بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 4

الجزء الثالث‌

الإعراض عن الأخلاق إعراض عن كل شي‌ء

مقدمة:

في هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه المقدمة، يدور الحديث في الأوساط العالمية عن العمليات الإرهابية التي وقعت في أمريكا وأضرارها على ذلك البلد وعلى جميع العالم، ثم الحديث عن الحملات الانتقامية التي تزمع أمريكا القيام بها ضد أفغانستان ومناطق اخرى.

الجميع يتحدث عن الآثار السياسية والاقتصادية المترتبة على هذه العمليات الإرهابية المدمّرة على المدى القصير والبعيد، ولكن قلّما نجد من يتحدث عن المعطيات الأخلاقية لهذه الحادثة الفريدة.

واحدى هذه المعطيات هو أنّ أكبر قدرة عالمية يمكنها أن تكون الأضعف بين دول العالم بحيث ينهار رمز عظمتها وشموخها فجأة بواسطة هجوم عدّة أشخاص.

والمعطى الآخر يشير إلى عدم إمكان الاعتماد على شي‌ء في هذا العالم، حيث يمكن أن تتبدل جميع الحسابات والمعادلات بواسطة حادثة ارهابية قام بها أشخاص معدودون بحيث أذلّت رقاب المقتدرين وفضحت إدعاءات المستكبرين ودوّخت أذهان المدبّرين واستغفلت عقول الحاكمين بحيث لم ينتبهوا إلّابعد أن انتهى كل شي‌ء.

والآخر، أنّ الإنسان المعاصر وبسبب ضعف دعائم الأخلاق الفردية والاجتماعية يدفع ثمناً باهضاً في حركة الحياة ويرى كل شي‌ء في خطر المحق والانهيار.

عندما ينهار قصر «العدالة» البهيج وتحل محلّه اطلال الظلم والجور، وافرازات الأنانية وحبّ الجاه والسلطة لقوى الانحراف ويصل النصل إلى العظم لدى المحرومين والمعدمين ويعيشون الاختناق في هذه الظروف العصيبة.

وعندما لا تسمح حالات الغرور والتكبر بإدراك الحقائق الموجودة على أرض الواقع من موقع الوضوح في الرؤية بحيث يعجز الإنسان عن إدراك ما يجري حوله من تفاصيل‌


صفحه 5

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 6

الحياة، فانّ مثل هذه الحوادث لا تكون خارج اطار التوقع، الحوادث التي أحدثت اهتزازاً في صرح قوى الاستكبار والظلم وجعلتهم يعيشون التخبّط والتشنّج لأيّام وشهور عديدة.

ألم يحن الوقت الذي ينكشف لنا أنّ العالم المادي قد وصل إلى طريق مسدود، ولابدّ له من العودة إلى أجواءالمعنويات والأخلاق الإنسانيةليتسنى لها تجميد عناصر الارهاب من جهة، واشاعة أجواء الحب والودّ والصفاء من جهة اخرى.

إنّ التغافل عن الواقعيات لا يؤدّي إلى زوالها، فما دامت أشكال الظلم والجور والعدوان والأنانية موجودة في العالم، فلابدّ أن نتوقع حدوث مثل هذه الوقائع بل أشدّ منها.

إنّ الحديث في هذا المجال واسع وكثير التفاصيل والتحاليل لا يسعنا استعراضها في هذه المقدمة القصيرة، والغرض هو الإشارة فقط إلى هذه المسألة لنعيش اليقظة، ولنعلم جميعاً أنّ إصلاح الوضع الخطير في العالم المعاصر لا يجدي فيه القيام بعمليات انتقامية حيث تؤدّي إلى إلقاء الزيت على النار وتفضي إلى زيادة الهجمات الإرهابية، ولإلقاء اللائمة على هذا وذاك.

لابدّ أن يتحمل الجميع مسؤوليتهم ويتحركوا من موقع الإذعان‌لمبادي‌ء الأخلاق الإنسانيةولزوم تجسيدها في حياة الفرد والمجتمع لنيل الحياة السعيدة والمفعمة بالأمن والتقدم.

ومن هنا نمدّ أيدينا إلى الباري تعالى ونبتهل إليه ونشكره لتوفيقه لإتمام الجزء الثالث والأخير لكتاب‌«الأخلاق في القرآن»حيث يمكننا أن نخاطب البشرية من هذا الموقع ونقول:

* هذه هي أخلاقنا الإسلامية!

* هذه هي طريقة حياتنا ومعالم مسيرتنا!

* هذا هو دستور النجاة من الأزمات والمشاكل!

