الكلمة فإنّه يراد بها ما ينسب إلى اللَّه تعالى من العقاب على المجرمين ولا يرتبط ببحثنا الحاضر):
1- «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَايُحِبُّ الظَّالِمِينَ»[1].
2- «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[2].
3- «خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»[3].
4- «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ»[4].
5- «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ»[5].
6- «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»[6].
7- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[7].
8- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[8].
9- «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً»[9].
10- «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا»[10].
[1]. سورة الشورى، الآية 40.
[2]. سورة النور، الآية 22.
[3]. سورة الاعراف، الآية 199.
[4]. سورة النحل، الآية 126.
[5]. سورة المؤمنون، الآية 96.
[6]. سورة فصلت، الآية 34 و 35.
[7]. سورة البقرة، الآية 178.
[8]. سورة التغابن، الآية 14.
[9]. سورة النساء، الآية 149.
[10]. سورة المزّمل، الآية 10.
تفسير واستنتاج:
تتعرض«الآية الاولى»من الآيات محل البحث إلى الحديث عن مسألة المقابلة بالمثل وجزاء السيئة بالسيئة وأنّ ذلك من حق المؤمنين (لكي لا يرى المعتدي والمجرم نفسه في أمن من العقاب) ثمّ أشارت الآية إلى مسألة العفو والصفح وترك الانتقام وتقول: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ».
ونظراً إلى أنّ سورة الشورى من السور التي نزلت بأجمعها في مكّة المكرّمة، ونعلم أنّ المسلمين في ذلك الزمان كانوا في دائرة العدوان الواسع الموجّه إليهم من قبل الأعداء المشركين، ومع ذلك فالقرآن الكريم في الآية 39 من هذه السورة يأمر المسلمين أن لا يستسلموا في مقابل الظلم والعدوان، وعندما يواجهون حالة الظلم هذه فعليهم أن يستمدّوا العون من إخوانهم ويتكاتفوا فيما بينهم لردع هذا العدوان، ثم يشير في الآية 40 إلى هذه الحقيقة، وهي أنّه لا ينبغي أن يتحرّكوا من موقع الانتقام والثأر بسبب ما يرونه من العدوان على بعض أصدقائهم ورفاقهم وبالتالي يتجاوزون الحدّ بالردّ بالمثل فيكونون في صف الظالمين أيضاً، وعليهم كذلك أن يتخذوا العفو والصفح سلوكاً إنسانياً لهم فيما لو لم يترتب عليه آثار سيئة.
أمّا المراد من كلمة (وأصلح) في هذه الآية والتي وردت بعد كلمة العفو، فالمفسّرون ذهبوا إلى تفسيرات متعددة، فبعض ذهب إلى أنّ المراد من الإصلاح هوالإصلاح بين الإنسان وربّه، بينما ذهب البعض الآخر إلى أنّ المراد به الإصلاح بين المظلوم والظالم حتّى لا تتكرّر هذه القضيّة بينهما مرّة اخرى، وذهب ثالث إلى أنّ المراد به هو إصلاح النفس وتطهيرها من أدران الانتقام وشوائب الغضب والتوتر الذي تفرضه حالات الصراع مع الطرف الآخر، وذهب بعض إلى أنّ معناه ترك القصاص.
ولا يبعد أن يراد بهذه الكلمة جميع هذه المعاني التي ذكرت في تفسيرها، وعلى أيّة حال فإنّ الآية تبيّن بوضوح هذه الحقيقة، وهي أنّ العفو والإصلاح الذي يأتي بعده بإمكانه أن يقلع جذور الحقد من قلوب الناس، وعبارة (فأجرُهُ عَلى اللَّهِ) بشكل مطلق وبدون تعيّين
حدود لهذا الأجر حتّى الجنّة أيضاً يدلّ على أنّ هذا الأجر والثواب إلى درجة من العظمة والسعة أنّه لا يعلم مقداره إلّااللَّه تعالى.
