَ وَهُوَ قائِمٌ جَلَسَ وَإذا غَضِبَ وَهُوَ جالِسٌ اضطَجَعَ فَيَذهَبُ غَيضُهُ»[4].
[1]جامع الأحاديث، ج 13، ص 427.
[2]المحجة البيضاء، ج 5، ص 308.
[3]وسائل الشيعة، ج 11، ص 291 (باب 54 من أبواب جهاد النفس).
[4]المحجة البيضاء، ج 5، ص 308؛ بحار الانوار، ج 70، ص 272.
وقد ورد في بحار الانوار عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:
«وَأَيُّما رَجُلٍ غَضِبَ وَهُوَ قائِمٌ فَليَجلِس فَإِنَّهُ سَيَذهَبُ عَنهُ رِجزُ الشَّيطانِ وَإِنْ كانَ جالِساً فَليَقُم»[1].
وجاء في ذيل هذا الحديث الشريف أنّه إذا غضب الإنسان على أحد أرحامه فعليه أن يلمس بدنه ليثير في نفسه عواطف الرحم ممّا يقوده إلى الهدوء وعودة حالته الطبيعية.
5- الوضوء، أو شرب الماءالبارد وغسل الرأس والوجه، وكلّها تؤثر حتماً في تهدئة الإنسان وزوال حالة الغضب عنه، بل ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«إذِا غَضِبَ أَحَدُكُم فَليَتَوضأ»[2].
ويستفاد من هذا التعبير أنّ الوضوء مستحب في حالات الغضب ومؤثر في تسكينه وزواله.
وقد ذكر العلّامة المجلسي قدس سره في تحليله المختصر لهذا الحديث الشريف أنّ:«سَببُ الغَضَبِ الحَرارَةُ وَسَببُ الحَرارَةِ الحَرَكَةُ إذ قالَ صلى الله عليه و آله: إنَّ الغَضَبَ جَمرَةٌ تَتوقَدُ أَلم ترَ إِلى انتِفاخ أَودَاجِهِ وَحُمرَةُ عَينَيهِ؟ فإِن وَجَدَ أَحِدُكُم مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَليَتَوضأ بِالماءِ البارِدِ وَليَغسِل فَإِنَّ النِّارَ لايُطفِئُها إِلّا الماءُ، وَقَد قالَ صلى الله عليه و آله: إِذا غَضِبَ أَحَدُكُم فَليَتوضأ وَليَغتسلِ فَانَّ الغَضَبَ مِنَ النَّارِ»[3].
فإذا عمل الإنسان على ضمّ هذه الامور العملية إلى ما تقدّم من ضرورة التفكّر في الآثار الخطرة للغضب في الدنيا والآخرة وما يترتب عليه من العقوبات الإلهية فإنّ ذلك من شأنه أن يطفأ نار الغضب بالتأكيد، ولكنّ المشكلة تبدأ من أنّ الإنسان، لا يرغب في تغيير حالته والعمل بالتوصيات المذكورة لإزالة حالة الغضب عن نفسه، وحينئذٍ فالنجاة والخلاص من الآثار السلبية المترتبة على هذه الحالة الذميمة يكون عسيراً للغاية، بل غير ممكن أحياناً.
أقسام الغضب:
[1]بحار الأنوار، ج 70، ص 272.
[2]المصدر السابق، ج 77، ص 312.
[3]المصدر السابق، ج 70، ص 272.
إنّ حالة الغضب ليست سلبية دائماً، بل قد تترتب عليها آثار إيجابية على المستوى المادي والمعنوي في حياة الإنسان وأحياناً تكون ضرورية ولازمة، وعليه يمكننا تقسيم الغضب إلى إيجابي وسلبي، أو ممدوح ومذموم، فإذا ضممنا إليها الغضب في دائرة الالوهية تحصّلت لدينا ثلاثة أقسام للغضب:
1- غضب اللَّه تعالى:
حيث ورد الحديث عنه في الكثير من الآيات القرآنية الشريفة وخاصة بالنسبة إلى بني اسرائيل حيث تشير الآيات إلى أنّ اللَّه تعالى غضب عليهم، بل ورد (المغضوب عليهم) حيث ذكر جماعة من المفسّرين أنّ المقصود بهذه العبارة هم بنو اسرائيل الفاسقون في كل زمان ومكان حيث سوّدوا صفحة التاريخ البشري بذنوبهم وأعمالهم الأثيمة.
