بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 401

بعض علماء أهل السنة إستدلّوا بهذه الآية الشريفة على حجّية الاجماع، ونحن لا نرى مانعاً من الاستدلال بهذه الآية على حجّية إجماع المسلمين، ولكنّ هذا الإجماع يجب أن يتضمّن حضور الإمام المعصوم أيضاً، وفي الاصطلاح الاصولي يعبّر عنه بالإجماع الدخولي أو الإجماع الكشفي الذي يكون هوالحجّة في عملية الاستدلال.

«الآية الثالثة»تستعرض أحد المواهب الإلهية الكبيرة على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأنّ اللَّه تعالى هو الذي جمع المؤمنين حول النبي وألف بين قلوبهم بحيث لا يتسنى ذلك أبداً من خلال الوسائل الطبيعية والأدوات العادية فتقول الآية: «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

لو أنّ الإسلام يرى في العزلة والإنزواء عن المجتمع قيمة أخلاقية، فإنّه لم يكن يعدّ التأليف بين قلوب المسلمين بعنوان معجزة كبيرة للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله.

وهذا التعبير في الآية الشريفة لا يدلّ على مطلوبية المعاشرة والاجتماع بين الأفراد فحسب، بل أن تكون الرابطة شديدة وإلى درجة كبيرة من الوثاقة في العلاقات الاجتماعية.

وبديهي أنّه لا يصحّ أن تقرر الآية هذا المفهوم في زمان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقط، بل إنّ هذا المفهوم الإسلامي يستوعب جميع الأزمنة والأمكنة وعلى كلّ طائفة مؤمنة أن تجتمع حول محور واحد وترتبط فيما بينها برابطة وثيقة من الألفة والمحبّة كما كان حال المؤمنين في عصر النبوّة والبعثة.

والملفت للنظر أنّ اللَّه تعالى نسب تأليف القلوب إليه مباشرة كما ورد هذا المضمون في الآية 103 من سورة آل عمران، رغم أننا نعلم أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو الذي قام بهذا العمل الإنساني والاجتماعي، وذلك لتشير الآية إلى أنّ هذا العمل إنّما هو معجزة إلهية جعلها اللَّه تعالى في يد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأظهرها على يده، وإلّا فمن المحال أن تزول وتتلاشى كل تلك الأحقاد والعداوات القديمة والجديدة بين العرب المتعصّبين والجاهلين مهما بلغت‌


صفحه 402

قدرة المخلوق ومهما اوتي من أموال وثروات طائلة كما تقول الآية بأنّك لو أنفقت ما في‌الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن تسنى للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله ذلك من خلال تعليمات الإسلام وأخلاقه الإلهية والإمدادات الربانية واستطاع بذلك من تحقيق أعظم معجزة في عالم العلاقات الاجتماعية، وحقّق الألفة وهي في اللغة بمعنى الاجتماع المقارن للإنسجام والأنس والإلتيام وربط تلك القلوب المتنافرة والمتباغضة مع بعضها وجعلها كالبنيان المرصوص.

وتأتي‌«الآية الرابعة»لتتحدّث عن وحدة صفوف المسلمين والتي لا تتسنى ولا تتحقّق اطلاقاً مع العزلة والإنزواء: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ».

(بنيان) بمعنى كل بناء يبنيه الإنسان لسكنه أو لمآرب اخرى، كأقامة السدود مثلًا، أمّا (مرصوص) فهو من مادة (رصاص) ونظراً إلى أنّ البشر في ذلك الزمان كان يستخدم الرصاص في عملية البناء ليزيد في قوّته وإستحكامه وليملأ الفراغات والثقوب والثغرات الموجودة بين أحجار البناء، فلذلك أطلق على كل بناء محكم أنّه (مرصوص) إشارة إلى قوّته وإستحكامه.

وصحيح أنّ الآية الشريفة ناظرة إلى الجهاد في سبيل اللَّه تعالى والتحرّك العسكري في ميادين القتال مع الأعداء، ولكن من الواضح أنّ هذا المعنى يجري في سائر التفاعلات الاجتماعية على مستوى السياسة والثقافة والاقتصاد وأمثال ذلك، ففي هذه الموارد يلزم أن يكون الناس في المجتمع الواحد منسجمين ومتّحدين إلى درجة أنّهم كالبنيان المرصوص، وهذا المعنى يتقاطع حتماً مع العزلة والإنزواء فلا يتسنى للمجتمع الدفاع القوي أمام الأعداء ولا النهضة الحضارية ولا حلّ المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية من دون الالفة والمعاشرة والاجتماع بين الأفراد.


