إنّ حالة الغضب ليست سلبية دائماً، بل قد تترتب عليها آثار إيجابية على المستوى المادي والمعنوي في حياة الإنسان وأحياناً تكون ضرورية ولازمة، وعليه يمكننا تقسيم الغضب إلى إيجابي وسلبي، أو ممدوح ومذموم، فإذا ضممنا إليها الغضب في دائرة الالوهية تحصّلت لدينا ثلاثة أقسام للغضب:
1- غضب اللَّه تعالى:
حيث ورد الحديث عنه في الكثير من الآيات القرآنية الشريفة وخاصة بالنسبة إلى بني اسرائيل حيث تشير الآيات إلى أنّ اللَّه تعالى غضب عليهم، بل ورد (المغضوب عليهم) حيث ذكر جماعة من المفسّرين أنّ المقصود بهذه العبارة هم بنو اسرائيل الفاسقون في كل زمان ومكان حيث سوّدوا صفحة التاريخ البشري بذنوبهم وأعمالهم الأثيمة.
ولا شك أنّ الغضب بمعنى الانفعال النفسي المقترن مع حبّ الانتقام والذي يتجلّى في ظاهر الوجه على شكل إحمرار الوجه وإحتقان الدم وأمثال ذلك لا يرد قطعاً في مفهوم الغضب في دائرة الالوهية، لأنّ اللَّه تعالى منزّه عن الجسم والجسمانية والتغير والتبدّل في الحالات، فلا مفهوم لها بالنسبة إلى الذات المقدّسة، كما أنّ الانتقام بمعنى إرضاء حالة الغضب وتهدئة حرقة القلب الذي يصطلح عليه بالتشفّي المقترن مع تعذيب العدو وإلحاق الضرر به كذلك لا معنى ولا مفهوم بالنسبة إلى الذات الإلهية المقدّسة.
ومن ذلك فإنّ المفسّرين ذهبوا إلى أنّ غضب اللَّه تعالى بمعنى إنزال العقوبة العادلة بالمذنبين والمجرمين في الدنيا والآخرة.
يقول الراغب في مفرداته بصراحة: أنّه عندما يراد بالغضب صفة من الصفات الإلهية فإنّ المقصود هو الانتقام والعقاب من المجرمين.
فقد أشارت الأحاديث الإسلامية أيضاً إلى هذا المعنى، كما نقرأ في الحديث الشريف عن الإمام عليه السلام الباقر عليه السلام عن سؤال حول غضب اللَّه تعالى ماذا يعني؟ فقال:«غَضَبَ اللَّهُ تعالى عِقابَهُ يا عُمرَو[1]مَنْ ظَنَّ يُغَيِّرُهُ شَيءٌ فَقَدْ كَفَرَ»[2].
[1]. إشارة إلى عمرو بن عبيد المعتزلي الذي جاء مع جماعة إلى مجلس الإمام الباقر عليه السلام لاختباره، ولكنهم رجعوا خائبين.
[2]. بحار الانوار، ج 4، ص 68.
وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ غضب اللَّه تعالى هوعقابه كما أنّ رضا اللَّه هو ثوابه (لا أنّ الغَضَبَ حالَةٌ نفسيّة فِي الذَّاتِ المُقَدَّسةُ تِقتَضِي التَّغَيُّرَ وَالتَّبَدُّلَ الُّذي نَراهُ فِي صِفاتِ المُمكِناتِ).
وخلاصة الكلام أنّ الآيات والروايات الشريفة التي تتحدّث عن غضب اللَّه وسخطه لا تتعلّق بحالة الغضب لدى المخلوقين ولا تشبهها بشكل من الأشكال، بل هي في الواقع إنزال العقاب العادل في حق المجرمين ولغرض تربية الإنسان وايصاله إلى كماله اللّائق.
2- الغضب السلبي والمخرب،
الذي تقدّم البحث فيه بالتفصيل في الاحاديث السابقة ورأينا الأضرار الكبيرة المترتبة على هذه الحالة النفسية وبحثنا أسبابها وطرق علاجها بما لا حاجة إلى توضيح أكثر.
3- الغضب الإيجابي للإنسان:
ومعلوم أنّ هذه القوّة لدى الإنسان لم تخلق من دون غرض وحكمة، فلو تصوّر شخص أنّ هذه القوّة فد خلقها اللَّه تعالى وجعلها في الإنسان لغرض التخريب والشر فإنّه لم يدرك جيداً حكمة اللَّه تعالى في خلقه، وفي الحقيقة أنّ توحيده الأفعالي ناقص.