ولا شك أنّ الغضب بمعنى الانفعال النفسي المقترن مع حبّ الانتقام والذي يتجلّى في ظاهر الوجه على شكل إحمرار الوجه وإحتقان الدم وأمثال ذلك لا يرد قطعاً في مفهوم الغضب في دائرة الالوهية، لأنّ اللَّه تعالى منزّه عن الجسم والجسمانية والتغير والتبدّل في الحالات، فلا مفهوم لها بالنسبة إلى الذات المقدّسة، كما أنّ الانتقام بمعنى إرضاء حالة الغضب وتهدئة حرقة القلب الذي يصطلح عليه بالتشفّي المقترن مع تعذيب العدو وإلحاق الضرر به كذلك لا معنى ولا مفهوم بالنسبة إلى الذات الإلهية المقدّسة.
ومن ذلك فإنّ المفسّرين ذهبوا إلى أنّ غضب اللَّه تعالى بمعنى إنزال العقوبة العادلة بالمذنبين والمجرمين في الدنيا والآخرة.
يقول الراغب في مفرداته بصراحة: أنّه عندما يراد بالغضب صفة من الصفات الإلهية فإنّ المقصود هو الانتقام والعقاب من المجرمين.
فقد أشارت الأحاديث الإسلامية أيضاً إلى هذا المعنى، كما نقرأ في الحديث الشريف عن الإمام عليه السلام الباقر عليه السلام عن سؤال حول غضب اللَّه تعالى ماذا يعني؟ فقال:«غَضَبَ اللَّهُ تعالى عِقابَهُ يا عُمرَو[1]مَنْ ظَنَّ يُغَيِّرُهُ شَيءٌ فَقَدْ كَفَرَ»[2].
[1]. إشارة إلى عمرو بن عبيد المعتزلي الذي جاء مع جماعة إلى مجلس الإمام الباقر عليه السلام لاختباره، ولكنهم رجعوا خائبين.
[2]. بحار الانوار، ج 4، ص 68.
وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ غضب اللَّه تعالى هوعقابه كما أنّ رضا اللَّه هو ثوابه (لا أنّ الغَضَبَ حالَةٌ نفسيّة فِي الذَّاتِ المُقَدَّسةُ تِقتَضِي التَّغَيُّرَ وَالتَّبَدُّلَ الُّذي نَراهُ فِي صِفاتِ المُمكِناتِ).
وخلاصة الكلام أنّ الآيات والروايات الشريفة التي تتحدّث عن غضب اللَّه وسخطه لا تتعلّق بحالة الغضب لدى المخلوقين ولا تشبهها بشكل من الأشكال، بل هي في الواقع إنزال العقاب العادل في حق المجرمين ولغرض تربية الإنسان وايصاله إلى كماله اللّائق.
2- الغضب السلبي والمخرب،
الذي تقدّم البحث فيه بالتفصيل في الاحاديث السابقة ورأينا الأضرار الكبيرة المترتبة على هذه الحالة النفسية وبحثنا أسبابها وطرق علاجها بما لا حاجة إلى توضيح أكثر.
3- الغضب الإيجابي للإنسان:
ومعلوم أنّ هذه القوّة لدى الإنسان لم تخلق من دون غرض وحكمة، فلو تصوّر شخص أنّ هذه القوّة فد خلقها اللَّه تعالى وجعلها في الإنسان لغرض التخريب والشر فإنّه لم يدرك جيداً حكمة اللَّه تعالى في خلقه، وفي الحقيقة أنّ توحيده الأفعالي ناقص.
