بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 65

لها، بل ويستحقون الزيادة، «وَلَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم» وورد في الروايات الإسلامية اشارات لطيفة لمراحل الشكر الثلاثة.

نقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«مَنْ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ بِنِعمَةٍ فَعَرَفَها بِقَلبِهِ فَقَد أَدّى‌ شُكرَها»[1].

ومن البديهي أنّ معرفة النعمة وأهميتها وقيمتها، يؤدّي إلى معرفة الواهب لها ويحثّ على تأدية شكرها بالعمل واللسان.

وورد في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال لأحد أصحابه:«ما أَنعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ بِنِعمَةٍ صَغُرَتْ أَو كَبُرَتْ فَقَالَ الحَمدُ للَّهِ إلّاأَدّى‌ شُكْرَها»[2].

ومن المؤكد أنّ القصد من القول‌الحمد للَّه‌، ليس هو لقلقة اللسان بل الحمد الحقيقي النابع من القلب والروح.

ولذلك فإننا نقرأ في حديث ثالث عنه عليه السلام، أنّ أحد أصحابه سأله:«هَلْ لِلشُّكرِ حَدٌّ إِذا فَعَلَهُ العَبدُ كَانَ شاكِراً؟ قَالَ: نَعم، قُلتُ: ما هُوَ؟

قَالَ: يَحَمدُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نِعمَةٍ عَلَيهِ فِي أَهلٍ وَمالٍ وإِن كانَ فِيما أَنعَمَ عَلَيهِ فِي مالِهِ حَقٌّ أَداهُ، وَمِنهُ قَولُهُ عَزَّوَجَلَّ:«سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وَما كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ»...»[3].

وكذلك في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«شُكرُ العالِمِ عَلى‌ عِلمِهِ، عَمَلُهُ بِهِ وَبَذْلُهُ لِمُستَحِقِّهِ»[4].

فهذه اشارات للشكر العملي في مقابل النعم الإلهية، وبالطبع إنّ العالم الذي لا يعمل بعلمه، أو يحجب علمه عن الآخرين، فهو عبد لا يؤدّي شكر النعم، ولسان حاله يقول: أنني لا أستحق هذه النعم العظيمة.

ويجب الإشارة إلى أنّ الشكر العملي يختلف باختلاف الأفراد ويتغيّر شكله من مكان‌

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 96، ح 15.

[2]. المصدر السابق، ح 14.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 96، ح 12.

[4]. غرر الحكم.


صفحه 66

إلى مكان، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في حديثه القصير القيم، حيث أشار إلى أربع نماذج، فقال:

«شُكرُ إِلهكَ بِطُولِ الثَّناءِ، شُكرُ مَنْ فَوقَكَ بِصِدقِ الولاءِ، شُكرُ نَظِيرَكَ بِحُسنِ الإِخاءِ، شُكرُ مَنْ دُونَكَ بِسَببِ العَطاءِ»[1].

واحدى فروع الشكر العملي، وهو عندما ينتصر الإنسان على عدوّه، أو بعبارة اخرى العفو عند المقدرة على العدو ما لم يكن خطراً فعلياً، وليجعل العفو عنه هو علامة لشكر اللَّه تعالى وانتصاره عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:«إِذا قَدَرتَ عَلَى عَدوِّكَ فاجعَلِ العَفوَ عَنهُ شُكراً للقُدرَةِ عَلَيهِ»[2].

كما وتجدر الإشارة إلى أنّ أفضل طرق الشكر العملي للنعم، هو الانفاق منها في سبيل اللَّه تعالى، وقال علي عليه السلام في هذا المجال:«أحسَنُ شُكرِ النِّعَمِ الإنعامُ بِها»[3].

والطريقة الاخرى لشكر النعم العملي هي العبادة والدعاء، بل هو وحسب ما جاء في الروايات الإسلامية أفضل دافع للعبادة، والحال أنّ العبادة لأجل الحصول على الجنّة هي من عبادة التّجار والعبادة خوفاً من النار تعتبر من عبادة العبيد، فإذا كان الدافع للعبادة هو الشكر، فتلك هي عبادة الأحرار، وقال علي عليه السلام:«إِنّ قَوماً عَبَدُوهُ شُكراً فَتِلكَ عِبادَةُ الأَحرارِ»[4].

