أنّ عمر السيد المسيح كان قصيراً فلم يبلغ من العمر سوى ثلاثين سنة تقريباً، وكان في هذه المدّة مشغولًا بتبليغ الرسالة الإلهية والترحال من منطقة إلى منطقة اخرى لهذا الغرض فلم يسعه المجال للزواج.
وعلى أيّة حال فإنّ الإسلام يرى الرهبانية بدعة ويذم النصارى على هذا السلوك السلبي، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف:«لا رهبانية في الإسلام»في مصادر موثوقة كثيرة.
أمّا الحديث عن أبعاد الرهبانية وتاريخها ونتائجها فيطول بنا ويمكن لمن أراد التفصيل في هذا البحث مراجعة التفسير الأمثل ذيل الآية الشريفة، وسوف نشير أيضاً في البحوث القادمة إلى هذا الموضوع أيضاً.
المعاشرة والعزلة في الروايات الإسلامية:
إذا نظرنا نظرة إجمالية إلى التعليمات الإسلامية والمفاهيم الدينية في هذا الباب ومن زوايا مختلفة نجد أنّ الإسلام يؤيّد تماماً المعاشرة والإجتماع مع الناس وحتى أنّ العبادات الإسلامية التي يهدف منها توثيق الرابطة بين الإنسان وربّه قد جعلها الإسلام بشكل جماعي، فالاذان والإقامة تدعو الناس إلى الصلاة والفلاح في عبارة«حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ»والضمائر في سورة الحمد تقرأ بشكل ضمير الجمع والحديث مع الغير، وعند الانتهاء من الصلاة نقرأ سلاماً عاماً لجميع المؤمنين والمصلّين.
صلاة الجماعة وكذلك صلاة الجمعة وأعظم منهما مناسك الحج هي حقيقة عبادات ذات أبعاد اجتماعية تماماً.
ونقرأ في الروايات الإسلامية تأكيدات كثيرة على لزوم الجماعة والاجتماع وعدم الفرقة عن المؤمنين، ومن ذلك:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:«أَيُّها النَّاسُ عَلَيكُم بِالجَماعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ»[1].
[1]. كنز العمال، ج 1، ص 206، ح 1028.
2- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً قال:«الجَماعَةُ رَحمَةٌ، والفُرقَةُ عَذابٌ»[1].
3- وقال رسول اللَّه في حديث آخر:«يَدُ اللَّهِ عَلَى الجَماعَةِ فَإذا إِشتَدِّ (شَذَّ) الشَّاذَّ مِنهُم إِختَطَفَهُ الشَّيطانُ كَما يَختَطِفُ الذِّئبُ الشَّاةَ الشَّاذَّةَ مِنَ النِّعَمِ»[2]
4- ونفس هذا المضمون ورد بتعبير آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال:«والزَمُوا السَّوادَ الأَعظَمَ فَإنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الجَماعَةِ، وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مَنَ النَّاسِ للشَّيطَانِ، كَما أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الغَنَمُ للذِّئبِ، ألا مَن دعا إِلى هذا الشّعارِ فاقتُلُوه وَلَو كانَ تَحتَ عِمامَتِي هذِهِ»[3].
5- وقد ورد هذا المضمون أيضاً في رواية اخرى عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يعبّر عند مدى أهمية هذا المعنى حيث قال:«إِنَّ الشَّيطَانَ ذِئبُ الإِنسانِ كَذِئبِ الغَنَمِ يَأَخُذُ القاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَالشَّارِدَةَ، وَإِيَّاكُم وَالشِّعابِ، وَعَلَيكُم بِالعامَّةِ وَالجَماعَةِ وَالمَساجِدِ»[4].
6- وجاء في حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً:«لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَنْ يَهجُرَ أَخاهُ فَوقَ ثَلاثَةَ (أَيَّامٍ)، وَالسَّابِقُ بِالصُّلحِ يَدخُلُ الجَنَّةَ»[5].
7- وهذا المضمون ورد أيضاً بتعبير آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث قال:«لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَنْ يَهجُرَ أَخاهُ فَوقَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لايُؤمِنُ بَوائِقَهُ»[6].
وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّه:«أَيُّما مُسلِمَينِ تَهاجَرا ثَلاثاً لايَصطَلِحانِ إلّا ماتا خارِجَينِ عَنِ الإِسلامِ ...»[7].
صحيح أنّ هذه الأحاديث الشريفة وردت في مجال المخاصمة والعداوة بين المسلمين، ولكنّها علي أيّة حال تدلّ على أنّ الإسلام يؤيّد دائماً الحياة الاجتماعية وتعميق الالفة
[1]. ميران الحكمة، ج 1، ص 406، ح 2438.
[2]. كنز العمال، ج 1، ص 206، ح 1032.
[3]. نهج البلاغة، الخطبة 127.
[4]. المحجة البيضاء، ج 4، ص 8.
[5]. المصدر السابق، ص 7.
[6]. المصدر السابق.
[7]. سفينة البحار، مادة هجر.
والمحبّة بين قلوب المسلمين، ومن الواضح أنّ حالة العزلة والانزواء لا تنسجم مع روح هذه التعاليم الدينية.
8- وورد في حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال عندما أراد أحد الأشخاص التوجّه إلى الجبل والاعتزال لغرض العبادة:«لَصَبرُ أَحَدِكُم ساعَةً عَلى ما يَكرَهُ فِي بَعضِ مَواطِنَ الإِسلامِ خَيرٌ مِنْ عِبادَتِهِ خالِياً أَربَعِينَ سَنَةً»[1].
9- ويستفاد من الروايات المتعددة أنّ الإسلام نهى عن الرهبانية التي تتضمّن الانزواء والعزلة ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه أنّه قال:«لَيسَ فِي امَّتِي رَهبانِيَّةَ وَلا سِيا حَةَ»[2].
والمراد من الرهبانية في هذا الحديث الشريف هو اختيار مكان منعزل للعبادة، وأمّا السياحة فهي الانزواء السيّار، لأنّ بعض الأشخاص كانوا في قديم الأزمان يتركون بيوتهم ومحل معيشتهم ويسيحون في أرض اللَّه الواسعة ويتركون الدنيا ويعتبرون ذلك نوعاً من العبادة، وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لا يؤيد العزلة الثابتة ولا العزلة السيّارة.
10- وقد ورد في الحديث العميق المعنى عن أنس قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون رضى الله عنه فاشتدّ حزنه عليه حتّى اتّخذ من داره مسجداً يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال له:
«يا عُثمانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى لَم يَكتُبْ عَلَينا الرِّهبانِيَّةَ، إِنَّما رَهبانِيَّةُ امَتِّي الجِهادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ».
ثم إنّه صلى الله عليه و آله أخذ يواسيه على فقد ابنه وقال:«يا عُثمان بن مظعون للجنّةِ ثَمانيةِ أبواب، وللنّارِ سبعة أبواب أَفما يَسُّركَ أَن تَأَتِي باباً مِنها إلّاوَجدتَ ابنَك إِلى جَنبِكَ آخذاً بِحجزَتِكَ يَشفَعُ لَكَ إِلى رَبِّكَ؟ قَال: بلى»[3].
11- ومثل هذا المعنى ورد أيضاً في نهج البلاغة بالنسبة إلى أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام عندما دخل الإمام البصرة وذهب لزيارة (علاء بن زياد الحارثي) فعندما
[1]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 1966، 12914.
[2]. بحار الانوار، ج 67، ص 115.
[3]. بحار الانوار، ج 67، ص 114.