صفحه 403

وتأتي‌«الآية الخامسة»والأخيرة من الآيات محل البحث لتشير إلى مسألة الرهبانية وترك الدنيا والعزلة عن الناس للعبادة والتبتّل إلى اللَّه تعالى كما كان شأن جماعة من النصارى، فتأتي هذه الآية لتقول إنّ هذا السلوك العبادي في الظاهر إنّما هو بدعة من قبل هؤلاء الرهبان ولم يؤمر به في الشريعة الإلهية وتقول: «وَرُهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ».

ونعلم أنّ جماعة من المسيحيين في هذا العصر والزمان سلكوا طريق الانقطاع عن الناس والرهبنة والعيش في الأديرة وعدم الزواج، كل ذلك لغرض العبادة في هذه الأماكن التي بنيت لهذا الغرض.

ذا الموضوع لا يختص بهذا الزمان بل هو من البدع التي ظهرت في القرن الثالث الميلادي في حكومة (ديس يونس) الأمبراطور الرومي الذي شدد النكير على النصارى واتباع السيد المسيح وأخذ بتعذيبهم والتنكيل بهم، فلم يجد هؤلاء بدّاً للخلاص من شرّ هذا الطاغية من اللجوء إلى الأديرة والهرب باتّجاه الجبال والمغارات والكهوف وبذلك زرعوا بذرة الرهبانية في الديانة المسيحية.

وعلى هذا الأساس فإنّ مثل هذه الرهبانية تتعارض تماماً مع روح تعليمات الأنبياء الإلهيين ولم تكن موجودة في العصور الاولى للمسيحية، بل كانت بدعة ظهرت على يد الأشخاص الجهلاء والمنحرفين واستمرت إلى يومنا هذا، حيث نجد أنّ جماعة من المسيحيين يتركون حياتهم الاجتماعية وتأسيس الاسرة والزواج وسائر النشاطات الاجتماعية ويلجئون إلى الأديرة لممارسة الطقوس العبادية ويقوم الأشخاص من أهل الخير بالانفاق عليهم لتأمين نفقاتهم.

أمّا ما يجري في هذه الأديرة من الانحرافات والممارسات اللّاخلاقية والبعيدة عن اصول الفطرة الإنسانية فلها حديث مفصّل ومؤلم حتى أنّ بعض الكتّاب المسيحيين أشار إلى بعض هذه الأديرة وأطلق عليها اسم دار الفحشاء، وأساساً فإنّ مثل هذه الحياة غير


صفحه 404

الطبيعية للإنسان تؤثر سلبياً على روحه وفكره وتسبب له الكثير من الاهتزاز والارتباك في قواه النفسية والعقلية.

وجاء الإسلام وأبطل كل هذه الممارسات العباديّة في الظاهر ودعا الناس إلى ممارسة الحياة الاجتماعية المتزامنة مع التقوى والإيمان.

والجدير بالذكر أنّ الرهبانية في الأصل اللغوي من مادة (رهبة) على وزن ضربة، بمعنى الخوف والخشية، والمراد منها هنا الخوف من اللَّه تعالى، وكما يقول الراغب في مفرداته أنّها الخوف المقترن بالخشية والاضطراب والقلق، ثمّ استعملت هذه المفردة في خصوص سلوك جماعة من المسيحيين أو من غيرهم الذين رجّحوا الانزواء والعزلة عن الناس طلباً للعبادة والتبتّل إلى اللَّه تعالى، ومن جملة البدع السيئة للمسيحيين في دائرة الرهبانية هو تحريم الزواج بين النساء والرجال الذين يسلكون في خط الرهبنة وكذلك ترك جميع المسؤوليات الاجتماعية وأشكال العلاقات بين أفراد المجتمع واختيار الصوامع والأديرة البعيدة لهذا الغرض.

