بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 54

2- عواقب الكفران‌

الكفران بالنعمة يفضي إلى نتائج سيئة كثيرة في دائرة الماديات والمعنويات في حياة الإنسان فمن ذلك أنّه يتسبب في زوال النعم، لأنّ الباري تعالى حكيم، لا يعطي شخصاً شيئاً بدون حساب ولا يسلب أحداً شيئاً بلا مبرر، فالذين يكفرون بالمنعم فلسان حالهم يقول:

بأننا لا نليق ولا نستحق هذه النعم، فتوجب الحكمة الإلهية سلب تلك النعم منهم، والذين يشكرون النعم فلسان حالهم يقول: إننا نستحق تلك النعم الإلهية وزد علينا يا ربّ، مثلًا عندما يرى الفلاح أنّ في بستانه أشجاراً مورقة أكثر من غيرها فسوف يعتني بها أكثر من غيرها حتى تنمو وتكبر بسرعة وتثمر، وإذا شاهد أشجاراً لا تثمر ولا تورق ولا ظلّ لها مهما أهتم بها وبذل لها العناية في مجال السقي والتهذيب، فكفران الأشجار للنعمة يدعو الفلاح لعدم الاعتناء بها وتركها لحالها.

وقد ورد في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:

«مَنْ شَكَرَ النِّعَمَ بِجِنانِهِ استَحَقَّ المَزيدَ قَبْلَ أَن يَظهَرَ عَلَى لِسانِهِ»[1].

وجاء في روايات اخرى نقلت عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه وبمجرّد الحمد والثناء يصدر الباري تعالى أمره بزيادة النعم على ذلك العبد، فقال:«ما أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ مِنْ نِعمَةٍ فَعَرَفَها بِقَلبِهِ وَحَمِدَ اللَّهَ ظاهِراً بِلِسانِهِ فَتَمَّ كَلامُهُ حَتّى‌ يُؤمَرَ لَهُ بِالمَزيدِ»[2].

وبديهي أنّ الكفران يفضي إلى نتائج معاكسة كذلك، ويمكن أن يلطف به اللَّه تعالى ويؤخر عنه سلب النعمة ولكن وعلى أية حال إذا لم يتنبه الإنسان وبقي على ما هو عليه في دائرة الغفلة والجحود للنعمة، فستسلب منه بالتأكيد، لأنّ ذلك من لوازم الحكمة الإلهية.

ومن جهة اخرى فإنّ الكفران يسبب البعد من اللَّه تعالى وهو الخسران الأكبر، فعظماء علماء الكلام في أول أبحاثهم ذهبوا إلى أن شكر المنعم هو من أول الدوافع لمعرفة الباري تعالى وأنّ شكر المنعم أمر وجداني، فعندما يرى الإنسان نفسه غارقاً بالنعم الظاهرة

[1]. مستدرك الوسائل، ج 2، ص 399.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 95، ح 9.


صفحه 55

والباطنة، وأنّها ليست منه فسيسعى لشكر المنعم من خلال البحث عن مصدر النعمة، وهذا هو الذي يُمهد الطريق لمعرفة اللَّه تعالى، ولكنّ الناكرين لأنعم اللَّه والذين لا يقدّرون المنعم فسيحرمون من معرفة اللَّه تعالى، بالإضافة إلى ذلك فإنّ عدم شكر الخالق يفضي بدوره إلى عدم شكر المخلوق، فلا يقيم وزناً لجميل الآخرين ومعروفهم، وكأنّه هو الذي له الحق عليهم، ممّا يسبّب نفور الناس منه وكراهيتهم له، وبالتالي سيؤدي إلى العزلة والإنزواء في حركة الواقع الاجتماعي وقلّة الصديق والناصر في مقابل المشكلات وتحديات الواقع الصعبة.