فمن المحال أن يخلق اللَّه تعالى عضواً من أعضاء بدن الإنسان أو قوّة في نفسه وروحه ليس لها فائدة ومنفعة في حياة الإنسان ومن ذلك قوّة الغضب.
عندما يعيش الإنسان حالة الغضب وتسيطر عليه هذه القوّة فإنّها تعمل على تعبئة جميع طاقاته وقواه الفكريّة والجسدية تجاه الخطر وأحياناً تتضاعف قدرته أضعاف ما كانت عليه في الحالات العاديّة، والحكمة الوجودية لهذه الحالة في الواقع هي الدفاع عن الإنسان ومنافعه في نفسه وماله وعرضه تجاه الخطر وتحدّيات الظروف الخارجية، وهذه نعمة وموهبة إلهية كبيرة جدّاً.
إننا نرى الحيوانات أو الطيور أيضاً عندما يشعرن بالخطر يتحرّكن ويلذن بالفرار بعيداً عن منطقة الخطر، ولكنّ هذه الحيوانات عندما يتعرّض أطفالهن إلى الخطر فإنّها تتصدّى إلى هذا الخطر وتدافع بنفسها عن أولادها ممّا يثير تعجّب الكثيرين، وأحياناً قد يرى طائر
جبان الخطر على فراخه فيهجم باتّجاه الخطر ويتصدّى إلى المهاجمين ويبعدهم عن أطفاله ويلحق بهم الهزيمة وحتى بعض الحيوانات كالقط إذا رأى نفسه محبوساً في غرفة وتعرّض للهجوم فإنّه يتصدّى أيضاً للدفاع عن نفسه ويتبدّل إلى حيوان متوحّش وخطر حيث يهجم أحياناً على الإنسان ويلحق به أضراراً كثيرة.
وعليه فإنّ قوّة الغضب هي في الحقيقة قوّة مفيدة ومهمّة في عملية الدفاع عن النفس وما يتعلّق بالإنسان من الامور المادية والمعنوية، ولذلك فهي ضرورية في بقاء واستمرار الحياة وتكامل الإنسان بشرط أن تستخدم في مكانها وفي الغرض التي خلقت لأجله بدون افراط وتفريط.
ونقرأ في الآيات والروايات الإسلامية موارد كثيرة تتحدّث عن الغضب المقدّس الإيجابي والغضب الإلهي كذلك، ومنها:
1- نقرأ في قصّة موسى عليه السلام أنّه عندما توجّه إلى جبل الطور لإستلام الوحي الإلهي والتوراة، فإنّ السامري قد استغل هذه الفرصة في غياب موسى عليه السلام وصنع العجل الذهبي لبني اسرائيل ودعاهم إلى عبادته وقد أخبر اللَّه تعالى موسى عليه السلام بهذا الحدث العظيم وهو في جبل الطور ممّا جعل موسى عليه السلام يغضب لذلك ويحزن ويعود إلى قومه وهو غارق في الهم ويعتصره الألم، فألقى الألواح التي كتبت فيها التوراة والأحكام الإلهية وأخذ برأس أخيه وبلحيته موبّخاً إيّاه على تساهله مقابل ما صنعه السامري من اضلال بني اسرائيل وحتى أنّه وبّخه كما تقول الآية: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[1].
هذه الحالة المثيرة والغضب الشديد الذي استعر في قلب موسى عليه السلام تجاه ما صنعه بنو اسرائيل من عبادة العجل قد أثر أثره الكبير في قلوب اليهود وهزّهم من أعماقهم فانتبهوا من غفلتهم وأدركوا سوء تصرّفهم في انحرافهم عن التوحيد وسلوكهم في خط الشرك وعبادة الوثن.
[1]. سورة طه، الآية 92 و 93؛ سورة الاعراف، الآية 150 و 151.
ومعلوم أنّ مثل هذا الغضب الشديد في مقابل ظاهرة انحراف الناس وضلالهم هو من الغضب الإيجابي والبنّاء وله بعد إلهي في حركة حياة الإنسان المعنوية.
وهكذا الحال في جميع أشكال الغضب لدى الأنبياء الإلهيين في مقابل أقوامهم المنحرفين والضالّين.
