بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 51

وَشَيْ‌ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ».

ومن عجائب هذه القصّة أنّ المفسّرين ذكروا هجوم الجرذان الصحرواية على السدّ فأخذت تنخر فيه من الداخل دون أن يراها الناس المغرورون المشتغلون بالملذّات وكفران النعم، وفجأة أمطرت السماء مطراً شديداً، وتحرّك سيل عظيم وتجمعت المياه خلف السدّ، ولكن جدران السد لم تتحمل كل هذا الضغط، فانهارت وأخذ السيل طريقه للقرى والأراضي الزراعية، فلم يُبق لها شي‌ء، لا مزارع ولا أنعام، وتبدل كل شي‌ء إلى صحراء قاحلة لا ينمو فيها سوى النباتات البرية، ففرت الطيور الجميلة وحلّت محلّها الغربان والبوم، وتفرق الناس إلى الأطراف وأصبحوا من أفقر الناس يأسفون على ماضيهم الجميل، ولكن هيهات، حيث لا تفيد ساعة ندم.

نعم فهذه هي حال الأقوام التي تغفل عن ذكر اللَّه وتكفر بأنعمه.

والطريف في الأمر أنّ الأثرياء منهم اعترضوا على قرب المسافات بينهم، حيث يستطيع أن يسافر كل أحد لقرب المسافة ووفرة الخير في الطريق، فقالوا: أصبح بإمكان الفقير أن يسافر معنا أيضاً، فطلبوا من اللَّه تعالى أن يباعد بين أسفارهم حتى لا يستطيع الفقراء السفر معهم أيضاً، نعم فقد وصلوا إلى أعلى مراتب الطغيان، فعاقبهم اللَّه تعالى بأشدّ العقاب، فتفرق جمعهم وأصبحوا مضرباً للأمثال وخصوصاً في الفرقة، فقالوا فيهم: (تفرقوا أيادي سبأ).

من مجموع الآيات محل البحث تتبين خطورة وبشاعة كفران النعم، حيث تناولت الآيات هذه المسألة وآثارها السيئة على الفرد والمجتمع وخاصة ما أحلّ الكفران بالأقوام السابقة من نتائج مدمرة وعواقب مشؤومة في حركة الإنسان والحياة.

كفران النعم في الروايات الإسلامية:

تناولت الروايات الإسلامية هذه المسألة بصورة واسعة ومفصلّة وتكلّمت عن آثار حالة الكفران المشؤومة وأضرارها، وكذلك تناولت بركات الشكر للنعم والمواهب الإلهية، ومنها:


صفحه 52

1- جاء في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«أَسرَعُ الذُّنُوبِ عُقُوبَةً كُفرانُ النِّعْمَةِ»[1].

2- ونقرأ في حديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:«سَبَبُ زَوالِ النِّعَمِ الكُفرانُ»[2].

3- وعنه أيضاً عليه السلام:«كُفرُ النِّعْمَةِ مُزيلُها وَشُكرُها مُستَدِيمُها»[3].

4- في حديث آخر عنه عليه السلام:«كُفرانُ النِّعَمِ يُزِلُّ القَدَمَ وَيَسلُبُ النِّعَمَ»[4]

5- وأيضاً عنه عليه السلام:«آفَةُ النِّعَمِ الكُفرانِ»[5].

6- وعنه عليه السلام أيضاً:«كافِرُ النِّعْمَةِ كافِرُ فَضلِ اللَّهِ»[6].

7- والاستدراج هو أحد عقوبات الباري تعالى ويعني أنّ اللَّه تعالى يغدق على عبده الكافر نعمه ثم يسلبها منه حتى يحس بالألم والعناء الشديدين، وقد جاء في حديث عن الإمام الحسين عليه السلام:«الإِستِدراجُ مِنَ اللَّهِ سُبحانَهُ لِعَبدِهِ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيهِ النِّعَمَ وَيَسلُبَهُ الشُّكرَ»[7].

8- عن الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال:«الذُّنُوبُ الَّتِي تُغَيُّرُ النِّعَمَ البَغيُ عَلَى النّاسِ والزَّوالُ عَنِ العادَةِ فِي الخَيرِ واصطِناعُ المَعرُوفِ، وَكُفرانُ النِّعَمِ وَتَركِ الشُّكْرِ»[8].

