بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 60

وفي الآية 69 من نفس السورة يقول: «فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

وهذا التعبير صريح بأن الشكر يكون سبباً للفلاح.

خلاصة القول، أنّ أساس كل سعادة وبركة إلهية هو الشكر، لأنّه يقرّب الإنسان يوماً بعد يوم من اللَّه تعالى، ويحكم أواصر المحبّة بين العباد وخالقهم، وهو طريق التقوى والفلاح.

فلسفة الشكر:

نسان المنعم قد يتوقع الشكر من الطرف الآخر، أو ربّما يحتاجه في بعض الأحيان، سواء كان احتياجاً مادياً أو معنوياً، أو لأجل موقعه ومركزه الإجتماعي.

ولكن الباري تعالى، هو الغني عن العالمين، حتى ولو كفر الناس جميعاً، فهو لا يحتاج لشكرهم، ومع ذلك فقد أكد على الشكر، فمثله كمثل باقي العبادات، ونتيجته تعود على نفس الإنسان، وإذا ما دققنا النظر قليلًا فستتوضح فلسفته.

إذا قدّر الشخص النعم الإلهية سواء كان بالقلب أو اللسان أو بالعمل، فهو يستحق تلك النعمة، واللَّه سبحانه وتعالى هو الحكيم لا يسلب النعمة من أحد من دون دليل ولا يعطي لأحد من دون دليل، فعندما يشكر الإنسان النعم فلسان حاله يقول إنني مستحق للنعم، وحكمة الباري لا توجب له النعمة فقط بل تزيده أيضاً.

ولكن لسان حال الكافر يقول: إننّي غير مستحق للنعمة وحكمة الباري تعالى توجب سلب تلك النعمة منه، وإذا شكر يوماً وكفر يوماً، فسيتعامل معه كالتالي:

«ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»[1].

وعندما نقول أنّ الشكر سبب في دوام النعمة فدليله هذا بعينه، وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:«بِالشُّكرِ تَدُومُ النِّعَمِ»[2].

[1]. سورة الانفال، الآية 53.

[2]. غرر الحكم.


صفحه 61

وفي حديث آخر قال:«ثَمَرَةُ الشُّكرِ زِيادَةُ النِّعَمِ»[1].

وعلاوة على ذلك عندما يتم غرس روح الشكر عند الإنسان، فتصل إلى شكر المخلوق، فشكر المخلوق في مقابل ما يؤدّيه من أعمال جيدة، يكون سبباً مؤثراً في حركة المجتمع وتفتح الاستعدادات الخلّاقة وفي أعماق الإنسان وبالتالي فسيتحرك المجتمع لشكر الخالق ومنه يفتح باب معرفته، فتتعمق العلاقة بين الإنسان وربّه، وكما أشرنا سابقاً فإنّ أول مسألة تبحث في علم الكلام هي معرفة اللَّه عزّ اسمه، وأهمّ دليل فيها هو مسألة شكر المنعم والتي هي بدورها نابعة من الوجدان أو كما يقال بأنّ: قياساتها معها.

عملية الشكر بالإضافة إلى أنّها تعرف الواهب، فإنّها تعرف النعم نفسها أيضاً، فالنعمة كلّما إزداد حجمها وكيفيتها، تستدعي شكراً أكبر وأكثر، ولأداء شكر المنعم تكون معرفة النعمة أمراً ضرورياً، وبالتالي تؤدي إلى توثيق الأواصر بين الخالق وعباده وتشغل نيران الحب له في القلوب، وكم استتبعت المواهب المادية، مواهب معنوية أعلى وأسمى!

الشكر في مصادر الحديث‌

الروايات في هذا المجال لا تعد ولا تحصى، ونختار طائفة منها للقارى‌ء الكريم:

1- في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأجَرِ كَأَجرِ الصَّائِمِ المُحتَسِبُ والمُعافِى‌ الشاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأَجرِ المُبتلى الصابِرِ والمُعطى‌ الشاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأجر المَحرُومِ القانِعِ»[2].