أسباب ودوافع الكفران وطرق علاجه:

التقصير في الشكر ينشأ من عدم معرفة الإنسان بالمنعم بصورة كاملة، وأساساً فانّه لا يتحرك في طريق التدبّر في النعم الإلهية، فمثلًا عندما ننظر إلى بدننا وما فيه من عجائب ودقائق وتفاصيل على مستوى الخلقة فسنتوجه إلى أهمية تلك النعم ويتحرك فينا حسّ الشكر للَّه‌تعالى.

وعلى سبيل المثال إذا استطاع البشر أن يصنع مثل الأجهزة الموجودة في الإنسان (مثل القلب والكبد والكلية والرئتين) فستكون قطعاً أقل كيفية من صنع خالقها، وستكلفه الكثير جدّاً، وعلى هذا فإذا أردنا حساب قيمة ما يوجد لدينا من أعضاء وجوارح بدنية فسيتبين أنّ لدينا وبحوزتنا ثروة كبيرة جدّاً.

أمّا النعم الخارجية، فيمكن أن تكون جرعة ماء تساوي الدنيا بما فيها، وقد نقل عن بعض العلماء أنّه دخل على أحد الملوك وكان بيد الملك قدح ماء فأراد أن يشرب فتوجه للعالم الكبير وقال له عِظني، فقال له العالم: إذا كنت في يوم من الأيّام عطشاناً لدرجة الموت وجاؤوك بالماء بشرط أن تتنازل عن الملك، فهل ستتنازل؟ فقال نعم، فلا حيلة في ذلك.

فقال له: كيف تتعلق بُملك وحكومة تساوي شربة ماء؟


صفحه 56

ويرى الإنسان حيناً آخر مريضاً يصرخ من شدّة الألم بحيث يتمنى الموت على هذا الألم، فلو اعطيت للإنسان الدنيا بأسرها وهو على ذلك المرض، فلن يقبل بذلك، بل يرضى أن يأخذوا منه كلّ شي‌ء إلّاالعافية.

هناك نعمٌ ظاهرها غير مهم لكنّها إن فقدت فستتعرض حياة الإنسان للخطر، مثل غدد اللّعاب التي ترطب الشفاه والفم وتلين الأكل وتسهل عملية البلع، فإذا توقفت هذه الغدد في يوم ما فسيجف الفم ويعسر عليه الأكل ويتوقف عن الكلام وتصبح الحياة مستحيلة، فذلك الجزء الصغير من بدن الإنسان أهم بكثير من ثروات الدنيا أجمع.

وكذلك في نعمة الشمس والهواء والنباتات والمواهب الاخرى العظيمة وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا»[1].

ويجب التنبه أنّ كثيراً من النعم الإلهية لا يتسنى للإنسان معرفتها، لأنّها لن تُسلب منه، فبعض النعم والمواهب تعيش مع الإنسان فاذا سلبت منه عرفها وأقرّ بعظمتها، وبعضها سيبقى في الكتمان وهي كثيرة جدّاً.

مثلًا مسألة الجاذبية فلم يكن أحد يعرف قبل السفر إلى الفضاء وفقدان الجاذبية هناك، كم هي مهمّة هنا على الأرض، إذ لولاها لما استطاع الإنسان أن يفعل شيئاً لا زراعة ولا صناعة ولا حركة، فأقل حركة من الإنسان سيرتطم بالسقف والجدار وستتناثر الأطمعة والأشربة من المائدة ولن يستطيع الإنسان أن يأكل أو يشرب شيئاً، فحركة الأرض تؤدي إلى قدف كل شي‌ء في الفضاء لولا الجاذبية وستتحول الأرض إلى صحراء قاحلة محرقة، فتفكروا إننا لو قضينا العمر في شكر هذه النعمة فهل سنؤدّي شكرها؟

وإذا أضفنا إليها النعم المعنوية وهداية الأنبياء وكلام المعصومين عليهم السلام ونزول الكتب الإلهية، والتي هي أعلى وأهم من النعم الماديّة، فسنعرف مدى عظمة وقيمة مواهب الرحمن وسنعرف قدرتنا على الشكر كم هي ضعيفة وضئيلة.

فالتوجه لهذه الامور تقلع جذور الكفران وتحيي فيه روح الشكر.