ويستفاد من الآية أعلاه أنّ الرهبانية على قسمين: إيجابية وسلبية، ومن المعلوم أنّ الرهبانية السلبية هو ما ذكرنا آنفاً، وأمّا الرهبانية الإيجابية فتتضمّن معنى الزهد وعدم التكالب على الدنيا وترك التجمّلات المادية في حركة الحياة الفردية والاجتماعية لكي لا يقع الإنسان في أسر هذه الزخارف الدنيوية من المال والمقام ولكن ذلك يجتمع مع الحياة الاجتماعية للفرد وإقامة علاقات بنّاءة في مسير المجالات المعنوية والمادية، وبعبارة اخرى: إنّ الآية الشريفة تقرّر وجود رهبانية في الديانة المسيحية مشروعة من اللَّه تعالى وتتضمّن ما كان عليه السيد المسيح عليه السلام من الزهد والترك للدنيا، ولكن المسيحيين في القرون التالية ابتدعوا نوعاً آخر من الرهبانية لم تكن في الديانة المسيحية أصلًا، وهي عبارة عن الإنزواء والعزلة عن المجتمع والحياة الاجتماعية وترك الزواج والانقطاع إلى العبادة في الكهوف والأديرة.

ويمكن أن يقال أنّ السيد المسيح لم يتزوج طيلة حياته أيضاً، ولكن لا ينبغي أن ننسى‌


صفحه 405

أنّ عمر السيد المسيح كان قصيراً فلم يبلغ من العمر سوى ثلاثين سنة تقريباً، وكان في هذه المدّة مشغولًا بتبليغ الرسالة الإلهية والترحال من منطقة إلى منطقة اخرى لهذا الغرض فلم يسعه المجال للزواج.

وعلى أيّة حال فإنّ الإسلام يرى الرهبانية بدعة ويذم النصارى على هذا السلوك السلبي، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف:«لا رهبانية في الإسلام»في مصادر موثوقة كثيرة.

أمّا الحديث عن أبعاد الرهبانية وتاريخها ونتائجها فيطول بنا ويمكن لمن أراد التفصيل في هذا البحث مراجعة التفسير الأمثل ذيل الآية الشريفة، وسوف نشير أيضاً في البحوث القادمة إلى هذا الموضوع أيضاً.

المعاشرة والعزلة في الروايات الإسلامية:

إذا نظرنا نظرة إجمالية إلى التعليمات الإسلامية والمفاهيم الدينية في هذا الباب ومن زوايا مختلفة نجد أنّ الإسلام يؤيّد تماماً المعاشرة والإجتماع مع الناس وحتى أنّ العبادات الإسلامية التي يهدف منها توثيق الرابطة بين الإنسان وربّه قد جعلها الإسلام بشكل جماعي، فالاذان والإقامة تدعو الناس إلى الصلاة والفلاح في عبارة«حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ»والضمائر في سورة الحمد تقرأ بشكل ضمير الجمع والحديث مع الغير، وعند الانتهاء من الصلاة نقرأ سلاماً عاماً لجميع المؤمنين والمصلّين.

صلاة الجماعة وكذلك صلاة الجمعة وأعظم منهما مناسك الحج هي حقيقة عبادات ذات أبعاد اجتماعية تماماً.

ونقرأ في الروايات الإسلامية تأكيدات كثيرة على لزوم الجماعة والاجتماع وعدم الفرقة عن المؤمنين، ومن ذلك:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:«أَيُّها النَّاسُ عَلَيكُم بِالجَماعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ»[1].

[1]. كنز العمال، ج 1، ص 206، ح 1028.


صفحه 406

2- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً قال:«الجَماعَةُ رَحمَةٌ، والفُرقَةُ عَذابٌ»[1].

3- وقال رسول اللَّه في حديث آخر:«يَدُ اللَّهِ عَلَى الجَماعَةِ فَإذا إِشتَدِّ (شَذَّ) الشَّاذَّ مِنهُم إِختَطَفَهُ الشَّيطانُ كَما يَختَطِفُ الذِّئبُ الشَّاةَ الشَّاذَّةَ مِنَ النِّعَمِ»[2]

4- ونفس هذا المضمون ورد بتعبير آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال:«والزَمُوا السَّوادَ الأَعظَمَ فَإنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الجَماعَةِ، وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مَنَ النَّاسِ للشَّيطَانِ، كَما أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الغَنَمُ للذِّئبِ، ألا مَن دعا إِلى هذا الشّعارِ فاقتُلُوه وَلَو كانَ تَحتَ عِمامَتِي هذِهِ»[3].