2- في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

«مَكْتُوبٌ فِي التُوراةِ الشُّكرُ مِنَ النِّعَمِ عَلَيكَ، وَأَنعِم عَلى‌ مَنْ شَكَرَكَ فَإنَّهُ لازَوالَ لِلنَّعماءِ إِذا شُكِرَتْ وَلا بَقاءَ لَها إِذا كُفِرَتْ»[3].

3- فيبيّن هذا الحديث أنّ اللَّه تعالى وحده لا يزيد النعم فقط عند الشكر، بل وعلى‌

[1]. غرر الحكم.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 94، ح 1.

[3]. المصدر السابق، ح 3.


صفحه 62

الإنسان أن يزيدها عند الشكر أيضاً.

3- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

«ثَلاثٌ لايَضُرُّ مَعَهُنَّ شَي‌ءٌ، الدُّعاءُ عِندَ الكَربِ، والاستِغفارُ عِندَ الذَّنْبِ، والشُّكْرُ عِندَ النِّعمَةِ»[1].

وأهمية الدعاء والاستغفار في الثقافة الإسلامية معلومة، ومع ما تقدم من الروايات أعلاه تتبيّن أهمية الشكر للإنسان وأنّ أمامه ثلاث حالات لا رابع لها، فإمّا أن يكون قد اصيب بمصيبة، أو وصلته نعمة، فهو خائف بسبب الحفاظ عليها، أو يزلّ ويصدر منه ما يغضب الربّ، ودواء كل واحد منها ذكر في الروايات، فالمشاكل تزول بالدعاء والذنوب بالاستغفار، وتثبيت النعم بالشكر، وجاء في هذا المجال حديث عن الإمام عليه السلام:«نِعمَةٌ لا تُشكَرُ كَسَيِّئةٍ لا تُغفَرُ»[2].

4- في حديث آخر عنه عليه السلام أيضاً، أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان في يوم من الأيّام راكباً ناقته وفجأة نزل وسجد خمس سجدات، وعندما قام وركب مركبه، قلت له: يا رسول اللَّه رأيت منك اليوم أمراً لم أره من قبل، فقال:«نِعَمٌ إستَقبَلَني جِبرئِيلُ فَبَشَّرنِي بِبشاراتٍ مِنْ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فَسَجَدتُ للَّهِ شكُراً لِكُلِّ بُشرى‌»[3].

ونستوحي من هذا الحديث أنّ القادة الإلهيين يؤدّون شكر كل نعمة على حدة مهما استطاعوا.

5- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه أمر بشكر جامع وكامل فقال:«إِذا أَصبَحتَ وَأَمسَيتَ فَقُلْ عَشرَ مَرّات: اللَّهُمَّ ما أَصبَحتْ بِي مِنْ نِعمَةٍ أو عافِيةٍ مِنْ دِينٍ أو دُنيا فَمِنكَ وَحدَكَ لاشَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمدُ وَلَكَ الشُّكرُ بِها عَلَيَّ ياربَّ حَتّى‌ تَرضى‌ وَبَعدَ الرّضا»[4].

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 94، ح 7.

[2]. غرر الحكم.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 98، ح 24.

[4]. المصدر السابق، ح 28.


صفحه 63

وبعدها قال الإمام الصادق عليه السلام: إنّك إن فعلت ذلك فتكون قد أدّيت شكر النعم التي وافتك في ذلك اليوم.

6- عن أميرالمؤمنين عليه السلام في أحاديثه القصار والمليئة بالمعاني الجميلة، فيقول:

«شُكرُ النِّعمَةِ أَمانٌ مِنْ تَحلِيلِها وَكَفِيلٌ بِتأييدِها»[1].

7- وقال عليه السلام في حديث آخر:«شَرُّ النّاسِ مَنْ لايَشكُرُ النِّعمَةَ وَلا يرعى‌ الحُرُمَةَ»[2].

والأحاديث في هذا المجال كثيرة جدّاً ولا يسعها هذا المختصر وما ذكر سابقاً هو نزر يسير منها.