ومن اليقين أنّ موسى عليه السلام إذا كان قدواجه هذه الظاهرة من موقع برودة الأعصاب وعدم تثوير حالة الغضب في نفسه فإنّ بني اسرائيل يستوحون من هذا السلوك إمضاءاً وأعترافاً من موسى عليه السلام بأفعالهم وسلوكياتهم الخاصة، وبالتالي فإنّ مواجهة هذا الانحراف قد يكون مشكلًا فيما بعد، ولكنّ غضب موسى عليه السلام وهيجانه قد أثر أثره الإيجابي الكبير في رجوع بني اسرائيل عن خط الانحراف.
2- ونقرأ في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه أحياناً يتملكه الغضب الشديد تجاه بعض الحوادث والوقائع بحيث تظهر آثار الغضب على محياه ووجه المبارك.
من قبيل ما ورد في قصّة صلح الحديبية أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قد غضب بشدّة لبعض مقترحات (سهيل بن عمر) (وكيل قريش لعقد معاهدة الصلح مع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله) وكان غضبه حول بعض الموارد المقرّرة لمكتوب الصلح بين الطرفين بحيث ذكر المؤرّخون أنّ آثار الغضب ظهرت على وجهه وسيمائه (وهذا الأمر تسبب في سحب سهيل اقتراحه وعدم ذكره في بنود الصلح)[1].
2- وورد في سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه غضب بشدة على أحد المسلمين الذي أضرّ بزوجته وهدّدها بالحرق، فما كان من الإمام علي عليه السلام إلّاأن تأثر بشدّة لذلك وسحب سيفه على هذا الرجل وقال:«آمرُكَ بِالمَعرُوفِ وَأَنهاكَ عَنْ المُنكَرِ وَتَردُ المَعروفَ؟ تُب وَإِلّا قَتَلتُكَ. (ولما علِم الشابُ أَنّه أَميرالمؤمنين عليه السلام) قالَ: يا أَمِيرَالمُؤمِنِينَ اعفُ عَنِّي عفا اللَّهُ عَنكَ وَاللَّهِ لأَكُوننَ أَرضاً تَطأني، فَأَمرها بِالدُخُولِ إِلى مَنزِلِها وانكفأ وَهُو يَقُولُ: لاخَيرَ فِي
[1]. بحار الانوار، ج 20، ص 360.
كَثيرٍ مِنْ نَجواهُم إلّامَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعرُوفٍ أَو إِصلاحٍ بَينَ النَّاسِ»[1].
ومن اليقين أنّ مثل هذ الغضب مقدّس وإلهي حيث يوثّر كثيراً على مستوى سوق الشخص المذنب بإتّجاه الحق والعدالة والسير في خط الإيمان.
4- ونقرأ في حالات أبي ذر رضى الله عنه عندما لم يتحمل عثمان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أمر بتبعيده ونفيه إلى صحراء الربذة في أسوأ الظروف والحالات، فما كان من الإمام علي عليه السلام إلّاأن حضر لتوديعه وقال له:«يا أَبا ذَر إِنَّكَ غَضِبتَ للَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فَارْجُ مَنْ غَضِبتَ لَهُ إِنَّ القَومَ خافُوكَ عَلى دُنياهُم وَخِفتَهُم عَلى دِينِكَ، فَاترُكْ فِي أَيدِيهِم ما خافُوكَ عَلَيهِ وَاهرُب مِنهُم بِما خِفتَهُم عَلَيهِ»[2].
وبديهي أنّ غضب أبي ذر رضى الله عنه كان بالنسبة إلى مايراه من التلاعب بأموال المسلمين وبيت المال وما يشاهده من الظلم والجور بحق سائر المسلمين فإنّ مثل هذا الغضب يقع في دائرة الغضب الإلهي المقدّس.
وفيكلام آخر لأبي ذر رضى الله عنه أيضاً عندما أمر معاوية بنفيه عن الشام وابعاده عنه لشدّة انتقاداته اللاذعة وجرأته وشجاعته في اللَّه حيث خاف معاوية على مقامه وسمعته بين أهل الشام، فما كان من أبي ذر رضى الله عنه إلّاأنّ خاطب المسلمين من أهل الشام الذين جاءوا لتوديعه وقال:«أَيُّها النّاسُ إِجمَعُوا مَعَ صَلاتِكُم وَصَومِكُم غَضَباً للَّهعَزَّ وَجَلَّ إِذا عُصِيَ فِي الأَرضِ»[3].