قم/ الحوزة العلمية

ناصر مكارم الشيرازي‌

1380 ه ش‌


صفحه 7

1- حبّ الجاه‌

تنويه:

تختلف الميول الإنسانية من شخص إلى آخر فالبعض يحب المال والبعض الآخر يحب الجمال وآخر يحب الكمال، وآخر يطلب المقام والجاه، أي يطلب الوجاهة، فيجب أن يحترمه الناس وينحنون له، ويريد أن يشيرون إليه بالبنان ويطلبون منه حوائجهم، وبعبارة أدق يحس بأنّه أرفع شأناً من الباقين، له الكلام الأول والأخير وإن كان أقل فهماً ودرايةً، ويسمى‌ مثل هذا الشخص بالراغب للوصول لأعلى‌ المراتب أو محب الجاه.

هذه الصفة تتوفر في الكبار أكثر منها لدى الشباب والصغار، وفي بعض الأحيان ترافق الإنسان حتى‌ الممات، فتتلاشى كل قواه إلّاحبّ الجاه فهو راسخ في القلب بل يزداد رسوخاً وقوّة كلما امتد العمر في الإنسان.

هذه الرذيلة هي مصدر لكثير من المفاسد والفردية، فهي تبعد الإنسان عن الخَلق والخالق، ولأجل الوصول لأهدافه المشؤومة تقحمه في المهالك، والأنكى من ذلك أنّها تظهر في الغالب بصورة حسنة مثل الاحساس بالمسؤولية والعزم على‌ أداء الواجبات الاجتماعية ولزوم الإرادة الصحيحة وما شابه ذلك، فقد جاء في الحديث:«آخرُ ما يَخرُجُ مِنْ قُلوبِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الجاهِ».


صفحه 8

ويبين هذا الحديث خطورة هذهِ الرذيلة الأخلاقية.

والجدير بالذكر أنّ هذه الصفة لها صلة وثيقة مع الرياء والتكبر والعُجب وغالباً ما يُشتبه بينها وبين مثيلاتها.

وبهذه الإشارة نعود لنستوحي ما ورد عن عللها وعواقبها في القرآن الكريم:

1- في حادثة السامري التي جاءت في سورة طه في الآيات 85 و 88 و 95 و 96 تبين أنّ حبّ الجاه هو السبب في ضلال السامري وجمع غفير معه من بني اسرائيل حيث قال:

«قالَ فَانا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامِرِىُّ ... فَاخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى‌ فَنَسِىَ ...

قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ- قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي»[1].

2- «وَاذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى‌ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى‌ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَاخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ»[2].

«وَقالَ الَّذْينَ لايَرْجُونَ لِقائَنا لَوْلا انْزِلَ عَلَيْنا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى‌ رَبَّنا لَقَد اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً»[3].

3- «وَنادَى‌ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قالَ يا قُومِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهْينٌ وَلا يَكادُ يُبِيْنُ»[4].

4- «قالَ إِنَّما اوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ... فَخَرَجَ عَلَى‌ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذينَ يُرْيدُونَ الْحَيوةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما اوتِيَ قارُونَ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»[5].

5- «قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيْري لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ»[6].

[1]. سورة طه، الآيات 85 و 88 و 95 و 96.

[2]. سورة البقرة، الآية 55.

[3]. سورة الفرقان، الآية 21.

[4]. سورة الزخرف، الآية 51 و 52.

[5]. سورة القصص، الآية 78 و 79.

[6]. سورة الشعراء، الآية 29.


صفحه 9

6- «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى‌ فِى السَّماءِ وَلَنْ نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى‌ تُنَزِّلُ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ»[1].

«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذيْنَ لايُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ»[2].

تفسير واستنتاج:

ذم طُلاب الجاه‌

كما أشرنا سابقاً أنّ حبّ الجاه يعني التعلق الشديد بالمكانة والمنزلة الاجتماعية والسعي لنيلها بأي صورة كانت، وهو من الرذائل الخطيرة التي لا تؤثر على‌ الجوانب الروحية للانسان فحسب بل تجعل الشخص منبوذاً اجتماعياً، ويعيش العزلة القاتلة.

ولقد رأينا على مدى‌ تاريخ الأنبياء عليهم السلام والأقوام السالفة، كم كانت هذه الرذيلة منتشرة ومتفشية فيهم، بحيث تحدث عنها القرآن الكريم في أكثر من آية وسورة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كثيراً من الرذائل لها مفاهيم مشتركة، وكما يقول المثل وجهان لسكة واحدةٍ، بحيث يمكن أن يصدر فعل قبيح من الإنسان يكون مصداقاً لعدّة صفات رذيلة، وقد نزلت في مثل ذلك آيات من القرآن الكريم تعكس هذا المعنى لبعض الرذائل كالتكبر والغرور والأنانية والعجب والرياء وحب الجاه.

وعلى أية حال، نرى‌ في الآيات الاولى قصة السامري المعروفة لدى‌ الجميع، فللسامري سمعة قبيحة عند بني اسرائيل، وكان محبّاً للجاه بشكل غريب، حيث استغل غياب النبي موسى عليه السلام وذهابه للقاء ربّه في طور سيناء، فصنع من حلّي بني اسرائيل عجلًا جسداً له خوار، فعندما كانوا يضعونه في اتجاه الهواء تصدر منه أصواتاً غريبة، أو يقال أنّه جمع مقداراً من التراب الذي كان تحت أقدام جبرائيل عليه السلام أو مركبه الذي ظهر به عندما

[1]. سورة الاسراء، الآية 93.