دوافع الشكر:

يمكننا تقوية روح الشكر ودوافعه، بطرق مختلفة متعددة، وأولها معرفة النعم،

نحن نعلم أنّ اللَّه تعالى قد أغرق الإنسان بنعمه ظاهرة وباطنة وفردية واجتماعية، ولحسن الحظ فإنّ تقدم العلوم من عجائب ونعم اللَّه المحيطة بنا، من عجائب صنع الكون‌

[1]. غرر الحكم.

[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 11.

[3]. غرر الحكم.

[4]. بحار الانوار، ج 75، ص 69، ح 18.


صفحه 67

والعالم إلى عجائب خلقة الإنسان وكل واحدةٍ منها تعتبر نعمة عظيمة كبيرة تستحق الإجلال والوقوف عندها، فمثلًا الكل يعرف في وقتنا الحاضر جسم الإنسان وتركيبه وأنّه مكوّن من مليارات الخلايا الصغيرة، وهي بدورها لها هيكل وشكل معقد محير للعقول، وكل خليّة منها تعتبر نعمة تستحق الشكر، هذا بالنسبة للخلايا، وأمّا الدم فهو أيضاً يتكون من مكوّنات عديدة أحدها كريّات الدم البيض والتي القي على عاتقها مهمّة الدفاع عن الجسم في مقابل الميكروبات والأمراض المختلفة التي تهجم عليه نتيجة لتعامل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وإذا ما قيل قديماً أنّ كل نفَس يستنشقه الإنسان يتألف من نعمتين وكل نعمة تستحق الشكر، اليوم وفي وقتنا الحاضر استحدثت آلاف بل ملايين النعم وكل واحدة منها تستحق الشكر فعلًا وحقاً.

وإذا قال القدماء بأنّ العوامل الأربعة من الشمس والأرض والمطر والرياح تلتقي مع بعضها لتولّد لك رغيف الخبز، فنحن اليوم وبسبب تقدّم العلوم نعلم جيداً أنّ العوامل التي تهب لنا رغيف الخبز لا تقتصر على هذه العوامل الأربعة بل هناك ألالاف من العوامل البيئية والبشرية تلتقي لتولّد لنا هذه النعمة والموهبة الإلهية.

وعليه فانّ دوافع المعرفة التي تتصل من خلال المعرفة تتسع يوماً بعد آخر وتأخذ أبعاداً جديدة ومتنوعة، وعلى هذا الأساس فإنّ استمرار حالة الشكر للنعم الإلهية يحصل ويتعمّق في وجود الإنسان من خلال التدبّر ودوام التفكّر في هذه النعم الإلهية في حركة الحياة والواقع.

الدافع الآخر للشكر هو أنّ الإنسان لابدّ أن ينظر في الموارد الدنيوية إلى ما دونه من الناس ليدرك عظيم نعمة اللَّه عليه وما حباه من كثير المنّة وما أعطاه من القابليات والقوى والإمكانات التي يفتقدها الآخرون لأسباب مختلفة، وفي ذلك نقرأ في الحديث الشريف الوارد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه لأحد أصحابه المعروفين (حارث الهمداني) يقول:


صفحه 68

«وَأَكثِر أَنْ تَنظُرَ إِلى‌ مَنْ فُضِّلتَ عَلَيهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبوابِ الشُّكرِ»[1]

في حين أنّ الإنسان لو نظر إلى من فوقه من الأشخاص المثرين فإنّ ذلك سوف يتسبب له بتفعيل روح الطمع وعدم الشكر وبالتالي تتحرّك الوساوس الشيطانية في نفسه لتثير فيه حالة الابتعاد عن اللَّه تعالى ونسيان النعمة، ومن الدوافع المهمّة الاخرى مطالعة بركات وآثار شكر النعمة والمنعم وما يترتب عليه من زيادة النعمة ودوامها كما تقدم ذلك بالتفصيل في الأبحاث المتقدمة.