5- ونقرأ في حديث شريف عن سيرة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام عندما جاء إلى والي المدينة الوليد بن عتبة:«فَقَد كانَتْ بَينَ الحُسينِ عليه السلام وَبَينَ الولِيد بنِ عَقبةِ مَنازَعَةٌ فِي ضَيعَةٍ فَتَناوَلَ الحُسَينِ عليه السلام عَمامَةَ الوليدِ عَنْ رَأَسِهِ وَشَدَّها فِي عُنقِهِ وَهُوَ يَومَئِذٍ والٍ عَلَى
[1]. بحارالانوار، ج 40، ص 113.
[2]. نهج البلاغة، الخطبة 130.
[3]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 2270.
المَدينَةِ، فَقالَ مَروانُ: بِاللَّهِ ما رَأَيتُ كَاليَومِ جُرأَةَ رَجُلٍ عَلى أَمَيرهِ، فَقالَ الوَلِيدُ: وَاللَّهِ ما قُلتَ هذا غَضَباً لِي وَلَكِنَّكَ حَسَدتَنِي عَلى حَلمِي عَنهُ وَإِنّما كَانَتِ الضَّيعَةُ لَهُ، فَقالَ الحُسَينُ عليه السلام: الضَّيعَةُ لَكَ يا وَلِيدُ وَقامَ»[1].
وهذه إشارة إلى أنّ غضبه عليه السلام لم يكن للدنيا وحطامها بل لإثبات عجز الوليد عن فرض رأيه بالقوة.
6- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام عندما بعث بمالك الأشتر والياً على مصر فارسل معه كتاباً إلى أهل مصر يقول فيه:«مِنْ عَبدِاللَّهِ عَليِّ أَمِيرِالمُؤمِنِينَ عليه السلام إلَى القَومِ الَّذِينَ غَضِبُوا للَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرضِهِ وَذُهِبَ بِحَقِّهِ»[2].
7- وورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّ اللَّه تعالى أوحى لأشعياء النبي عليه السلام:«إِنِّي مُهلِكٌ مِنْ قَومِكَ مائَةَ أَلفٍ، أَربَعينَ أَلفاً مِنْ شِرارِهِم وَسَتِّينَ ألفاً مِنْ خيارِهِم، فقالَ عليه السلام:
هَؤلاءِ الأَشرارِ فما بالُ الأَخيارِ؟ فَقالَ: داهَنُوا أَهلَ المَعاصِي فَلَم يَغضَبُوا لِغَضَبِي»[3].
هذه وأمثالها من الروايات الواردة في المصادر الإسلامية غير قليلة وتتحدّث جميعها عن الغضب المقدّس الذي يكون للَّهتعالى وللدفاع عن الحق مقابل الظالمين وقوى الانحراف وأصحاب البدع والضلالة.
أمّا الفرق بين الغضب المقدّس والمذموم هوأولًا:إنّ الغضب المقدّس يقع تحت سيطرة العقل والشرع ولا يتجاوز هذه الدائرة ويكون بهدف تعبئة جميع قوى الإنسان لمواجهةالعمل المنكر الذي يراد ارتكابه لمنع وقوعه وارتكابه، وأمّا الغضب الشيطاني فإنّه ليس فقط لا يقع تحت دائرة العقل والشرع، بل يكون بوحي من الأهواء والشهوات والنوازع الذاتية التي تقود الإنسان في خط الانحراف والباطل.
ثانياً:إنّ الغضب المقدّس يتّجه لتحقيق أهداف مقدّسة ويتقارن مع المنهجية والنظم في دائرة السلوك والعمل، في حين أنّ الغضب المذموم والشيطاني لا يهدف إلى تحقيق شيء مفيد ومقدّس ويفتقد كذلك إلى البرمجة والنظم.
ثالثاً:إنّ الغضب المقدّس له حدود معيّنة لا يتجاوز عنها، في حين أنّ الغضب الشيطاني
[1]. بحار الانوار، ج 44، ص 191.
[2]. نهج البلاغة، الرسالة 38.
[3]. بحار الانوار، ج 14، ص 161.
لا يعرف حدّاً معيّناً، وعلى سبيل المثال يمكننا بيان ما تقدّم من الفرق بين هذين النحوين من الغضب بالقول بأنّ الغضب المقدّس حاله حال السيل النازل من الجبال والمجتمع خلف السد حيث يتمّ الإستفادة منه بشكل منظّم ومحسوب، مياهه تجري في قنوات خاصة وتتسبب في عمران المنطقة وزيادة البركة والخير العميم، في حين أنّ الغضب الشيطاني حاله حال السيول المخرّبة التي تسيل من الجبال ولا تجد أمامها مانعاً من الموانع وبالتالي فإنّها تدّمر كل شيء تجده أمامها.