أمّا«الآية الثانية»فناظرة إلى حادثة الإفك التي وقعت في صدر الإسلام، يعني ما قام به بعض المنافقين من إتّهام إحدى زوجات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بما ينافي العفة ولغرض الخدشة في شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وموقعيّة الإسلام، فتشير الآية الشريفة إلى أنّ مسألة العفو والصفح مطلوبة في كل الأحوال حتّى تجاه المذنبين والملوّثين، لأنّ هذه الآية نزلت عندما أقسم بعض الصحابة بعد قضية الإفك أنّهم لن يساعدوا أي شخص من الأشخاص الذين اشتركوا في هذه الواقعة، فمنعتهم عن استخدام أدوات العقاب وأمرتهم بالعفو والصفح تجاه هؤلاء الخاطئين وقالت: «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
ثمّ تضيف الآية: إنّ على المؤمنين أن يسلكوا طريق العفو والصفح وتقول: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، في حين أنّكم تأملون من اللَّه الرحمة والمغفرة، فكذلك عليكم أن تسلكوا هذا الطريق تجاه الآخرين: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فيغفر لكم أيضاً ويرحمكم.
والملاحظة الملفتة للنظر هنا أنّ قضية الإفك كانت بمثابة مؤامرة خطيرة استهدفت الإسلام وشخصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث تبنّى هذه المؤامرة جماعة من المنافقين، ولكنّ بعض المسلمين الغافلين إنخدعوا بهذه الحيلة وتورّطوا في هذا الإثم، ورغم ذلك فالقرآن الكريم يوصي المؤمنين بالعفو والصفح عن هؤلاء الغافلين الذين تورّطوا بهذه المؤامرة من موقع الجهل لا من موقع الخبث والحقد والنفاق، وعليه فبالنسبة إلى المسائل الشخصية والامور الخاصة بالأفراد فالعفو يكون بطريق أولى.
أمّا الفرق بين (العفو) و (الصفح) فيقول الراغب في مفرداته، إنّ العفو بمعنى المغفرة والصفح ترك اللّوم والتوبيخ والذي هو مرحلة أعلى من العفو، لأنّه يمكن أن يعفو الإنسان
عن الطرف المقابل إلّاأنّه لا يترك لومه وتوبيخه أو معاتبته، ولكن بما أنّ الصفح في اللغة يعني الإعراض بالوجه عن الإنسان المذنب فيمكن أن يكون إشارة إلى لزوم تناسي ذنب المذنب ووضعه في زاوية الإهمال والغفلة ولا يكتفي بترك اللّوم فقط، أي أنّ لا يترتّب أي أثر سلبي على العلاقة بين الطرفين.
وهنا ملاحظة مهمّة اخرى وهي أنّ هذه الطائفة من المؤمنين أقسموا على أن لا يمدّوا يد العون لجميع المتورّطين في قضيّة الافك، أي أن قسمكم بالنسبة إلى مثل هذه الامور لا أثر له على مستوى العمل والممارسة لأنّه لا يقع في دائرة التكليف بالنسبة إلى الامور الخيّرة.
«الآية الثالثة»تأمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بأوامر أخلاقية ثلاثة ويتّضح منها تكليف الآخرين أيضاً وتقول: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ».
هذه التعليمات الثلاثة التي وردت في الآية الشريفة بمثابة أوامر صادرة من اللَّه تعالى إلى نبيّه الكريم باعتباره قائداً للُامّة واسوة حسنة لسائر المسلمين وبذلك توضّح في مضمونها أهميّة العفو والصفح في دائرة المسؤولية الملقاة على عاتق القادة الإلهيين، فالأمر الأوّل من هذه الأوامر الإلهية هو الأمر بالعفو والصفح، والأمر الثاني إشارة إلى أنّ على القائد أن لا يحمّل الناس ما فوق طاقتهم وقدرتهم وأن لا يطلب منهم سوى المعروف الممكن، وفي الأمر الثالث نجد التوصية بأهمال الكلمات اللامسؤولة الصادرة عن الجاهلين والمخالفين وعدم ترتيب الأثر على مزاحماتهم وما يرتكبونه تجاه أتباع الحق من ممارسات سلبية وكلمات شانئة.
إنّ القادة الحقيقيين والسالكين طريق الحق يواجهون في مسيرتهم الإلهية الكثير من الأفراد المتعصّبين والجاهلين والمعاندين الذين لا يجدون فرصة في الوقيعة بأصحاب الحق وإيجاد الأذى والضرر بهم إلّاواستغلّوها، فالآية أعلاه وكذلك الكثير من الآيات القرآنية الاخرى تؤكّد على المؤمنين السالكين في خط اللَّه والتقوى أن يجنّبوا أنفسهم الصراع مع هؤلاء وأنّ الأفضل لهم التعامل مع مثل هذه المسائل من موقع اللآمبالاة
والإهمال والإعراض، والتجربة العملية تشير إلى أنّ أفضل طريق لإيقاظ هؤلاء من غفلتهم وإطفاء نار غضبهم وصدهم وتعصّبهم هو هذه الطريقة في التعامل معهم من موقع قوّة الشخصية وكبر النفس.
وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه عندما نزلت هذه الآية الشريفة سأل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جبرائيل عن ذلك فقال: لا أدري حتّى أسأل العالم، ثمّ أتاه فقال:«يا مُحِمَّد إِنّ اللَّهَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَعفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعطِي مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ»[1].
وينطلق الحديث في«الآية الرابعة»ليخاطب جميع المسلمين ويأمرهم بأنّهم إذا أرادوا التعامل بالمثل مع الأعتداء الموجّه من الآخرين ويعاقبوا عليه فعليهم أن لا يتجاوزوا المقدار المشروع وهو مقدار المثل فقط لا أكثر، ولكنّهم إذا التزموا جانب البر والعفو والصفح فإنّ ذلك أفضل من الحل السابق وتقول الآية: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ».
وقد ورد في الروايات الشريفة أنّ هذه الآية نزلت في معركة احد عندما نظر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى جسد عمّه حمزة، وقد استشهد في ميدان المعركة ومثّل به الأعداء القساة وشقّوا بطنه وأخرجوا كبده وقطعوا اذنه وأنفه، فلّما رأى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ذلك تأثّر كثيراً وبعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه شكى له حاله وقال:«أَصبِرُ أَصبِرُ»[2].
والملفت للنظر أنّ الآية التي تليها تقول: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» وهي إشارة إلى أنّ على الإنسان الذي يعيش هذه اللّحظات الأليمة وتستولي على وجوده سحابة من الحزن والهم بسبب ما يواجهه من عدوان القساة وجرائمهم فإنّ عليه أن يلتحف بالصبر والصفح رغم أنّها حالة صعبة وعسيرة لا يستطيعها الإنسان إلّابمدد من اللَّه تعالى ومعونته.
وبالطبع فإنّ السماح بالردّ بالمثل الوارد في أوّل الآية الشريفة يعود إلى أصل قتل العمد،
[1]. مجمع البيان، 2، ص 512.
[2]. تفسير العياشي؛ والدر المنثور، في ذيل الآية المبحوثة.
ولكن بالنسبة إلى المثلة والتي هي عمل غير إنساني وصادر من روحيّة ملّوثة فإنّ المقابلة بالمثل لا تجوز في هذه الحالة، وهذا المعنى وردبصراحة في الروايات الإسلامية التي تؤكّد عدم جواز المثلة حتّى بالكلب العقور، فحتّى لو استفيد من الآية الشريفة جواز المثلة[1]فإنّه يكون المراد منها بمعونة الروايات الصريحة هو أصل القتل فقط لا المثلة، وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ مسألة الانتقام بالأكثر من الحد الشرعي والتهديد بالمثلة لم يكن صادراً من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، بل من المسلمين، وعمومية الخطاب في الآية الشريفة تؤيّد هذا المعنى وأنّ هذا التصميم صدر من المسلمين لا من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
وتأتي«الآية الخامسة»لتتحدّث إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وتأمره بما فوق العفو والصفح وتقول: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ».
أمّا«الآية السادسة»فتؤكّد هذا المعنى أيضاً بعبارة اخرى تقول: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ».
ونقرأ في الآية 22 من سورة الرعد عندما تستعرض صفات اولوا الألباب والعقول أنّ إحدى صفاتهم هي: «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» وهذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ هؤلاء يتحرّكون على مستوى جبران أخطائهم وذنوبهم بالحسنات وأعمال الخير، وكذلك يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ هؤلاء يجيبون الإساءة الموجّه من الغير بالإحسان من جهتهم ولا يردّون بالمثل على الطرف الآخر لكي يوقضوا عناصر الخير في وجدان الطرف الآخر ويجعلونه يعيش الندم على ما صدر منه تجاههم.
ويحتمل أيضاً في تفسير هذه الآية أن يكون كلا المعنيين مراداً لها[2].
ويستفاد من هذه الآيات الثلاثة جيداً أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك المؤمنين مأمورون
[1]. نهج البلاغة، الرسالة 47.