ومن أفضل الطرق لتفعيل حالة الشكر بين الناس تجاه أحدهم الآخر أن يتحرك الناس باتجاه مكافأة المحسن وتقدير الأشخاص الذين يساهمون في حركة الخدمة والإحسان في المجتمع سواءً كان التشجيع والثناء كلامياً أو فعلياً ولذلك قال الإمام علي عليه السلام في عهده المعروف لمالك الأشتر:«ولا يَكُونَنَّ المُحسِنُ والمُسِى‌ءُ عِندَك بِمَنزِلَةٍ سواءِ فإنَّ فِي ذَلِكَ تَزهِيداً لأَهلِ الإِحسانِ فِي الإِحسانِ وَتَدرِيباً لأَهلِ الإِساءَةِ عَلَى الإِساءةِ»[2].

شكر الخالق وشكر المخلوق:

لا شكّ أنّ الشكر للنعمة كما هو خُلق جميل بالنسبة للَّه‌لشكر اللَّه تعالى فكذلك هو خُلق جميل ومطلوب من الإنسان تجاه المخلوق أيضاً، فالشخص الذي يؤدّي خدمة إلى الآخر ويتحرك في سبيل ايصال نعمة أو يتنازل عن خير من نفسه إلى الآخر فإنّ وظيفة الآخر الذي حصل على هذا الخير أن يشكر هذا الإنسان الذي تسبب في إيصال النعمة له رغم أنّه لا يريد ولا يتوقّع الشكر من الآخر، فقد ورد في الرواية المعروفة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قوله:«مَن‌ لَم يَشْكُرِ المُنعِمَ مِنَ المَخلُوقِينَ لَم يَشكُرِ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ»[3].

[1]. نهج البلاغة، الرسالة 69.

[2]. المصدر السابق، الرسالة 53.

[3]. عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 24.


صفحه 69

إنّ العبارة المعروفة:«مَنْ لَم يَشكُرِ المَخلُوقَ لَم يَشكُرِ الخالِقَ»رغم أنّها لم ترد في الروايات الإسلامية بهذا النص إلّاأنّ هذا المضمون والمفهوم قدورد في الروايات الشريفة عن المعصومين، ويمكن أن يكون لها معنيان وتفسيران:

الأول:أنّ ترك شكر المخلوق هو شاهد ودليل على روح العناد وكفران النعمة لدى هذا الشخص وبسبب ذلك فإنّه لا يعيش التقدير والاحترام للآخرين بل أحياناً تستولي عليه حالة انتظار الاحسان من الناس ويرى أنّهم مقصّرون في حقّه، ومثل هذا الإنسان سوف لا يعيش الشكر للخالق جلّ وعلا، ولا سيّما أنّ النعم والخيرات التي تصل إلى الإنسان عن طريق الآخرين تكون محدودة ولذلك يشعر بها الإنسان ويلمسها من قريب لأنّها تقع بين الفينة والاخرى، أمّا المواهب الإلهية فكثيرة ولا متناهية وتحيط بوجود الإنسان تماماً ولذلك فإنّها لشدّة ظهورها تكاد تخفى على الإنسان الغارق في النعمة فلا يكاد يشعر بها.

والآخر:أنّ شكر المخلوق هو في الواقع شكر اللَّه تعالى، لأنّ شكر المخلوق ما هو إلّا واسطة للفيض وانتقال النعمة من اللَّه تعالى إلى الآخرين، وعليه فإنّ من لم يشكر المخلوق فهو في الواقع لم يشكر اللَّه تعالى.

وعلى كل حال فقد ورد التأكيد على هذا المعنى في الروايات الإسلامية وأنّ المسلم لابدّ أن يعيش الشكر للمخلوق الذي أوصل إليه النعمة، وللخالق الذي هو أصل النعمة بل وينبغي اعطاء الشاكر مزيداً من النعمة تشجيعاً لواقع الشكر كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله، أنّه ورد في التوراة:«اشكُرْ مَنْ أَنعَمَ عَلَيكَ وَأَنعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ»[1].