[2]. سورة القصص، الآية 83.


صفحه 10

اغرق فرعون وجنوده في اليم، فوضع ذلك التراب داخل العجل الذهبي، والصوت الذي كان يصدر منه من بركة ذلك التراب. وبعدها دعى السامري الناس لعبادة ذلك العجل ولم يمرّ وقت طويل حتى استجاب له بعضهم وعبدوا العجل وسجدوا له.

وقال اللَّه تعالى في القرآن الكريم: «قالَ فَانا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامِرِيُّ».

فرجع موسى غضبان أسفاً إلى قومه وعاتب أخاه هارون عتاباً شديداً، وتبرأ القوم من فعلهم واتهموا السامري فقال سبحانه وتعالى: «فَاخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى‌ فَنَسِىَ ...».

وتوجه بعدها موسى عليه السلام إلى السامري: «قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ- قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي».

كان هدف السامري من تلك الفتنة المضلّة هو الوصول إلى الجاه والمنصب والمقام، فعاقبه الباري تعالى بالطرد من المجتمع والإنزواء «قالَ فَاذْهَبْ فَانَّ لَكَ فِي الْحَيوةِ أَنْ تَقُوْلَ لا مِساسَ».

فكان في الشريعة الموسوية وقوانينها الجنائية، أنّ الإنسان، إذا ما أذنب ذنباً كبيراً، ينظر إليه وكأنّه رجس خبيث نجس فلا يحق أن يمسّه أحد ولا يمس هو أحداً.

ويقال: إن السامري ابتلي بمرض نفسي ووسواس شديد بحيث كان يخاف من جميع الناس وإذا ما تقرب إليه أحد يصيح ويقول «لا مساس»، نعم فهذا هو جزاء من يحب الجاه ويتلاعب بالدين لأجل أغراضه الدنيوية.

وتتطرق الآيات القرآنية في‌«الآية الثانية»إلى نوع آخر من حبّ الجاه والمقام لبني اسرائيل، فقد طلبوا أمراً عجيباً من موسى عليه السلام، فقالوا: «ارنا اللَّه جهرةً» وإلّا لن نؤمن لك أبداً، فأخذتهم الصاعقة، ولولا لطف الباري تعالى لماتوا إلى الأبد، وفيها قال تعالى في قرآنه الكريم:


صفحه 11

«وَاذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى‌ لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتّى‌ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَاخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

ولكن ما هي الصاعقة؟

إنّها رعد وبرق ينتج نتيجة اصطدام الغيوم ببعضها، فهي تحمل الكهربائية الموجبة وعند وصولها للأرض تبحث عن الكهربائية السالبة فتتحد معها بدرجة حرارة تصل إلى 15000 مئوية فتحدث صوتاً مهيباً وإذا ما اصابت مكاناً ما فستدمره تدميراً كاملًا.

في قصة بني اسرائيل عندما وقعت الصاعقة على‌ بني اسرائيل وتجلّى الباري للجبل وجعله دكّاً مات جميع من اختارهم موسى عليه السلام من بني اسرائيل وعددهم (70) نفراً من شدة الخوف والهلع الذي أصابهم، وبقي موسى على قيد الحياة ولكنه غاب عن الوعي وعندما أفاق، طلب من الباري تعالى العفو والمغفرة ودعا لهم بالحياة فاستجاب الباري دعاءه وأحياهم وعلم هؤلاء القوم المعاندين إلى أنّهم ليسوا بشي‌ء أمام قدرة الباري تعالى.

أشار القرآن الكريم إلى هذهِ الحادثة في مكان آخر وآية اخرى‌ فقال:

«يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ».

فيمكن أن يكون ذلك الطلب من التذرع أو من حبّ الجاه أو من الاثنين معاً، ويستمر القرآن الكريم ويقول قد سألوا أكبر من ذلك‌[1]«فَقَدْ سَئَلُوا مُوسَى‌ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهمُ الصاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ».

فهذه التعبيرات وما شابهها تبيّن مدى‌ تغلغل حبّ الجاه والكبر والغرور والعناد في قلوب بني اسرائيل، ولذلك كانوا دائماً يتذرعون ويتحججون في كل وقت، وهي نفس الصفات الرذيلة التي نراها عند اليهود في وقتنا الحاضر، ولحد الآن يعتبرون أنفسهم شعب اللَّه المختار، ويفكرون في السيطرة على اقتصاد العالم، مع عدم قدرتهم وكفائتهم على ذلك.

ولم يكن حبّ الجاه متغلغلًا في قلوب بني اسرائيل فحسب، فالفراعنة ونمرود كانوا

[1]. سورة النساء، الآية 153.