[2]. راجع تفسير الميزان ج 16 في تفسير ذيل الآية.
بتجاوز حالة العفو والصفح والصعود إلى مرتبة أرقى منها ورد السيئة بالحسنة وهو العمل الذي لا يتيسّر من أي شخص كان، ولهذا فإنّ الآية التي بعدها تقول: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ».
وفي الحقيقة فإنّ مقابلة السيئة بالحسنة عمل ثقيل جدّاً لا يستطيع النهوض به إلّامن اوتي القدرة على النهوض بالأعمال الخيّرة المهمّة، والذين يعيشون الإيمان والتقوى والقيم الإنسانية بالمستوى الأعلى.
والملفت للنظر أنّ سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام طافحة بمثل هذه النماذج من السلوكيات الأخلاقية والإنسانية حتّى أنّه أحياناً يؤدّي سلوكهم الإنساني هذا إلى انقلاب الطرف الآخر من موقع الشر والعداوة إلى موقع الخير والمحبّة، والتجارب العملية الكثيرة تشير إلى التأثير الكبير لهذه الأعمال الأخلاقية في دائرة السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية.
وتتعرض«الآية السابعة»إلى الحديث عن مسألة القصاص والتي تعدّ أحد الأحكام الاجتماعية المهمّة للإسلام والتي تضمن حقوق الناس وتحفظ لهم أنفسهم ودمائهم من أشكال العدوان بحيث أنّ القرآن الكريم يعبّر عن القصاص بكلمة «الحياة» ولكنّه في نفس الوقت يفضّل عليه العفو والصفح وتقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى».
وبعد أن تذكر الآية موارد القصاص بالمثل تقول: «فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ».
فلو أنّ القصاص تبدّل إلى الدية فعلى الطرف الآخر أن يتّخذ سبيل المعروف في عملية أداء الدية إلى ولي المقتول، وهذا المعنى بمثابة التخفيف والرحمة من اللَّه تعالى للناس.
وفي ختام الآية صرح القرآن الكريم أنّ بعد العفو والصفح أو تبديل القصاص إلى الدية لا حقّ في الرجوع في ذلك وممارسة سلوك العدوان والقساوة وقتل القاتل عند القدرة
والاستطاعة، وتحذّر المسلمين من هذا الموقف الخطير وتقول: «فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
لأنّ بعد العفو عن القاتل أو تبديل القصاص بالدية فإنّ ذلك يعني إغلاق الطريق تماماً عن العودة وبذلك يسقط حق القصاص تماماً، وعليه يكون الانتقام من القاتل بمثابة القتل العمد الذي يترتب عليه العقوبة في الشريعة الإسلامية.
وهذه الآية تضع القاتل بين الخوف والرجاء، فمن جهة تفتح عليه باب القصاص حتى لا يتجرأ أحد على تلويث يده بدماء الأبرياء خوفاً من القصاص، ومن جهة اخرى فإنّها قد فتحت باب العفو ثم حذّرت من الانتقام بعده ولتقف حائلًا في طريق الخشونة والعدوان اللّامسؤول من بعض الجماعات المتطرفة والمنفعلة، وهذا هو منتهى التدبير والحكمة في هذه المسألة الاجتماعية المهمّة.
والتعبير بكلمة (أخيه) في الآية المذكورة يشير إلى أنّه حتى لو وقعت حادثة قتل بين المسلمين فإنّ ذلك لا يعني قطع رابطة الاخوّة بينهم، وفي صورة عدم وجود ضرورة للقصاص فلا ينبغي إتّخاذه سبيلًا لحلّ الأزمة، وهذا التعبير يدلّ على أنّ الإسلام يرجّح العفو على القصاص ويتحرّك من موقع تفعيل الشعور بالمحبّة والاخوّة لدى الأولياء بدلًا من ورح الثأر والانتقام.
وقد ورد هذا المضمون في رواية عن ابن عباس أيضاً[1].
وكذلك عبارة: «ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ» تدلّ مرّة اخرى على المفهوم القرآني في ترجيح العفو والصفح على القصاص أو تبديله بالدية.
وفي«الآية الثامنة»نقرأ خطاباً لجميع المؤمنين في دائرة الاختلافات والنزاعات العائلية حيث تقول الآية محذّرة للمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ».
[1]. تفسير روح البيان، ج 1، ص 285.