ونقرأ في المفاهيم القرآنية أنّ اللَّه تعالى يأمر بتقديم الشكر للمخلوقين إلى جانب شكره تعالى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ»[2].

ولا شكّ أنّ الوالدين لا يختصّون بإيصال الخير للإنسان أو أنّهما أصحاب الحق فقط عليه (رغم أنّ حقهما عظيم) فإنّ كل من كان له حق معنوي أو مادّي على الإنسان فلابدّ من تقديم الشكر له.

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 94.

[2]. سورة لقمان، الآية 14.


صفحه 70

ونشاهد هذا المعنى في حالات وسيرة القادة الإلهيين حيث يشكرون الآخرين على أيّة خدمة مهما كانت ضئيلة ويجزلون العطاء على أقل نعمة تصل إليهم من الغير ومن ذلك ما ورد في قصة احدى جواري الإمام الحسين عليه السلام التي أهدت له وردة جميلة فما كان من الإمام عليه السلام إلّاأن أعتقها جزاء صنيعها هذا، وعندما سئل عن سبب ذلك وأنّ هذا الجزاء الكبير لا يتلاءم مع تلك الخدمة الصغيرة من الجارية قال:«كذا أدّبنا اللَّه»[1].

وكذلك القصّة المعروفة الاخرى عن الثلاثة الكرام وهم الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام وعبداللَّه بن جعفر الذين كانوا في قافلة فتأخروا يوماً عنها فلجأوا في الصحراء إلى خيمة عجوز منفردة فسقتهم الماء وأطعمتهم من لحم الشاة الوحيدة لديها فلّما انتهوا من الطعام وأرادوا الرحيل عنها قالوا لها: إذا وردت المدينة فأتي إلى دورنا لنجازيك على هذه الخدمة الكبيرة، ثم مضت أعوام من القحط الشديد في تلك الصحراء إلى درجة أنّ الأعراب وأهل الخيام في تلك الصحراء جاءوا إلى المدينة طلباً للطعام والغذاء، وفي أحد الأيّام وقعت عين الإمام الحسن عليه السلام على تلك العجوز في أزقّة المدينة تطلب لها طعاماً، فناداها الإمام وذكّرها بنفسه وأنّه قدم عليها مع أخيه وابن عمّه إلى خيمتها فاطعمتهم من ذلك الطعام ولكن العجوز لم تتذكر شيئاً ورغم ذلك فإنّ الإمام قال لها: إذا لم تذكري ذلك فأنا أذكره ثم إنّه وهب لها مالًا كثيراً وأغناماً كثيرة وبعثها إلى أخيه الإمام الحسين عليه السلام، فقام الإمام الحسين عليه السلام بمثل ما قام به أخيه الإمام الحسن عليه السلام من العطاء والكرم إلى هذه المرأة الكريمة، ثم أرسلها إلى عبداللَّه بن جعفر الذي صنع مثل ما صنع الحسن والحسين عليهما السلام حتى أنّ هذه المرأة (صارت من أغنى الناس) كما ورد في ذيل الحديث‌[2].

ونقرأ أيضاً قصّة (شيماء) بنت حليمة السعدية واُخت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من الرضاعة حيث حباها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وتقدّم لها بفائق الاحترام والشكر جزاء للخدمة التي تقدّمت بها امّها حليمة السعدية للنبي صلى الله عليه و آله في طفولته، فقد ذكر المؤرخون بأنّ طائفة كبيرة من قبيلة

[1]. بحار الانوار، ج 44، ص 195 ونقل مثلها عن الإمام الحسن عليه السلام.

[2]. نور الابصار، محمد الشبلنجي المصري (مع التلخيص)؛ بحار الانوار، ج 43، ص 348.


