إنّه يحفظ الإنسان من أخطار الغضب التي قد تدمّر حياته وتجعله يعيش الندم إلى آخر عمره.
والآخر أنّ الحلم يورث الإنسان العزّة وقوّة الشخصية والشرف، لأنّ جميع الناس يرون أنّ الحلم وضبط النفس في مقابل الأشخاص الجهلاء والحاقدين دليل على عظمة النفس وقوّة الشخصية ورجحان العقل، ولذلك ورد في بعض الروايات عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال:
«مَن حَلُمَ سادَ»[1].
مضافاً إلى ذلك أنّ الحلم في مقابل الجهلاء يتسبب في أنّ الناس يهرعون لنصرة الحليم ضدّ الجاهل، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«إنَّ أَوّلُ عِوَضِ الحَليمِ مِنْ خِصلَتِهِ أَنَّ النَّاسَ كُلُّهُم أَعوانُهُ عَلى خَصمِهِ»[2].
ومضافاً إلى أنّ الحلم يورث الإنسان العزّة وماء الوجه في حين أنّ الغضب العجين بالجهل يتسبب في إراقة ماء الوجه وهتك حرمة الإنسان، كما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«ما عَزَّ اللَّهُ بِجهلٍ قَطُّ وَلا أَذَلَّ بِحلمٍ قَطُّ»[3]
والخلاصة أنّ فضيلة الحلم وضبط النفس وسعة الصدر لها بركات وإيجابيات كثيرة في حياة الإنسان، وأفضل ما قيل في هذا الباب ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:«فَأَمّا الحِلمُ فَمِنهُ رُكُوبُ الجَمِيلِ، وَصُحبَةُ الأَبرارِ، وَرَفعٌ مِنَ الضِّعَةِ، وَرَفعٌ مِنَ الخَساسةِ وَتَشهِّي الخَيرِ، وَيُقَرِّبُ صاحِبَهُ مِنْ مَعالِي الدَّرَجاتِ، وَالعَفوَ وَالمَهلِ وَالمَعرُوفِ والصَّمتِ، فَهذِا ما يَتَشَعَّبُ لِلعاقِلِ بِحِلمِهِ»[4].
2- إنّ الحلم وضبط النفس حاله حال سائر الصفات الأخلاقية للإنسان من حيث الدوافع والأسباب المتعددة التي تقود الإنسان باتّجاه هذه الفضيلة، ويمكننا استعراض بعض هذه الأسباب والدوافع:
[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 208، ح 1.
[2]. المصدر السابق.
[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 112.
[4]. تحف العقول، ص 19.
الف)إنّ التسلط على النفس وضبط القوى والنوازع النفسية يتسبب في أن يصمد الإنسان أمام المصاعب والأزمات فلا ينهار أمامها، وبالتالي لا يخضع أمام قوّة الغضب والانفعال، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام في تعريف الحلم الإشارة إلى هذا المعنى حيث قال:
«كَظمُ الغيظِ ومِلكُ النَّفسِ»[1].
ونفس هذا المعنى ورد أيضاً عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام[2].
ب)ومن الامور التي تمنع الإنسان من الانهيار والخضوع أمام الغضب وتقوّي في واقعه فضيلة الحلم هوعلو الطبع وعلو الهمّة وقوّة الشخصية في الإنسان والتي لا تدعه يواجه الغضب والحدّة من موقع الانفعال ويسلك سلوك الجهلاء كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام:
«الحِلمُ وَالأَناهُ تَوأَمانِ يَنتُجُهُما عُلوُ الهِمَّةِ»[3].
ج)ومن الأسباب الاخرى في تقوية هذه الفضيلة الأخلاقية في واقع الإنسان وقلبه هوالإيمان باللَّه تعالى والتوجّه إلى الذات المقدّسة من موقع الذوبان في صفاته وأسمائه الحسنى ومنها صفة الحلم الإلهي مقابل العصاة والمجرمين من عباده كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«الحِلمُ سِراجُ اللَّهِ يَستَضيء بِهِ صاحِبُهُ إِلى جَوارِهِ وَلا يَكُونُ حَليماً إِلّا المَؤيَّدُ بِأَنوارِ اللَّهِ وَبِأَنوارِ المَعرِفَةِ وَالتَّوحِيدِ»[4].