[1]. سورة النحل، الآية 18.


صفحه 57

ومنها نعرف طريقة العلاج، ولذلك قالوا: إنّ أول طريق للشكر هو المعرفة والتفكير بالمواهب والصنائع الإلهية وأنواع نعمه الظاهرة والباطنة[1].

الطريقة الاخرى: هي النظر في دائرة النعم والمواهب المادية إلى المستويات الدنيا للناس، فكلما فكّر الإنسان فيها فستبعث فيه روح الشكر، ولكن إذا نظر إلى من هو أعلى منه من حيث الثروة والنعمة فسوف تستولي عليه الوساوس الشيطانية وتؤذيه.

ومن جهة ثالثة إذا ابتلي بمصائب الدنيا، فليعلم أنّه يوجد مصائب أكبر من التي اصابته وليشكر اللَّه أنّه لم يتورط بالأكبر والأشد منها.

وقد نقل عن شخص أنّه اشتكى عند أحد العظماء أنّ السارق قد أتى وسرق كل شي‌ء، فقال له: اذهب واشكر اللَّه تعالى إذ لم يأت الشيطان الى بيتك بدلًا من السارق، فلو أخذ منك إيمانك فما كنت تفعل؟[2]

وقد ذكر الإمام الصادق عليه السلام في كتاب «التوحيد» المعروف بتوحيد المفضل حقائق توحيدية هامة من موقع تحليل ماهية النعم الإلهية في تفاصيلها الدقيقة ومن خلالها ينفتح الإنسان على المنعم الحقيقي.

ومن جملتها نعمة الكلام والكتابة وقد اعتبرها الإمام الصادق عليه السلام عمود الحضارة الإنسانية: وبعد شرح طويل لها قال:

«فَإنّه لَو لَم يَكُن لَهُ لِسان مُهيأ للكَلامِ وَذِهن يَهتَدِي بِهِ للُامورِ لَم يَكُن لِيتَكَلَّمَ أَبَداً، وَلَو لَم يَكُن لَهُ مُهيأةً وَأَصابِعَ للِكِتابَةِ لِيَكتُبَ أَبداً، واعتَبر ذَلِكَ مِنَ البَهائِمِ الّتي لاكَلامَ لَها ولا كِتابَةَ، فَأصلِ ذَلِكَ فَطرَةِ الباري عَزَّوجَلَّ وما تَفضل بِهِ عَلَى خَلقِهِ، فَمن شَكَرَ اثِيبَ، وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عَنِ العالَمِينَ»[3].

[1]. معراج السعادة، ص 810.

[2]. المحجة البيضاء، ج 7، ص 277.

[3]. بحار الانوار، ج 3، ص 82.


صفحه 58

الشكر قناة موصلة للنعم الإلهية:

النقطة المقابلة للكفران، هي شكر الإله، ومفهومها تقدير النعم بالقلب واللسان والعمل، أمّا التي بالقلب فهي معرفة الخالق والتسليم إليه والرضا بعطائه وذكر الامور التي تبيّن تقدير وشكر الخالق من قبل المخلوق في مقابل نعمه تبارك وتعالى، أمّا من الناحية العملية فهو وضع النعم والمواهب الإلهية في المكان اللائق والذي خلقها اللَّه تعالى لأجله.

يقول الراغب في المفردات: الشكر هو بمعنى التصور للنعمة واظهارها، وقال البعض أن الكلمة في الأصل كانت «كشر» بمعنى الإظهار والابراز (والدابة الشكورة) تطلق على الحيوان الذي يواظب ويهتم بالزرع والماء وتسمن يوماً بعد يوم، و «العين الشكراء» بمعنى العين المليئة بالماء ولذلك فإنّ الشكر بمعنى امتلاء وجود الإنسان من ذكر المنعم للنعم.

والشكر على نوعين: شكر تكويني وشكر تشريعي، الشكر التكويني هو شكر المخلوق للمواهب والنعم التي بحوزته وتحت تسلطه، لتنمو كالشجر والورد والثمرة تكون تحت إشراف الفلّاح الخبير الذي يعرف كيف تثمر الثمار الجيدة، والكفران هو عدم ظهور أثر للمحافظة والمراقبة فيها من قبل الفلّاح.