صفحه 71

بني سعد قبيلة حليمة السعدية وقعوا أسرى بيد المسلمين في حرب حنين، وعندما رأى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله شيماء بين الأسرى تذكّر خدماتها هي وامّها في أيّام طفولته، فنهض من مكانه إحتراماً لها وفرش عباءته على الأرض وأجلس شيماء عليها وأخذ يسألها بكل لطف ومحبّة عن أحوالها وقال: أنت صاحبة الفضل عليّ وكذلك امّك، في حين أنّه قد مرّ على ذلك ستون سنة تقريباً، وهناك طلبت شيماء من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أن يطلق سراح أسرى قبيلتها فقال: أنا اوافق على هذا الطلب من سهمي، فعندما سمع المسلمون ذلك وهبوا حصّتهم كذلك من الأسرى لشيماء، وبالتالي تم تحرير جميع أسرى هذه القبيلة بسبب تلك المحبّة والخدمة التي عاشها النبي صلى الله عليه و آله في مرحلة الطفولة[1].

ومثال آخر على ذلك هو ما ورد في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من أنّه كانت هناك امرأة تدعى (ثويبة) التي نالت شرف ارضاع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قبل «حليمة السعدية» من لبن ولدها «مسروح»، فعندما هاجر النبي صلى الله عليه و آله ورزقه اللَّه المال كان يرسل لها بعض الثياب والهدايا إلى آخر حياتها حيث توفيت بعد واقعة «خيبر».

والعجيب أنّه جاء في بعض التواريخ أنّ هذه الامرأة «ثويبة» كانت أَمة «أبي لهب» وعندما بشرت أبا لهب بولادة رسول اللَّه أعتقها أبو لهب (ومعلوم أنّ أبا لهب في ذلك الزمان قام بهذا العمل بسبب رابطة القرابة بينه وبين رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، حيث فرح أبو لهب لمّا رزق أخوه عبداللَّه).

وعندما مات أبو لهب بعد سنوات من العداء والأذى لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله رآه أخوه العباس في عالم الرؤيا، فسأله عن حاله، فقال: أنا معذّب في النار، ولكن يخفّف عني العذاب في ليالي‌الأثنين بحيث أشرب الماء من بين أصابعي، لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولد يوم الأثنين، وعندما بشرتني أمتي ثويبة بولادته وعلمت أنّها أرضعته لعدّة أيّام أعتقتها»[2].

[1]. اعلام الورى، ص 126 و 127، سفينة البحار مادة «حلم».

[2]. سفينة البحار، ج 1، ص 522 (مفردة ثويبة).


صفحه 72

4- الغيبة، التنابز بالألقاب وحفظ الغيب‌

تنويه:

تقدّم في الجزء الأول من هذا الكتاب والذي يبحث عن الاصول العامة للقيم الأخلاقية بحث حول علاج آفات اللسان على أساس أنّها أول خطوات إصلاح الأخلاق وتهذيب النفس والسير والسلوك إلى اللَّه تعالى، وقد وعدنا هناك أن نفصّل الحديث عن هذه الحالة ونذكر جزئيات اخرى في البحوث اللاحقة، وأحد افرازات آفة اللسان هذه هي مسألة (الغيبة) التي هي من أخطر المفاسد الأخلاقية وأكثرها إتّساعاً وشيوعاً حيث تتسبب في هتك حُرمة الآخرين، وكشف أسرارهم، وإشاعة الفحشاء، وتمادي المذنبين والمجرمين في سلوكهم، وبالتالي تفضي إلى تزلزل إعتماد الناس وثقتهم بالبعض الآخر، ولا ريب أنّ لكثير من الناس عيوب ونقاط ضعف مستورة غالباً، فإذا اتّضحت هذه العيوب ونقاط الضعف فسوف تتزلزل الثقة العامة بين الناس وتنتشر المفاسد الأخلاقية العديدة التي ذكرناها آنفاً في الوسط الاجتماعي، ولذا نهى الإسلام عن ذلك بشدّة، وجاء في كتب علماء الأخلاق أنّ الغيبة من أسوأ آفات اللسان (رغم أنّ الغيبة لا تنحصر بذكر الطرف الآخر باللسان، بل قد تتحقق بالقلم أو الإشارة أو التعرض بشكل من الأشكال للآخر).

وبما أنّ السلوك إلى اللَّه تعالى لا يمكن أن يتحقق للإنسان ولا يرى المجتمع الإنساني‌