د)ومن العوامل الاخرى لتفعيل هذه الفضيلة هو مطالعة آثارها الإيجابية ونتائجها الحميدة على حياة الإنسان وكذلك مطالعة الآثار السلبية للغضب والحدّة بإمكانه الحدّ من قوّة هذه الحالة النفسية والتقليل من أضرارها، كما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«الحِلمُ نُورُ جُوهَرَهُ العَقلَ»[5].
وقال عليه السلام أيضاً في حديث آخر:«بِوُفُورِ العَقلِ يَتَوَفَّرُ الحِلمُ»[6].
[1]. تحف العقول، ص 19.
[2]. بحار الانوار، ج 75، ص 102.
[3]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 460.
[4]. بحار الانوار، ج 68، ص 422، ح 61.
[5]. غرر الحكم.
[6]. المصدر السابق.
ونقرأ أيضاً في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«عَلَيكَ بِالحِلمِ فَإِنَّهُ ثَمَرَةُ العِلمِ»[1].
3- موارد الاستثناء، رغم أنّ الحلم يعدّ من الفضائل الأخلاقية البارزة في حياة الإنسان وسلوكه، ولكن هناك بعض الموارد في حركة التفاعل الاجتماعي لا يكون فيها الحلم فضيلة أخلاقية، ومثل هذه الاستثناءات موجودة في سائر الفضائل الأخلاقية أيضاً، مثلًا في الموارد التي يتسبب فيها الحلم وضبط النفس زيادة الجرأة لدى الجهلاء والمتعصبين الذين يستغلون الخُلق السامي لدى الطرف الآخر فيتعاملون معه من موقع العقدة والخصومة وزيادة العدوان، فهنا يكون الحلم غير مؤثّر في التأثير على الجاهل الجاهل بل ينبغي استعمال طرق اخرى لإسكاته وكبح جماحه وردعه عن غيّه.
وكذلك في الموارد التي يؤدّي فيها الحلم إلى الإضرار بالمجتمع أو بالمذهب والدين فهنا من الخطأ استخدام صفة الحلم وسعة الصدر والسكوت.
وكذلك من الموارد الاخرى هو ما إذا كان سلوك طريق الحلم يحسب من علامات الضعف والذلّة في صاحبه.
[1]. غرر الحكم.
15- العفو والانتقام
تنويه:
إنّ من أكبر الفضائل الأخلاقية التي لا يصل الإنسان إلى مراتب الكمال بدونها هي صفة العفو والصفح عند القدرة على الردّ العملي على الطرف المقابل وترك الانتقام منه.
إنّ الكثير من الناس يعيشون حالة الحقد الكامن في قلوبهم وأعماقهم وينتظرون الفرصة السانحة للانتقام من عدوّهم والظفر به، فلا يتحرّكون في خط الرد بالمثل وجواب السيئة بالسيئة فقط، بل يردون السيئة الواحدة بأضعافها من السيئات والأعمال الانتقامية، والأسوأ من الجميع أنّ هذه الصفة الرذيلة تتجلّى بمظهر الصفة الحسنة التي تبعث على الفخر والاعتزاز فيقول الإنسان إنني قد ظفرت بعدوّي وأذقته العذاب الشديد وفعلت معه كذا وكذا.
إنّ التاريخ البشري مليء بحالات الانتقام والقسوة من قبل السلاطين والامراء ورؤساء القبائل لأقوامهم أو لأقوام اخرى من أعدائهم.
والعجيب هو أنّ حالات الانتقام هذه تتشابك مع بعضها بصورة سلسلة وحلقات متوالية، فعلى سبيل المثال أنّ إحدى القبائل تقوم بقتل شخص من القبيلة الاخرى، فتقوم قبيلة المقتول عند توفّر الفرصة بالثأر لنفسها وتقتل خمسين شخصاً من القبيلة الاخرى وهكذا
يستمر النزاع والصراع وسفك الدماء.
إنّ أشكال النهب والسلب وهتك النواميس والأعراض والقتل الفجيع في التاريخ البشري معلول لهذه الصفة الخبيثة والذميمة في أعماق البشر وتمتد إلى ذواتهم الحيوانية وعناصر الشر فيهم.