9- وفي حديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:«كُفرُ النِّعْمَةِ لُؤمٌ وَصْبَةُ الأحمَقِ شُؤمٌ»[9].

10- وختاماً نختم بحثنا بهذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام في معرض حديثه عن جنود العقل وجنود الجهل، حيث أمر أصحابه بأن يتعرفوا على جنود العقل وجنود الجهل، وعندما سأله بعض أصحابه عنه قال:«إنّ اللَّهَ جَعَلَ للِعَقلِ خَمساً وَسَبعينَ جُندِياً وَضِدَهُ‌

[1]. بحار الانوار، ج 66، ص 70.

[2]. غرر الحكم، ج 4، ص 121.

[3]. المصدر السابق، 627.

[4]. المصدر السابق، ص 630.

[5]. بحار الانوار، ج 3، 298.

[6]. المصدر السابق، ج 4، ص 634.

[7]. المصدر السابق، ج 75، ص 117.

[8]. بحار الأنوار، ج 70، ص 375.

[9]. غرر الحكم، ج 4، ص 630.


صفحه 53

الجَهلُ إلى أن قال- والشُّكرُ وضِده الكُفرانُ»[1].

ما ذكر في الروايات العشر السابقة، يبيّن مدى خطورة هذه الرذيلة وآثارها السيئة على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية وكيف أنّ الإنسان ينحدر من أوج الكرامة وذروة النعمة إلى قعر الذلّة والمسكنة، وتسلب منه التوفيقات الإلهية ويبتعد عن اللَّه تعالى ويقترب من الشيطان.

وهنا يجدر الإشارة إلى عدّة نقاط:

1- معنى كفران النعمة

الكفر يعني في الأصل الإخفاء، وبما أنّ الكافر يسعى في إخفاء وتغطية النعمة، وقيمتها فسمّي عمله بالكفران.

ومن البديهي أنّ الكفران مرّة يكون بالقلب واخرى باللسان واخرى بالعمل.

ففي قلبه لا يستشعر الإنسان أهمية تلك النعمة، ويصرّح بلسانه بقلّة النعمة وعدم أهميتها، وفي العمل لا يتحرك من موقع الاهتمام بمواهب اللَّه عليه، وبدلًا من أن يستعملها بالخير، يستعملها بالشر ولذلك قال كبار علماء الأخلاق:

«الشُّكْرُ صَرفُ العَبدُ جَمِيعَ ما أَنْعَمَهُ اللَّهُ تَعالى‌ فِي ما خُلِقَ لأجلِهِ».

لذلك فالكفران هو استعمال النعم في غير محلها، فالعين التي وهبها اللَّه تعالى للإنسان ليرى بها طريق الحق والآيات الإلهية ويشخص بها الطريق السوي من البئر لئلا يقع فيه، فإذا به يستعملها في موارد الحرام، وكذلك اليد والاذن وغيرها من الجوارح أو المال والثروة.

وكأنّ هذا الكلام مقتبس من كلام الإمام الصادق عليه السلام، حيث يقول:«شُكرُ النِّعمَةِ إجتِنابُ المَحارمِ»[2].

وبهذا يتبيّن لنا معنى الشكر وعدم الشكر.

[1]. بحار الانوار، ج 1، ص 110 مع التلخيص.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 95، ح 10؛ نور الثقلين، ج 2، ص 529.


صفحه 54

2- عواقب الكفران‌

الكفران بالنعمة يفضي إلى نتائج سيئة كثيرة في دائرة الماديات والمعنويات في حياة الإنسان فمن ذلك أنّه يتسبب في زوال النعم، لأنّ الباري تعالى حكيم، لا يعطي شخصاً شيئاً بدون حساب ولا يسلب أحداً شيئاً بلا مبرر، فالذين يكفرون بالمنعم فلسان حالهم يقول:

بأننا لا نليق ولا نستحق هذه النعم، فتوجب الحكمة الإلهية سلب تلك النعم منهم، والذين يشكرون النعم فلسان حالهم يقول: إننا نستحق تلك النعم الإلهية وزد علينا يا ربّ، مثلًا عندما يرى الفلاح أنّ في بستانه أشجاراً مورقة أكثر من غيرها فسوف يعتني بها أكثر من غيرها حتى تنمو وتكبر بسرعة وتثمر، وإذا شاهد أشجاراً لا تثمر ولا تورق ولا ظلّ لها مهما أهتم بها وبذل لها العناية في مجال السقي والتهذيب، فكفران الأشجار للنعمة يدعو الفلاح لعدم الاعتناء بها وتركها لحالها.