5- وقد ورد هذا المضمون أيضاً في رواية اخرى عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يعبّر عند مدى أهمية هذا المعنى حيث قال:«إِنَّ الشَّيطَانَ ذِئبُ الإِنسانِ كَذِئبِ الغَنَمِ يَأَخُذُ القاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَالشَّارِدَةَ، وَإِيَّاكُم وَالشِّعابِ، وَعَلَيكُم بِالعامَّةِ وَالجَماعَةِ وَالمَساجِدِ»[4].

6- وجاء في حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً:«لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَنْ يَهجُرَ أَخاهُ فَوقَ ثَلاثَةَ (أَيَّامٍ)، وَالسَّابِقُ بِالصُّلحِ يَدخُلُ الجَنَّةَ»[5].

7- وهذا المضمون ورد أيضاً بتعبير آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث قال:«لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَنْ يَهجُرَ أَخاهُ فَوقَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لايُؤمِنُ بَوائِقَهُ»[6].

وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّه:«أَيُّما مُسلِمَينِ تَهاجَرا ثَلاثاً لايَصطَلِحانِ إلّا ماتا خارِجَينِ عَنِ الإِسلامِ ...»[7].

صحيح أنّ هذه الأحاديث الشريفة وردت في مجال المخاصمة والعداوة بين المسلمين، ولكنّها علي أيّة حال تدلّ على أنّ الإسلام يؤيّد دائماً الحياة الاجتماعية وتعميق الالفة

[1]. ميران الحكمة، ج 1، ص 406، ح 2438.

[2]. كنز العمال، ج 1، ص 206، ح 1032.

[3]. نهج البلاغة، الخطبة 127.

[4]. المحجة البيضاء، ج 4، ص 8.

[5]. المصدر السابق، ص 7.

[6]. المصدر السابق.

[7]. سفينة البحار، مادة هجر.


صفحه 407

والمحبّة بين قلوب المسلمين، ومن الواضح أنّ حالة العزلة والانزواء لا تنسجم مع روح هذه التعاليم الدينية.

8- وورد في حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال عندما أراد أحد الأشخاص التوجّه إلى الجبل والاعتزال لغرض العبادة:«لَصَبرُ أَحَدِكُم ساعَةً عَلى‌ ما يَكرَهُ فِي بَعضِ مَواطِنَ الإِسلامِ خَيرٌ مِنْ عِبادَتِهِ خالِياً أَربَعِينَ سَنَةً»[1].

9- ويستفاد من الروايات المتعددة أنّ الإسلام نهى عن الرهبانية التي تتضمّن الانزواء والعزلة ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه أنّه قال:«لَيسَ فِي امَّتِي رَهبانِيَّةَ وَلا سِيا حَةَ»[2].

والمراد من الرهبانية في هذا الحديث الشريف هو اختيار مكان منعزل للعبادة، وأمّا السياحة فهي الانزواء السيّار، لأنّ بعض الأشخاص كانوا في قديم الأزمان يتركون بيوتهم ومحل معيشتهم ويسيحون في أرض اللَّه الواسعة ويتركون الدنيا ويعتبرون ذلك نوعاً من العبادة، وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لا يؤيد العزلة الثابتة ولا العزلة السيّارة.

10- وقد ورد في الحديث العميق المعنى عن أنس قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون رضى الله عنه فاشتدّ حزنه عليه حتّى اتّخذ من داره مسجداً يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال له:

«يا عُثمانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى‌ لَم يَكتُبْ عَلَينا الرِّهبانِيَّةَ، إِنَّما رَهبانِيَّةُ امَتِّي الجِهادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ».

ثم إنّه صلى الله عليه و آله أخذ يواسيه على فقد ابنه وقال:«يا عُثمان بن مظعون للجنّةِ ثَمانيةِ أبواب، وللنّارِ سبعة أبواب أَفما يَسُّركَ أَن تَأَتِي باباً مِنها إلّاوَجدتَ ابنَك إِلى جَنبِكَ آخذاً بِحجزَتِكَ يَشفَعُ لَكَ إِلى رَبِّكَ؟ قَال: بلى»[3].