لذلك فإنّ الذي يستعمل النعم الإلهية في طريق العصيان فقد كفرها تكوينيّاً.

الشكر التشريعي هو أن يقوم الإنسان بشكر الخالق بالقلب واللسان.

وذكرنا سابقاً أنّ الإنسان لا يستطيع أن يؤدّي شكر الخالق ونعمه، لأنّ نفس هذا التوفيق للشكر هو نعمة منه تعالى وهو نفسه يحتاج لشكر آخر، ولذلك جاء في رواياتنا الإسلامية أنّ أفضل شكر الإنسان هو أظهار العجز عن شكر اللَّه في مقابل نعمه والمعذرة عن ذلك التقصير، لأنّه لا يستطيع أحد أن يؤدّي ما يستحقه الباري تعالى.

وذكرنا سابقاً الكثير من مطالب الشكر وما يقابلها من الكفران، ولتكميل هذا البحث نذكر بعض من الآيات والروايات عن المعصومين عليهم السلام، ونكتفي بهذا القدر منها:

«وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ* إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»[1].

[1]. سورة الشورى، الآية 32 و 33.


صفحه 59

وشبيه لهذا التعبير جاء في آيات اخرى.

ومرّة يشير إلى العين والسمع والعقل فإنّها أهمّ وسيلة للمعرفة الإنسانية فيقول:

وأمّا القرآن الكريم فقد جعل الصبر والشكر أحدهما قرين للآخر وهما وسيلتان لتفتح العلم والإيمان في قلب الإنسان فقال:

«وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»[1].

فالقرآن الكريم أشار في موارد عديدة لوجود هذه الفضيلة (فضيلة الشكر عند الأنبياء العظام)، وأمرهم بالشكر[2]ومرّة يخاطب آل داوود:

«اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ»[3].

ويقول في مكان آخر أنّ شرط رضا الباري تعالى هو الشكر: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ»[4].

الآيات حول الشكر في القرآن الكريم كثيرة وتصل إلى حوالي ال 70 آية، والجدير بالذكر أنّ صفة الشكور نسبت للَّه‌تعالى في سورة النساء الآية 147:

«مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً».

مفهوم الآية يبيّن أنّ الشكر إذا صدر بصورة ومعنى حقيقي فإنّ العذاب الإلهي سيرتفع بالكامل، علاوة على أنّ صفة الشكور نسبت للَّه‌تعالى، فإنّ الشكر هو من الصفات المشتركة مع الباري تعالى، والفرق أن الإنسان بوضع النعمة في موضعها السليم يكون قد أدّى‌ شكرها، وفي المقابل يكون شكر الباري تعالى بزيادة المواهب لعباده.

وجاء في بعض الآيات القرآنية أن التوجه والانتباه للنعم الإلهية هو السبب في حثّ الإنسان على الشكر ويكون هو الرادع عن الذنوب، ونقرأ في سورة الأعراف في خطابه للاقوام السابقة، الآية 74: «فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ».

[1]. سورة النحل، الآية 78.

[2]. راجع الآيات، النحل، 212؛ الاسراء، 3؛ لقمان، 12؛ سبأ، 13.

[3]. سورة سبأ، الآية 13.

[4]. سورة الزمر، الآية 7.


صفحه 60

وفي الآية 69 من نفس السورة يقول: «فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

وهذا التعبير صريح بأن الشكر يكون سبباً للفلاح.

خلاصة القول، أنّ أساس كل سعادة وبركة إلهية هو الشكر، لأنّه يقرّب الإنسان يوماً بعد يوم من اللَّه تعالى، ويحكم أواصر المحبّة بين العباد وخالقهم، وهو طريق التقوى والفلاح.

فلسفة الشكر:

نسان المنعم قد يتوقع الشكر من الطرف الآخر، أو ربّما يحتاجه في بعض الأحيان، سواء كان احتياجاً مادياً أو معنوياً، أو لأجل موقعه ومركزه الإجتماعي.