رأى بيته الواسع والمجلل تعجب كثيراً وقال:«ما كُنتَ تَصنَعُ بِسعَةِ هذِه الدَّار فِي الدُّنيا، أما أَنتَ إِليها فِي الآخِرَةِ أَحوجُ وَبلى إِن شِئتَ بَلَغتَ بِها الآخرةَ تُقرِي فِيها الضَّيفَ وَتَصِلُ فِيها الرَّحمَ وَتَطَلِعُ مِنها الحقوق مطالعها فإذاً أَنتَ بَلغَتَ بِها الآخرةَ، فَقالَ لَهُ العلاءُ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أشكُوا إِلَيكَ أَخِي عاصِمَ بنَ زياد، قَالَ: وَما لَهُ؟ قال: لَبِسَ العباءةَ وَتَخَلِّي الدُّنيا، فَلما جاءَ قَالَ: «يا عَدِيَّ نَفسِهِ لَقَد إِستَهامَ بِكَ الخَبِثُ، أَما رَحِمتَ أَهلَكَ وَوَلَدَكَ، أَتَرى أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيباتِ وَهُوَ يَكرَهُ أَنْ تَأَخُذَها؟ أَنْتَ أَهونُ عَلى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: يا أَمِيرَالمُؤمِنِينَ هذا أَنتَ فِي خُشُونَةِ مَلبَسِكَ وَجَشُوبَةِ مأكَلِكَ.
قَالَ: وَيحَكَ إِنِي لَستُ كأَنتَ، إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ العَدلِ أَن يَقدِروا أَنفُسَهُم بِضَعَفَةِ النّاسِ كَيلا يَتَبَيَّغَ بَالفَقيرِ فَقرُهُ»[1].
12- ونقرأ في رواية اخرى عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في حديثه لعبداللَّه بن مسعود في مسألة ذم الرهبانية والعزلة عن المجتمع وأنّه كان في بني اسرائيل نوع من الرهبانية في ظروف خاصة واستثنائية لم تكن من صميم الديانة المسيحية، قال ابن مسعود: كنت رديف رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على حمار.
فقال: يابن ام عبد هل تدري من أين احدثت بنو اسرائيل الرهبانية.
فقلت: اللَّه ورسوله أعلم.
فقال صلى الله عليه و آله:«ظَهَرَتْ عَلَيهِم الجَبابِرَةٌ بَعدَ عِيسى يَعمَلُونَ بِمَعاصِي اللَّهِ فَغَضِبَ أَهلَ الإِيمانِ فَقاتَلُوهُم فَهُزِمَ أَهلِ الإِيمانِ ثَلاثَ مَرّاتِ فَلَم يَبقَ مِنهُم إلّاالقَلِيلَ فَقَالُوا إِنْ ظَهرنا لِهَؤلاءِ أَفنونا وَلَم يَبقَ لِلدِّينِ أَحَدٌ يَدعُو إِلَيهِ، فَتعالُوا نَتَفَرَّقُ فِي الأَرضِ إِلى أِنْ يَبعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ الَّذِي وَعَدنا بِهِ عِيسى عليه السلام يَعنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله فَتَفَرَّقُوا فِي غِيرانِ الجِبالِ وَأَحدَثُوا رَهبانِيَّةَ»[2].
وعلى أية حال لم تكن الرهبانية من صميم الديانة المسيحية، بل كانت سلوكاً خاصاً ظهر في ظروف خاصة على بعض أنصار السيد المسيح عليه السلام حفاظاً على أنفسهم.
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 209.
[2]. مجمع البيان، ج 5، ص 243، ذيل الآية 27 من سورة الحديد.
الأحاديث المتعارضة:
وفي مقابل ما ذكرنا من الأحاديث الشريفة هنا روايات وردت في المصادر الحديثية تشير إلى أنّ الإسلام يؤيّد حالة الانزواء والعزلة وتقع على الضد ممّا ذكرناه من الأحاديث السابقة، ومن ذلك:
1- ما ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله قوله:«العُزلَةُ عِبادَةٌ»[1].
2- ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام:«مَنْ إِنفَرَدَ عَنِ النَّاسِ أَنَسَ بِاللَّهِ سُبحانِهِ»[2].
3- ما ورد أيضاً عن أميرالمؤمنين عليه السلام:«فِي اعتِزالِ أَبناءِ الدُّنيا جَماعُ الصَّلاحِ»[3].
4- وعن الإمام عليه السلام نفسه أيضاً قال:«فِي الإنفِرادِ لِعبادَةِ اللَّهِ كُنُوزُ الأَرباحِ»[4].
5- ونقرأ في حديث عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنّه قال لهشام:«الصَّبرُ عَلَى الوَحدَةِ عَلامَةُ عَلى قُوَّةِ العَقلِ فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ إِعتَزَلَ عَنِ الدُّنيا وَالرَّاغِبِينَ فَيها وَرَغِبَ فِي ما عِندَ اللَّهِ»[5].