11- ومثل هذا المعنى ورد أيضاً في نهج البلاغة بالنسبة إلى أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام عندما دخل الإمام البصرة وذهب لزيارة (علاء بن زياد الحارثي) فعندما

[1]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 1966، 12914.

[2]. بحار الانوار، ج 67، ص 115.

[3]. بحار الانوار، ج 67، ص 114.


صفحه 408

رأى بيته الواسع والمجلل تعجب كثيراً وقال:«ما كُنتَ تَصنَعُ بِسعَةِ هذِه الدَّار فِي الدُّنيا، أما أَنتَ إِليها فِي الآخِرَةِ أَحوجُ وَبلى‌ إِن شِئتَ بَلَغتَ بِها الآخرةَ تُقرِي فِيها الضَّيفَ وَتَصِلُ فِيها الرَّحمَ وَتَطَلِعُ مِنها الحقوق مطالعها فإذاً أَنتَ بَلغَتَ بِها الآخرةَ، فَقالَ لَهُ العلاءُ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أشكُوا إِلَيكَ أَخِي عاصِمَ بنَ زياد، قَالَ: وَما لَهُ؟ قال: لَبِسَ العباءةَ وَتَخَلِّي الدُّنيا، فَلما جاءَ قَالَ: «يا عَدِيَّ نَفسِهِ لَقَد إِستَهامَ بِكَ الخَبِثُ، أَما رَحِمتَ أَهلَكَ وَوَلَدَكَ، أَتَرى‌ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيباتِ وَهُوَ يَكرَهُ أَنْ تَأَخُذَها؟ أَنْتَ أَهونُ عَلى‌ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: يا أَمِيرَالمُؤمِنِينَ هذا أَنتَ فِي خُشُونَةِ مَلبَسِكَ وَجَشُوبَةِ مأكَلِكَ.

قَالَ: وَيحَكَ إِنِي لَستُ كأَنتَ، إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى‌ أَئِمَّةِ العَدلِ أَن يَقدِروا أَنفُسَهُم بِضَعَفَةِ النّاسِ كَيلا يَتَبَيَّغَ بَالفَقيرِ فَقرُهُ»[1].

12- ونقرأ في رواية اخرى عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في حديثه لعبداللَّه بن مسعود في مسألة ذم الرهبانية والعزلة عن المجتمع وأنّه كان في بني اسرائيل نوع من الرهبانية في ظروف خاصة واستثنائية لم تكن من صميم الديانة المسيحية، قال ابن مسعود: كنت رديف رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على حمار.

فقال: يابن ام عبد هل تدري من أين احدثت بنو اسرائيل الرهبانية.

فقلت: اللَّه ورسوله أعلم.

فقال صلى الله عليه و آله:«ظَهَرَتْ عَلَيهِم الجَبابِرَةٌ بَعدَ عِيسى‌ يَعمَلُونَ بِمَعاصِي اللَّهِ فَغَضِبَ أَهلَ الإِيمانِ فَقاتَلُوهُم فَهُزِمَ أَهلِ الإِيمانِ ثَلاثَ مَرّاتِ فَلَم يَبقَ مِنهُم إلّاالقَلِيلَ فَقَالُوا إِنْ ظَهرنا لِهَؤلاءِ أَفنونا وَلَم يَبقَ لِلدِّينِ أَحَدٌ يَدعُو إِلَيهِ، فَتعالُوا نَتَفَرَّقُ فِي الأَرضِ إِلى‌ أِنْ يَبعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ الَّذِي وَعَدنا بِهِ عِيسى‌ عليه السلام يَعنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله فَتَفَرَّقُوا فِي غِيرانِ الجِبالِ وَأَحدَثُوا رَهبانِيَّةَ»[2].

وعلى أية حال لم تكن الرهبانية من صميم الديانة المسيحية، بل كانت سلوكاً خاصاً ظهر في ظروف خاصة على بعض أنصار السيد المسيح عليه السلام حفاظاً على أنفسهم.

[1]. نهج البلاغة، الخطبة 209.

[2]. مجمع البيان، ج 5، ص 243، ذيل الآية 27 من سورة الحديد.