وبعكس ذلك ما نجده في سيرة الأنبياء والأولياء هو أنّهم عندما تسنح لهم الفرصة ويتغلّبون على عدوهم فإنّهم يتحرّكون من موقع العفو والصفح عن جرائمه السابقة وبذلك يعملون على تبديل أشدّ الأعداء إلى أقرب الأصدقاء.
إنّ مثل هذه الشخصيات الفذّة في التاريخ البشري لا يعيشون حالة الرغبة في الثأر لأنفسهم والانتقام من عدوّهم وغسل الدم بالدم (إلّا في الموارد الاستثنائية) والردّ بالسيئة بمثلها، بل على العكس من ذلك كانوا يتحرّكون ما أمكنهم على مستوى جواب السيئة بالحسنة، لأنّ هدفهم تربية النفوس وتهذيبها والسير بها في خط الصلاح والإيمان والهداية لا في خط الانتقام، ولذلك كانوا يهدفون إلى إطفاء الفتنة لا إشعال نار جديدة.
ولكن من اليقين أنّ مثل هذا السلوك الإنساني لا يتسنى من أيّ شخص كان، بل يختص به الأشخاص الذين يعيشون الإيمان والتقوى والتسلّط على النفس في أعلى مستوياته، إنّه عمل الأشخاص الذين يعيشون الفضيلة والأخلاق السامية، وإلّا فانّ من يعيش التوحش والقساوة في قلبه لا يعرف سوى الانتقام ولا يفتخر إلّابالثأر لنفسه.
وأمّابالنسبة إلى الآيات القرآنية والروايات الإسلامية فنجدها مليئة في بيان فضيلة العفو والصفح وذم روح الانتقام والثأر، والشاهد على ذلك ما نقرأه في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام في هذا الباب، ونموذج لذلك ما ورد في قصّة فتح مكّة والعفو العام الذي أصدره النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عن أعدائه الشرسين والحاقدين.
ومع هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته دروساً في العفو والصفح أو ما ورد فيه من ذم غريزة الانتقام والثأر (والجدير بالذكر أنّ مفردة (الانتقام) لم ترد في القرآن الكريم بالمعنى المذكور آنفاً، بل بمعنى العقاب الإلهي، ولذلك فكل مورد وردت فيه هذه
الكلمة فإنّه يراد بها ما ينسب إلى اللَّه تعالى من العقاب على المجرمين ولا يرتبط ببحثنا الحاضر):
1- «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَايُحِبُّ الظَّالِمِينَ»[1].
2- «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[2].
3- «خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»[3].
4- «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ»[4].
5- «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ»[5].
6- «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»[6].
7- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[7].
8- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[8].
9- «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً»[9].
10- «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا»[10].
[1]. سورة الشورى، الآية 40.
[2]. سورة النور، الآية 22.
[3]. سورة الاعراف، الآية 199.
[4]. سورة النحل، الآية 126.
[5]. سورة المؤمنون، الآية 96.
[6]. سورة فصلت، الآية 34 و 35.
[7]. سورة البقرة، الآية 178.
[8]. سورة التغابن، الآية 14.
[9]. سورة النساء، الآية 149.
[10]. سورة المزّمل، الآية 10.
تفسير واستنتاج:
تتعرض«الآية الاولى»من الآيات محل البحث إلى الحديث عن مسألة المقابلة بالمثل وجزاء السيئة بالسيئة وأنّ ذلك من حق المؤمنين (لكي لا يرى المعتدي والمجرم نفسه في أمن من العقاب) ثمّ أشارت الآية إلى مسألة العفو والصفح وترك الانتقام وتقول: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ».