ولكن الباري تعالى، هو الغني عن العالمين، حتى ولو كفر الناس جميعاً، فهو لا يحتاج لشكرهم، ومع ذلك فقد أكد على الشكر، فمثله كمثل باقي العبادات، ونتيجته تعود على نفس الإنسان، وإذا ما دققنا النظر قليلًا فستتوضح فلسفته.

إذا قدّر الشخص النعم الإلهية سواء كان بالقلب أو اللسان أو بالعمل، فهو يستحق تلك النعمة، واللَّه سبحانه وتعالى هو الحكيم لا يسلب النعمة من أحد من دون دليل ولا يعطي لأحد من دون دليل، فعندما يشكر الإنسان النعم فلسان حاله يقول إنني مستحق للنعم، وحكمة الباري لا توجب له النعمة فقط بل تزيده أيضاً.

ولكن لسان حال الكافر يقول: إننّي غير مستحق للنعمة وحكمة الباري تعالى توجب سلب تلك النعمة منه، وإذا شكر يوماً وكفر يوماً، فسيتعامل معه كالتالي:

«ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»[1].

وعندما نقول أنّ الشكر سبب في دوام النعمة فدليله هذا بعينه، وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:«بِالشُّكرِ تَدُومُ النِّعَمِ»[2].

[1]. سورة الانفال، الآية 53.

[2]. غرر الحكم.


صفحه 61

وفي حديث آخر قال:«ثَمَرَةُ الشُّكرِ زِيادَةُ النِّعَمِ»[1].

وعلاوة على ذلك عندما يتم غرس روح الشكر عند الإنسان، فتصل إلى شكر المخلوق، فشكر المخلوق في مقابل ما يؤدّيه من أعمال جيدة، يكون سبباً مؤثراً في حركة المجتمع وتفتح الاستعدادات الخلّاقة وفي أعماق الإنسان وبالتالي فسيتحرك المجتمع لشكر الخالق ومنه يفتح باب معرفته، فتتعمق العلاقة بين الإنسان وربّه، وكما أشرنا سابقاً فإنّ أول مسألة تبحث في علم الكلام هي معرفة اللَّه عزّ اسمه، وأهمّ دليل فيها هو مسألة شكر المنعم والتي هي بدورها نابعة من الوجدان أو كما يقال بأنّ: قياساتها معها.

عملية الشكر بالإضافة إلى أنّها تعرف الواهب، فإنّها تعرف النعم نفسها أيضاً، فالنعمة كلّما إزداد حجمها وكيفيتها، تستدعي شكراً أكبر وأكثر، ولأداء شكر المنعم تكون معرفة النعمة أمراً ضرورياً، وبالتالي تؤدي إلى توثيق الأواصر بين الخالق وعباده وتشغل نيران الحب له في القلوب، وكم استتبعت المواهب المادية، مواهب معنوية أعلى وأسمى!

الشكر في مصادر الحديث‌

الروايات في هذا المجال لا تعد ولا تحصى، ونختار طائفة منها للقارى‌ء الكريم:

1- في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأجَرِ كَأَجرِ الصَّائِمِ المُحتَسِبُ والمُعافِى‌ الشاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأَجرِ المُبتلى الصابِرِ والمُعطى‌ الشاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأجر المَحرُومِ القانِعِ»[2].

2- في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

«مَكْتُوبٌ فِي التُوراةِ الشُّكرُ مِنَ النِّعَمِ عَلَيكَ، وَأَنعِم عَلى‌ مَنْ شَكَرَكَ فَإنَّهُ لازَوالَ لِلنَّعماءِ إِذا شُكِرَتْ وَلا بَقاءَ لَها إِذا كُفِرَتْ»[3].

3- فيبيّن هذا الحديث أنّ اللَّه تعالى وحده لا يزيد النعم فقط عند الشكر، بل وعلى‌

[1]. غرر الحكم.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 94، ح 1.

[3]. المصدر السابق، ح 3.