الشكر في سيرة المعصومين عليهم السلام:

نحن نعلم أنّ احدى أشكال الحديث، هو فعل وتقرير المعصوم، وكما أنّ قوله يوضّح ويبيّن لنا معالم الدين ومعارفه، فكذلك بعمله وسكوته في المواقع والمواضع التربوية المختلفة، سيرسم لنا معالم الطريق الصحيح للأحكام والمعارف والأخلاق خصوصاً في مجال الشكر، والأمثلة عليه كثيرة:

1- قال الإمام الباقر عليه السلام:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله عِندَ عائِشة لَيلَتها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَتعَب نَفسَكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدمَ مِنْ ذَنبِكَ وَما تأَخرَ؟ فَقَالَ: يا عائِشة أَلا أَكُونَ عَبدَاً شَكُوراً؟»[3].

ومنه يتبيّن أن الدافع لعبادة الأولياء هو الشكر، ونقلت هذه الجملة كثيراً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في أحاديثه المختلفة، وهي‌«أَفلا أَكُنْ عَبدَاً شَكُوراً».

2- في حديث عن هشام بن الأحمر أنّه قال:«كُنتُ أَسِيرُ مَعَ أَبي الحَسن عليه السلام (الكاظم) فِي بَعضِ أَطرافِ المَدِينةِ إذ ثَنّى‌ رِجلَهُ عَن دابَّتِهِ فَخَرَّ ساجِداً، فَأَطالَ وَطالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ‌

[1]. غررر الحكم.

[2]. المصدر السابق.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 95، باب الشكر، ح 6 ..


صفحه 64

وَرَكَبَ دابَّتَهُ فَقُلتُ: جُعلتُ فداك قَد أَطلتَ السُّجُودَ؟ فَقالَ:

«إنّني ذَكَرتُ نِعمَةً أَنعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيّ فأَحبَبتُ أَنْ أَشكُرَ رَبِّي»[1]

ويعلم من هذه الرواية أنّ الأئمّة عليهم السلام، كانوا ملتزمين بأداء الشكر لكل نعمة، وكانوا يوصون مريديهم ومحبّيهم بذلك أيضاً، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِذا ذَكَرَ أَحَدُكُم نِعمَةَ اللَّهِ عَزَّوجَلَّ فَليَضَع خَدَّهُ عَلى‌ التُّرابِ شُكراً للَّهِ، فَإِنْ كانَ راكِباً فَليَنزِل فَليَضَعَ خَدَّهُ عَلَى التُّرابِ، وإِنْ لَم يَكُن يَقدَرُ عَلَى النُّزُولِ للشُّهرَةِ فَليَضَع خَدَّهُ عَلى‌ قَربُوسِه، وإن لَم يَقدر فَليَضَع خَدَّهُ عَلى كَفِّهِ ثُمَّ لِيحمِدَ اللَّهَ عَلى‌ ما أَنعَم عَليهِ»[2].

3- في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه واسمه أبو بصير:«إِنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيشرَبَ الشِّربَةَ مِنَ الماءِ فَيُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِها الجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَيأَخُذ الإِناءَ فَيَضَعهُ عَلى‌ فِيهِ فَيُسمِّي ثُمَّ يَشرَبُ فَيُنَحِّيهِ وهُوَ يَشتَهيهِ، فَيَحمدُ اللَّهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشرَب، ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيحمُدُ اللَّهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشرَب، ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيَحمُدُ اللَّه، فَيُوجِبُ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ لَهُ بِها الجَنَّةَ»[3].

كيف يتمّ الشكر:

قلنا في تعريف الشكر أنّه التقدير وعرفان الحرمة سواء كان باللسان أم بالقلب، والكفر هو التحقير للنعمة، وتضييعها، وعدم الاعتناء بالمنعم لها.

وأهمّ قسم من مراحل الشكر، هو الشكر العملي، وكم يوجد أفراد يشكرون باللسان ولكنهم يخالفون عملًا، ويكفرون بأنعم اللَّه تعالى.