وقد ورد في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:

«مَنْ شَكَرَ النِّعَمَ بِجِنانِهِ استَحَقَّ المَزيدَ قَبْلَ أَن يَظهَرَ عَلَى لِسانِهِ»[1].

وجاء في روايات اخرى نقلت عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه وبمجرّد الحمد والثناء يصدر الباري تعالى أمره بزيادة النعم على ذلك العبد، فقال:«ما أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ مِنْ نِعمَةٍ فَعَرَفَها بِقَلبِهِ وَحَمِدَ اللَّهَ ظاهِراً بِلِسانِهِ فَتَمَّ كَلامُهُ حَتّى‌ يُؤمَرَ لَهُ بِالمَزيدِ»[2].

وبديهي أنّ الكفران يفضي إلى نتائج معاكسة كذلك، ويمكن أن يلطف به اللَّه تعالى ويؤخر عنه سلب النعمة ولكن وعلى أية حال إذا لم يتنبه الإنسان وبقي على ما هو عليه في دائرة الغفلة والجحود للنعمة، فستسلب منه بالتأكيد، لأنّ ذلك من لوازم الحكمة الإلهية.

ومن جهة اخرى فإنّ الكفران يسبب البعد من اللَّه تعالى وهو الخسران الأكبر، فعظماء علماء الكلام في أول أبحاثهم ذهبوا إلى أن شكر المنعم هو من أول الدوافع لمعرفة الباري تعالى وأنّ شكر المنعم أمر وجداني، فعندما يرى الإنسان نفسه غارقاً بالنعم الظاهرة

[1]. مستدرك الوسائل، ج 2، ص 399.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 95، ح 9.


صفحه 55

والباطنة، وأنّها ليست منه فسيسعى لشكر المنعم من خلال البحث عن مصدر النعمة، وهذا هو الذي يُمهد الطريق لمعرفة اللَّه تعالى، ولكنّ الناكرين لأنعم اللَّه والذين لا يقدّرون المنعم فسيحرمون من معرفة اللَّه تعالى، بالإضافة إلى ذلك فإنّ عدم شكر الخالق يفضي بدوره إلى عدم شكر المخلوق، فلا يقيم وزناً لجميل الآخرين ومعروفهم، وكأنّه هو الذي له الحق عليهم، ممّا يسبّب نفور الناس منه وكراهيتهم له، وبالتالي سيؤدي إلى العزلة والإنزواء في حركة الواقع الاجتماعي وقلّة الصديق والناصر في مقابل المشكلات وتحديات الواقع الصعبة.

أسباب ودوافع الكفران وطرق علاجه:

التقصير في الشكر ينشأ من عدم معرفة الإنسان بالمنعم بصورة كاملة، وأساساً فانّه لا يتحرك في طريق التدبّر في النعم الإلهية، فمثلًا عندما ننظر إلى بدننا وما فيه من عجائب ودقائق وتفاصيل على مستوى الخلقة فسنتوجه إلى أهمية تلك النعم ويتحرك فينا حسّ الشكر للَّه‌تعالى.

وعلى سبيل المثال إذا استطاع البشر أن يصنع مثل الأجهزة الموجودة في الإنسان (مثل القلب والكبد والكلية والرئتين) فستكون قطعاً أقل كيفية من صنع خالقها، وستكلفه الكثير جدّاً، وعلى هذا فإذا أردنا حساب قيمة ما يوجد لدينا من أعضاء وجوارح بدنية فسيتبين أنّ لدينا وبحوزتنا ثروة كبيرة جدّاً.