فمن المحال أن يخلق اللَّه تعالى عضواً من أعضاء بدن الإنسان أو قوّة في نفسه وروحه ليس لها فائدة ومنفعة في حياة الإنسان ومن ذلك قوّة الغضب.
عندما يعيش الإنسان حالة الغضب وتسيطر عليه هذه القوّة فإنّها تعمل على تعبئة جميع طاقاته وقواه الفكريّة والجسدية تجاه الخطر وأحياناً تتضاعف قدرته أضعاف ما كانت عليه في الحالات العاديّة، والحكمة الوجودية لهذه الحالة في الواقع هي الدفاع عن الإنسان ومنافعه في نفسه وماله وعرضه تجاه الخطر وتحدّيات الظروف الخارجية، وهذه نعمة وموهبة إلهية كبيرة جدّاً.
إننا نرى الحيوانات أو الطيور أيضاً عندما يشعرن بالخطر يتحرّكن ويلذن بالفرار بعيداً عن منطقة الخطر، ولكنّ هذه الحيوانات عندما يتعرّض أطفالهن إلى الخطر فإنّها تتصدّى إلى هذا الخطر وتدافع بنفسها عن أولادها ممّا يثير تعجّب الكثيرين، وأحياناً قد يرى طائر
جبان الخطر على فراخه فيهجم باتّجاه الخطر ويتصدّى إلى المهاجمين ويبعدهم عن أطفاله ويلحق بهم الهزيمة وحتى بعض الحيوانات كالقط إذا رأى نفسه محبوساً في غرفة وتعرّض للهجوم فإنّه يتصدّى أيضاً للدفاع عن نفسه ويتبدّل إلى حيوان متوحّش وخطر حيث يهجم أحياناً على الإنسان ويلحق به أضراراً كثيرة.
وعليه فإنّ قوّة الغضب هي في الحقيقة قوّة مفيدة ومهمّة في عملية الدفاع عن النفس وما يتعلّق بالإنسان من الامور المادية والمعنوية، ولذلك فهي ضرورية في بقاء واستمرار الحياة وتكامل الإنسان بشرط أن تستخدم في مكانها وفي الغرض التي خلقت لأجله بدون افراط وتفريط.
ونقرأ في الآيات والروايات الإسلامية موارد كثيرة تتحدّث عن الغضب المقدّس الإيجابي والغضب الإلهي كذلك، ومنها:
1- نقرأ في قصّة موسى عليه السلام أنّه عندما توجّه إلى جبل الطور لإستلام الوحي الإلهي والتوراة، فإنّ السامري قد استغل هذه الفرصة في غياب موسى عليه السلام وصنع العجل الذهبي لبني اسرائيل ودعاهم إلى عبادته وقد أخبر اللَّه تعالى موسى عليه السلام بهذا الحدث العظيم وهو في جبل الطور ممّا جعل موسى عليه السلام يغضب لذلك ويحزن ويعود إلى قومه وهو غارق في الهم ويعتصره الألم، فألقى الألواح التي كتبت فيها التوراة والأحكام الإلهية وأخذ برأس أخيه وبلحيته موبّخاً إيّاه على تساهله مقابل ما صنعه السامري من اضلال بني اسرائيل وحتى أنّه وبّخه كما تقول الآية: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[1].
هذه الحالة المثيرة والغضب الشديد الذي استعر في قلب موسى عليه السلام تجاه ما صنعه بنو اسرائيل من عبادة العجل قد أثر أثره الكبير في قلوب اليهود وهزّهم من أعماقهم فانتبهوا من غفلتهم وأدركوا سوء تصرّفهم في انحرافهم عن التوحيد وسلوكهم في خط الشرك وعبادة الوثن.
[1]. سورة طه، الآية 92 و 93؛ سورة الاعراف، الآية 150 و 151.