فالمسرفين والمبذّرين والبخلاء والمتفاخرين والطاغين كل اولئك من مصاديق الجاحدين للنعم الإلهية، ويمشون في طريق كفران النعم، بعكس اولئك الذين ينفقون أموالهم سرّاً وعلانية، ويتواضعون للَّه‌وللناس رغم سعة أموالهم وتراثهم، ولا يريدون تضييع ما آثرهم اللَّه تعالى به من فضله ويضعون الشي‌ء موضعه، أو كما قال اللَّه تعالى: «فِي أموالِهِم حَقٌّ مَعُلومٌ لِلسَّائِلِ وَالَمحرُومِ» اولئك المؤدّون شكر النعم حقّها في مقابل المعطي الحقيقي‌

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 98، ح 26.

[2]. المصدر السابق، ح 25.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 96، ح 16.


صفحه 65

لها، بل ويستحقون الزيادة، «وَلَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم» وورد في الروايات الإسلامية اشارات لطيفة لمراحل الشكر الثلاثة.

نقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«مَنْ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ بِنِعمَةٍ فَعَرَفَها بِقَلبِهِ فَقَد أَدّى‌ شُكرَها»[1].

ومن البديهي أنّ معرفة النعمة وأهميتها وقيمتها، يؤدّي إلى معرفة الواهب لها ويحثّ على تأدية شكرها بالعمل واللسان.

وورد في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال لأحد أصحابه:«ما أَنعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ بِنِعمَةٍ صَغُرَتْ أَو كَبُرَتْ فَقَالَ الحَمدُ للَّهِ إلّاأَدّى‌ شُكْرَها»[2].

ومن المؤكد أنّ القصد من القول‌الحمد للَّه‌، ليس هو لقلقة اللسان بل الحمد الحقيقي النابع من القلب والروح.

ولذلك فإننا نقرأ في حديث ثالث عنه عليه السلام، أنّ أحد أصحابه سأله:«هَلْ لِلشُّكرِ حَدٌّ إِذا فَعَلَهُ العَبدُ كَانَ شاكِراً؟ قَالَ: نَعم، قُلتُ: ما هُوَ؟

قَالَ: يَحَمدُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نِعمَةٍ عَلَيهِ فِي أَهلٍ وَمالٍ وإِن كانَ فِيما أَنعَمَ عَلَيهِ فِي مالِهِ حَقٌّ أَداهُ، وَمِنهُ قَولُهُ عَزَّوَجَلَّ:«سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وَما كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ»...»[3].

وكذلك في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«شُكرُ العالِمِ عَلى‌ عِلمِهِ، عَمَلُهُ بِهِ وَبَذْلُهُ لِمُستَحِقِّهِ»[4].

فهذه اشارات للشكر العملي في مقابل النعم الإلهية، وبالطبع إنّ العالم الذي لا يعمل بعلمه، أو يحجب علمه عن الآخرين، فهو عبد لا يؤدّي شكر النعم، ولسان حاله يقول: أنني لا أستحق هذه النعم العظيمة.

ويجب الإشارة إلى أنّ الشكر العملي يختلف باختلاف الأفراد ويتغيّر شكله من مكان‌

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 96، ح 15.

[2]. المصدر السابق، ح 14.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 96، ح 12.

[4]. غرر الحكم.


صفحه 66

إلى مكان، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في حديثه القصير القيم، حيث أشار إلى أربع نماذج، فقال:

«شُكرُ إِلهكَ بِطُولِ الثَّناءِ، شُكرُ مَنْ فَوقَكَ بِصِدقِ الولاءِ، شُكرُ نَظِيرَكَ بِحُسنِ الإِخاءِ، شُكرُ مَنْ دُونَكَ بِسَببِ العَطاءِ»[1].

واحدى فروع الشكر العملي، وهو عندما ينتصر الإنسان على عدوّه، أو بعبارة اخرى العفو عند المقدرة على العدو ما لم يكن خطراً فعلياً، وليجعل العفو عنه هو علامة لشكر اللَّه تعالى وانتصاره عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:«إِذا قَدَرتَ عَلَى عَدوِّكَ فاجعَلِ العَفوَ عَنهُ شُكراً للقُدرَةِ عَلَيهِ»[2].