أمّا النعم الخارجية، فيمكن أن تكون جرعة ماء تساوي الدنيا بما فيها، وقد نقل عن بعض العلماء أنّه دخل على أحد الملوك وكان بيد الملك قدح ماء فأراد أن يشرب فتوجه للعالم الكبير وقال له عِظني، فقال له العالم: إذا كنت في يوم من الأيّام عطشاناً لدرجة الموت وجاؤوك بالماء بشرط أن تتنازل عن الملك، فهل ستتنازل؟ فقال نعم، فلا حيلة في ذلك.

فقال له: كيف تتعلق بُملك وحكومة تساوي شربة ماء؟


صفحه 56

ويرى الإنسان حيناً آخر مريضاً يصرخ من شدّة الألم بحيث يتمنى الموت على هذا الألم، فلو اعطيت للإنسان الدنيا بأسرها وهو على ذلك المرض، فلن يقبل بذلك، بل يرضى أن يأخذوا منه كلّ شي‌ء إلّاالعافية.

هناك نعمٌ ظاهرها غير مهم لكنّها إن فقدت فستتعرض حياة الإنسان للخطر، مثل غدد اللّعاب التي ترطب الشفاه والفم وتلين الأكل وتسهل عملية البلع، فإذا توقفت هذه الغدد في يوم ما فسيجف الفم ويعسر عليه الأكل ويتوقف عن الكلام وتصبح الحياة مستحيلة، فذلك الجزء الصغير من بدن الإنسان أهم بكثير من ثروات الدنيا أجمع.

وكذلك في نعمة الشمس والهواء والنباتات والمواهب الاخرى العظيمة وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا»[1].

ويجب التنبه أنّ كثيراً من النعم الإلهية لا يتسنى للإنسان معرفتها، لأنّها لن تُسلب منه، فبعض النعم والمواهب تعيش مع الإنسان فاذا سلبت منه عرفها وأقرّ بعظمتها، وبعضها سيبقى في الكتمان وهي كثيرة جدّاً.

مثلًا مسألة الجاذبية فلم يكن أحد يعرف قبل السفر إلى الفضاء وفقدان الجاذبية هناك، كم هي مهمّة هنا على الأرض، إذ لولاها لما استطاع الإنسان أن يفعل شيئاً لا زراعة ولا صناعة ولا حركة، فأقل حركة من الإنسان سيرتطم بالسقف والجدار وستتناثر الأطمعة والأشربة من المائدة ولن يستطيع الإنسان أن يأكل أو يشرب شيئاً، فحركة الأرض تؤدي إلى قدف كل شي‌ء في الفضاء لولا الجاذبية وستتحول الأرض إلى صحراء قاحلة محرقة، فتفكروا إننا لو قضينا العمر في شكر هذه النعمة فهل سنؤدّي شكرها؟

وإذا أضفنا إليها النعم المعنوية وهداية الأنبياء وكلام المعصومين عليهم السلام ونزول الكتب الإلهية، والتي هي أعلى وأهم من النعم الماديّة، فسنعرف مدى عظمة وقيمة مواهب الرحمن وسنعرف قدرتنا على الشكر كم هي ضعيفة وضئيلة.

فالتوجه لهذه الامور تقلع جذور الكفران وتحيي فيه روح الشكر.

[1]. سورة النحل، الآية 18.


صفحه 57

ومنها نعرف طريقة العلاج، ولذلك قالوا: إنّ أول طريق للشكر هو المعرفة والتفكير بالمواهب والصنائع الإلهية وأنواع نعمه الظاهرة والباطنة[1].

الطريقة الاخرى: هي النظر في دائرة النعم والمواهب المادية إلى المستويات الدنيا للناس، فكلما فكّر الإنسان فيها فستبعث فيه روح الشكر، ولكن إذا نظر إلى من هو أعلى منه من حيث الثروة والنعمة فسوف تستولي عليه الوساوس الشيطانية وتؤذيه.

ومن جهة ثالثة إذا ابتلي بمصائب الدنيا، فليعلم أنّه يوجد مصائب أكبر من التي اصابته وليشكر اللَّه أنّه لم يتورط بالأكبر والأشد منها.