ونختم هذا الحديث بكلام عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول:«إِنَّما المُؤمِنُ الَّذِي إِذا غَضَبَ لَم يَخرُجهُ غَضَبُهُ مِنْ الحِقِّ وَإِذا رَضَيَ لَم يَدخُلهُ رِضاهُ فِي باطِلٍ»[1].
الحلم وسعة الصدر:
النقطة المقابلة لحالة الغضب والحدّة المذمومة هي الحلم وضبط النفس وسعة الصدر كما ورد عن الإمام الحسن عليه السلام عندما سئل عن معنى الحلم فقال:«كَظمُ الغَيظِ وَمِلكُ النَّفسِ»[2]، ومن علاماته حسن التعامل مع الناس والمعاشره بالمعروف مع الآخرين كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قوله:«لَيسَ بِحَليمٍ مَنْ لَمْ يُعاشِرِ بِالمَعرُوفِ مَنْ لابُدَّ لَهُ مِنْ مُعاشَرَتَهُ»[3].
أمّا الأشخاص الذين يتحلّمون بسبب عجزهم وعدم قدرتهم على إشهار الغضب وممارسته فهم يفتقدون في الواقع لفضيلة الحلم وسعة الصدر، لأنّهم كلّما وجدوا القدرة على ممارسة غضبهم وإخراجه إلى دائرة العمل يتحرّكون فوراً للإنتقام من الطرف الآخر كما ورد هذا المعنى في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال:«لَيسَ الَحلِيمُ مَنْ عَجَزَ فَهُجِمَ وإِذا قَدَرَ إنتَقَمَ إِنَّما الحَلِيمُ مَنْ إِذا قَدَرَ عَفى»[4].
[1]. بحار الانوار، ج 64، ص 354.
[2]. المصدر السابق.
[3]. كنز العمال، ج 3، ص 130، ح 5815.
[4]. غرر الحكم.
وعلى أية حال فإنّ الحلم وضبط النفس يعدّ من أفضل وأكرم القيم الأخلاقية وخاصة للرؤساء والمدراء والأولياء على العوائل حيث يتسبب في تكاملهم المعنوي وقوّة مديريّتهم وجذب القلوب إليهم وبالتالي بإمكانه أن يحل لهم الكثير من المشكلات ويهوّن عليهم المصاعب، أمّا بالنسبة إلى أهميّة هذه الفضيلة الأخلاقية فنختار في هذا المضمون عدّة روايات واردة في هذا الباب:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«أَلا اخبِرُكُم بِأشبَهَكُم بِي أَخلاقاً؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: أَحسِنَكُم أَخلاقاً وَأَعظَمَكُم حِلماً وَأَبَرَّكَمُ بِقَرابَتِهِ وَأَشَدَّكُم إِنصافاً مِنْ نَفسِهِ فِي الغَضَبِ وَالرِّضا»[1].
2- ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً قوله:«ما جُمِعَ شَيٌّ إِلى شَيٍّ أَفضَلَ مِنْ حِلمٍ إِلى عَلمٍ»[2].
3- وورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«أَشجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ الجَهلَ بِالحِلمِ»[3].
ويشبه هذا المعنى ما ورد أيضاً عن الإمام عليه السلام أنّه قال:«أَقوَى النّاسِ مَنْ قَوى عَلى غَضِبِهِ بِحِلمِهِ»[4].
4- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أنّه قال:«إِنَّ أَفضَلَ أَخلاقِ الرَّجالِ الحِلمُ»[5].
5- وفي حديث شيّق عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدرِكَ بِالحِلمِ واللِّينِ دَرَجَةَ العابِدِ المُتَهَجِّدِ»[6].
وهذا تعبير في الحديث الشريف يبيّن بوضوح أنّ الحلم وضبط النفس يعدّ من العبادات
[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 152 وورد مثلها مع تفاوت يسير في وسائل الشيعة، ج 11، ص 211.
[2]. المصدر السابق، ص 212.
[3]. غرر الحكم.
[4]. المصدر السابق.
[5]. المصدر السابق.
[6]. مستدرك الوسائل، ج 11، كتاب الجهاد ..