ونظراً إلى أنّ سورة الشورى من السور التي نزلت بأجمعها في مكّة المكرّمة، ونعلم أنّ المسلمين في ذلك الزمان كانوا في دائرة العدوان الواسع الموجّه إليهم من قبل الأعداء المشركين، ومع ذلك فالقرآن الكريم في الآية 39 من هذه السورة يأمر المسلمين أن لا يستسلموا في مقابل الظلم والعدوان، وعندما يواجهون حالة الظلم هذه فعليهم أن يستمدّوا العون من إخوانهم ويتكاتفوا فيما بينهم لردع هذا العدوان، ثم يشير في الآية 40 إلى هذه الحقيقة، وهي أنّه لا ينبغي أن يتحرّكوا من موقع الانتقام والثأر بسبب ما يرونه من العدوان على بعض أصدقائهم ورفاقهم وبالتالي يتجاوزون الحدّ بالردّ بالمثل فيكونون في صف الظالمين أيضاً، وعليهم كذلك أن يتخذوا العفو والصفح سلوكاً إنسانياً لهم فيما لو لم يترتب عليه آثار سيئة.
أمّا المراد من كلمة (وأصلح) في هذه الآية والتي وردت بعد كلمة العفو، فالمفسّرون ذهبوا إلى تفسيرات متعددة، فبعض ذهب إلى أنّ المراد من الإصلاح هوالإصلاح بين الإنسان وربّه، بينما ذهب البعض الآخر إلى أنّ المراد به الإصلاح بين المظلوم والظالم حتّى لا تتكرّر هذه القضيّة بينهما مرّة اخرى، وذهب ثالث إلى أنّ المراد به هو إصلاح النفس وتطهيرها من أدران الانتقام وشوائب الغضب والتوتر الذي تفرضه حالات الصراع مع الطرف الآخر، وذهب بعض إلى أنّ معناه ترك القصاص.
ولا يبعد أن يراد بهذه الكلمة جميع هذه المعاني التي ذكرت في تفسيرها، وعلى أيّة حال فإنّ الآية تبيّن بوضوح هذه الحقيقة، وهي أنّ العفو والإصلاح الذي يأتي بعده بإمكانه أن يقلع جذور الحقد من قلوب الناس، وعبارة (فأجرُهُ عَلى اللَّهِ) بشكل مطلق وبدون تعيّين
حدود لهذا الأجر حتّى الجنّة أيضاً يدلّ على أنّ هذا الأجر والثواب إلى درجة من العظمة والسعة أنّه لا يعلم مقداره إلّااللَّه تعالى.
أمّا«الآية الثانية»فناظرة إلى حادثة الإفك التي وقعت في صدر الإسلام، يعني ما قام به بعض المنافقين من إتّهام إحدى زوجات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بما ينافي العفة ولغرض الخدشة في شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وموقعيّة الإسلام، فتشير الآية الشريفة إلى أنّ مسألة العفو والصفح مطلوبة في كل الأحوال حتّى تجاه المذنبين والملوّثين، لأنّ هذه الآية نزلت عندما أقسم بعض الصحابة بعد قضية الإفك أنّهم لن يساعدوا أي شخص من الأشخاص الذين اشتركوا في هذه الواقعة، فمنعتهم عن استخدام أدوات العقاب وأمرتهم بالعفو والصفح تجاه هؤلاء الخاطئين وقالت: «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
ثمّ تضيف الآية: إنّ على المؤمنين أن يسلكوا طريق العفو والصفح وتقول: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، في حين أنّكم تأملون من اللَّه الرحمة والمغفرة، فكذلك عليكم أن تسلكوا هذا الطريق تجاه الآخرين: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فيغفر لكم أيضاً ويرحمكم.
والملاحظة الملفتة للنظر هنا أنّ قضية الإفك كانت بمثابة مؤامرة خطيرة استهدفت الإسلام وشخصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث تبنّى هذه المؤامرة جماعة من المنافقين، ولكنّ بعض المسلمين الغافلين إنخدعوا بهذه الحيلة وتورّطوا في هذا الإثم، ورغم ذلك فالقرآن الكريم يوصي المؤمنين بالعفو والصفح عن هؤلاء الغافلين الذين تورّطوا بهذه المؤامرة من موقع الجهل لا من موقع الخبث والحقد والنفاق، وعليه فبالنسبة إلى المسائل الشخصية والامور الخاصة بالأفراد فالعفو يكون بطريق أولى.
أمّا الفرق بين (العفو) و (الصفح) فيقول الراغب في مفرداته، إنّ العفو بمعنى المغفرة والصفح ترك اللّوم والتوبيخ والذي هو مرحلة أعلى من العفو، لأنّه يمكن أن يعفو الإنسان