وقد نقل عن شخص أنّه اشتكى عند أحد العظماء أنّ السارق قد أتى وسرق كل شي‌ء، فقال له: اذهب واشكر اللَّه تعالى إذ لم يأت الشيطان الى بيتك بدلًا من السارق، فلو أخذ منك إيمانك فما كنت تفعل؟[2]

وقد ذكر الإمام الصادق عليه السلام في كتاب «التوحيد» المعروف بتوحيد المفضل حقائق توحيدية هامة من موقع تحليل ماهية النعم الإلهية في تفاصيلها الدقيقة ومن خلالها ينفتح الإنسان على المنعم الحقيقي.

ومن جملتها نعمة الكلام والكتابة وقد اعتبرها الإمام الصادق عليه السلام عمود الحضارة الإنسانية: وبعد شرح طويل لها قال:

«فَإنّه لَو لَم يَكُن لَهُ لِسان مُهيأ للكَلامِ وَذِهن يَهتَدِي بِهِ للُامورِ لَم يَكُن لِيتَكَلَّمَ أَبَداً، وَلَو لَم يَكُن لَهُ مُهيأةً وَأَصابِعَ للِكِتابَةِ لِيَكتُبَ أَبداً، واعتَبر ذَلِكَ مِنَ البَهائِمِ الّتي لاكَلامَ لَها ولا كِتابَةَ، فَأصلِ ذَلِكَ فَطرَةِ الباري عَزَّوجَلَّ وما تَفضل بِهِ عَلَى خَلقِهِ، فَمن شَكَرَ اثِيبَ، وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عَنِ العالَمِينَ»[3].

[1]. معراج السعادة، ص 810.

[2]. المحجة البيضاء، ج 7، ص 277.

[3]. بحار الانوار، ج 3، ص 82.


صفحه 58

الشكر قناة موصلة للنعم الإلهية:

النقطة المقابلة للكفران، هي شكر الإله، ومفهومها تقدير النعم بالقلب واللسان والعمل، أمّا التي بالقلب فهي معرفة الخالق والتسليم إليه والرضا بعطائه وذكر الامور التي تبيّن تقدير وشكر الخالق من قبل المخلوق في مقابل نعمه تبارك وتعالى، أمّا من الناحية العملية فهو وضع النعم والمواهب الإلهية في المكان اللائق والذي خلقها اللَّه تعالى لأجله.

يقول الراغب في المفردات: الشكر هو بمعنى التصور للنعمة واظهارها، وقال البعض أن الكلمة في الأصل كانت «كشر» بمعنى الإظهار والابراز (والدابة الشكورة) تطلق على الحيوان الذي يواظب ويهتم بالزرع والماء وتسمن يوماً بعد يوم، و «العين الشكراء» بمعنى العين المليئة بالماء ولذلك فإنّ الشكر بمعنى امتلاء وجود الإنسان من ذكر المنعم للنعم.

والشكر على نوعين: شكر تكويني وشكر تشريعي، الشكر التكويني هو شكر المخلوق للمواهب والنعم التي بحوزته وتحت تسلطه، لتنمو كالشجر والورد والثمرة تكون تحت إشراف الفلّاح الخبير الذي يعرف كيف تثمر الثمار الجيدة، والكفران هو عدم ظهور أثر للمحافظة والمراقبة فيها من قبل الفلّاح.

لذلك فإنّ الذي يستعمل النعم الإلهية في طريق العصيان فقد كفرها تكوينيّاً.

الشكر التشريعي هو أن يقوم الإنسان بشكر الخالق بالقلب واللسان.

وذكرنا سابقاً أنّ الإنسان لا يستطيع أن يؤدّي شكر الخالق ونعمه، لأنّ نفس هذا التوفيق للشكر هو نعمة منه تعالى وهو نفسه يحتاج لشكر آخر، ولذلك جاء في رواياتنا الإسلامية أنّ أفضل شكر الإنسان هو أظهار العجز عن شكر اللَّه في مقابل نعمه والمعذرة عن ذلك التقصير، لأنّه لا يستطيع أحد أن يؤدّي ما يستحقه الباري تعالى.

وذكرنا سابقاً الكثير من مطالب الشكر وما يقابلها من الكفران، ولتكميل هذا البحث نذكر بعض من الآيات والروايات عن المعصومين عليهم السلام، ونكتفي بهذا القدر منها:

«وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ* إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»[1].

[1]. سورة الشورى، الآية 32 و 33.