وهذه الأحاديث تدلّ على أنّ الانزواء والابتعاد عن الناس من علامات العقل والمعرفة وسبب لحضور القلب للعبادة والتوصل إلى كثير من المراتب المعنوية والكمالات الأخلاقية.
6- وورد في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِنْ قَدرْتَ أَنْ لاتَخرُجَ مِنْ بَيتِكَ فَافعَل، فَإنَّ عَلَيكَ فِي خُرُوجِكَ ألّا تَغتابَ وَلا تَكذِبَ وَلا تَحسُدَ وَلا تُرائِيَ وَلا تَتصَنَّعَ وَلا تُدهِنَ»[6].
7- قال أمير المؤمنين عليه السلام:«سَلامَةُ الإِنسانِ فِي إِعتَزالِ النَّاسِ»[7].
[1]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 12884.
[2]. غرر الحكم.
[3]. المصدر السابق.
[4]. المصدر السابق.
[5]. بحار الانوار، ج 67، ص 111.
[6]. فروع الكافي، ج 8، ص 128.
[7]. غرر الحكم.
8- نختم هذا البحث بحديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام- وإن كانت الأحاديث في هذا الباب كثيرة- قال:
«مَنْ إِعتَزلَ النَّاسَ سَلِمَ مِنْ شَرِّهِم»[1].
وقد يستدل أتباع العزلة والانزواء من المتصوّفة والمرتاضين ومؤيدوهم ببعض الآيات القرآنية لتبرير مسلكهم الانعزالي، ومن ذلك ما ورد في الآية 16 من سوره الكهف حيث تقول: «وَإِذْ اعْتَزَلُتمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّيءْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً».
وكذلك في ما ورد في سورة مريم عليها السلام الآية 48 و 49 من حديث ابراهيم عليه السلام:
«وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً* فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً».
فكلا هاتين الآيتين تقرّران أنّ العزلة عن الناس والابتعاد عن المجتمع يتسبب في القرب من اللَّه تعالى ونيل المواهب الإلهية ونزول البركات والرحمة من اللَّه تعالى على هذا الإنسان، وهذا يشير إلى أنّ العزلة ليست أمراً مذموماً وحسب، بل مطلوبة أيضاً في دائرة المفاهيم القرآنية.
طريق الجمع بين الآيات والروايات:
ولكن بالنظر الدقيق إلى متون الآيات والروايات الشريفة يتبيّن جيداً أنّ مسألة العزلة والانزواء عن الناس تكون بصورة إستثنائية وفي شرائط اجتماعية خاصة، ومن المعلوم بالنسبة إلى أصحاب الكهف أنّهم كانوا يعيشون في أجواء اجتماعية كافرة وفاسدة وكانوا يعيشون الخوف من الحكومة الغاشمة في ذلك الزمان، فلم يكن لديهم طريق سوى الهروب والابتعاد عن ديارهم ومدنهم واللّجوء إلى الكهف في الجبال البعيدة.
[1]. غرر الحكم.
وبالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام أيضاً نجد هذه الحالة الاستثنائية، فقد رأينا أنّ إبراهيم عليه السلام سعى بجديّة في خط التصدّي لقوى الانحراف والباطل وتبليغ الرسالة الإلهية بين الوثنيين، ولكن عندما رأى عدم التأثير وعاش حالة الخطر على نفسه فعند ذلك أمر بالهجرة وإعتزال هؤلاء الناس.
ومن البديهي أنّ الإنسان في مثل هذه الظروف الحساسة ليس أمامه سوى الهجرة والاعتزال، ولكن هذا المعنى لا يكون أصلًا أساسياً في التعاليم الدينية بل هو الاستثناء يتعلّق بظروف خاصة.
ويمكننا الاستشهاد على هذا الجمع بين الروايات بالقرائن الكثيرة، فعندما يختار الإمام الصادق عليه السلام العزلة عن الناس يذكر الدليل على ذلك وأنّ فساد الزمان وتغيّر الاخوان وعدم إمكان التعاون مع الناس هو السبب في اختيار هذا السلوك الاستثنائي.
وقرأنا في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين أنّ سلامة الدين تكمن في العزلة، فذلك يتعلّق بما إذا كانت المعاشرة مع الناس تهدّد إيمان الفرد وتعرّض دينه وعلاقته باللَّه تعالى إلى الاهتزاز والإرتباك والخطر.
وأحياناً يعيش بعض الأشخاص ظروفاً خاصة بهم حيث نجدهم يعيشون ضعف الإيمان أمام مظاهر الفساد، فلذلك قد يوحي هؤلاء الأشخاص بأن يعتزلوا المجتمع خوفاً عليهم من الابتلاء بمظاهر الفساد أيضاً كما هو المريض الذي يوصيه الطبيب بعدم الاختلاط مع الناس أو يوصي الطبيب الأفراد المسنّين بعدم الخروج الى الشارع خوفاً من التلّوث والتسمم، ومعلوم أنّ مثل هذه التوصيات لا تشكل قاعدة عامّة وشاملة لجيمع الحالات والأفراد بل تختصّ بحالات استثنائية للمرضى والمسنّين والذين يعيشون الابتلاء بضعف القلب وخلل الجهاز التنفسي.
وعليه فلا يمكن تعميم هذه الحالات الاستثنائية إلى كل زمان ومكان بحيث يستكشف منها تعليمات كليّة في دائرة المفاهيم الإسلامية، وعندما نرى أنّ الإمام الصادق يوصي أحد أصحابه باعتزال الناس وأن لا يخرج من البيت حذراً من الوقوع في الغيبة والكذب
والحسد والرياء والمداهنة وأمثال ذلك، فهذا يدلّ على أنّ الظروف الاجتماعية في ذلك الوقت كانت على غيرما يرام، أو أنّ هذا الشخص يعيش ضعف الإيمان والتأثر بالنوازع النفسية والذاتية.
ومن مجموع ما تقدّم آنفاً يمكننا الخروج بالنتيجة التالية:
إنّ الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يأنس بالآخرين ولكن بالرغم من ذلك فإنّه يحتاج في كل يوم إلى ساعة أو عدّة ساعات للخلوة بربّه والانس بمناجاته وخاصة في الساعات من الليل ليكرّس هذا الوقت للعبادة والمناجاة والانفتاح على اللَّه تعالى كما هو حال السالكين إلى اللَّه والعرفاء الإسلاميين الذين يحرصون على الخلوة باللَّه تعالى والإرتباط معه من موقع الانس والعشق والتوكّل بحيث لا يرون غيره ولا يأنسون بغيره.
وأحياناً يتّخذ بعض الأشخاص سلوك الابتعاد عن الناس من موقع الاعتراض على فساد الحال، ويكون ذلك أحد الطرق المشروعة للنهي عن المنكر والتصدّي للمفاسد الاجتماعية حيث يتسبب هذا السلوك السلبي تجاه الناس أن يخلق فيهم صدمة توقظهم من غفلتهم كما قد يشاهد مثل هذه السلوكيات من بعض العلماء الذين تركوا مجتمعهم وهجروا الناس اعتراضاً على بعض ما رأوه من انحرافات في سلوك الناس، ولم تمض فترة حتى أحسّ الناس بحالهم والنقص الذي خلّفه رحيل هذا العالم فانتبهوا من سباتهم وتوجّهوا إلى ذلك العالم وطلبوا منه الرجوع إليهم شريطة أن يصلحوا أعمالهم ويسلكوا جادّة الصواب، كل هذه الاستثناءات من القاعدة الأساسية تكاد تكون مقبولة ومعقولة في مقابل الأصل العام وهو ضرورة الاجتماع والمعاشرة مع الناس.
أسباب ونتائج الاجتماع والانزواء:
إنّ الدافع الأصلي في سلوك الإنسان في حركة الحياة من موقع الاجتماع والمعاشرة مع الآخرين ينبع من طبع الإنسان، ولذلك قيل أنّ (الإنسان مدني بالطبع) كما يقول علماء الاجتماع، وعليه فإنّ العزلة لا تنسجم مع روح الإنسان المنفتحة على الآخرين، وكما يقول