كما وتجدر الإشارة إلى أنّ أفضل طرق الشكر العملي للنعم، هو الانفاق منها في سبيل اللَّه تعالى، وقال علي عليه السلام في هذا المجال:«أحسَنُ شُكرِ النِّعَمِ الإنعامُ بِها»[3].

والطريقة الاخرى لشكر النعم العملي هي العبادة والدعاء، بل هو وحسب ما جاء في الروايات الإسلامية أفضل دافع للعبادة، والحال أنّ العبادة لأجل الحصول على الجنّة هي من عبادة التّجار والعبادة خوفاً من النار تعتبر من عبادة العبيد، فإذا كان الدافع للعبادة هو الشكر، فتلك هي عبادة الأحرار، وقال علي عليه السلام:«إِنّ قَوماً عَبَدُوهُ شُكراً فَتِلكَ عِبادَةُ الأَحرارِ»[4].

دوافع الشكر:

يمكننا تقوية روح الشكر ودوافعه، بطرق مختلفة متعددة، وأولها معرفة النعم،

نحن نعلم أنّ اللَّه تعالى قد أغرق الإنسان بنعمه ظاهرة وباطنة وفردية واجتماعية، ولحسن الحظ فإنّ تقدم العلوم من عجائب ونعم اللَّه المحيطة بنا، من عجائب صنع الكون‌

[1]. غرر الحكم.

[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 11.

[3]. غرر الحكم.

[4]. بحار الانوار، ج 75، ص 69، ح 18.


صفحه 67

والعالم إلى عجائب خلقة الإنسان وكل واحدةٍ منها تعتبر نعمة عظيمة كبيرة تستحق الإجلال والوقوف عندها، فمثلًا الكل يعرف في وقتنا الحاضر جسم الإنسان وتركيبه وأنّه مكوّن من مليارات الخلايا الصغيرة، وهي بدورها لها هيكل وشكل معقد محير للعقول، وكل خليّة منها تعتبر نعمة تستحق الشكر، هذا بالنسبة للخلايا، وأمّا الدم فهو أيضاً يتكون من مكوّنات عديدة أحدها كريّات الدم البيض والتي القي على عاتقها مهمّة الدفاع عن الجسم في مقابل الميكروبات والأمراض المختلفة التي تهجم عليه نتيجة لتعامل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وإذا ما قيل قديماً أنّ كل نفَس يستنشقه الإنسان يتألف من نعمتين وكل نعمة تستحق الشكر، اليوم وفي وقتنا الحاضر استحدثت آلاف بل ملايين النعم وكل واحدة منها تستحق الشكر فعلًا وحقاً.

وإذا قال القدماء بأنّ العوامل الأربعة من الشمس والأرض والمطر والرياح تلتقي مع بعضها لتولّد لك رغيف الخبز، فنحن اليوم وبسبب تقدّم العلوم نعلم جيداً أنّ العوامل التي تهب لنا رغيف الخبز لا تقتصر على هذه العوامل الأربعة بل هناك ألالاف من العوامل البيئية والبشرية تلتقي لتولّد لنا هذه النعمة والموهبة الإلهية.

وعليه فانّ دوافع المعرفة التي تتصل من خلال المعرفة تتسع يوماً بعد آخر وتأخذ أبعاداً جديدة ومتنوعة، وعلى هذا الأساس فإنّ استمرار حالة الشكر للنعم الإلهية يحصل ويتعمّق في وجود الإنسان من خلال التدبّر ودوام التفكّر في هذه النعم الإلهية في حركة الحياة والواقع.

الدافع الآخر للشكر هو أنّ الإنسان لابدّ أن ينظر في الموارد الدنيوية إلى ما دونه من الناس ليدرك عظيم نعمة اللَّه عليه وما حباه من كثير المنّة وما أعطاه من القابليات والقوى والإمكانات التي يفتقدها الآخرون لأسباب مختلفة، وفي ذلك نقرأ في الحديث الشريف الوارد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه لأحد أصحابه المعروفين (حارث الهمداني) يقول: