بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 76

وضمناً فانّ الآية يمكن أن تكون إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أن موارد الاستثناء من حكم الغيبة وجوازها (من قبيل التظلم والمشورة وإصلاح ذات البين) هي في الواقع من قبيل المضطر لتناول الميتة حيث ينبغي به أن يقنع بالحدّ الأقل منها.

ولكن قد يثار هذا السؤال، وهو أننا لا نرى في جميع انحاء العالم من يتناول لحم إنسان ميت (فكيف إذا كان أخاه)، فانّ شناعة هذا الفعل وقبحه ممّا لا يكاد يخفى على أحد، في حين أنّ ممارسة الغيبة تعدّ من الامور المتعارفة والمنتشرة في المجالس إلى درجة أنّها تعدّ أحد وسائل الترفيه والفكاهة، فكيف نفسّر هذا الاختلاف بين هذين الحالين؟

الظاهر أنّ هذا الأمر لا دليل له سوى تفشي الغيبة وكثرة تداولها بين الناس بحيث أدّى إلى التقليل من قبحها إلى هذه الدرجة.

وتتحرك‌«الآية الثانية»من موقع التهديد الشديد لمن يمارس الغيبة (السخرية والاستهزاء) في حق الآخرين وتقول بأنّ العذاب العظيم ينتظر هؤلاء الأشخاص الذين يسخرون من المؤمنين ويلمزونهم بألسنتهم أو حركات أيديهم أو يغمزونهم بأعينهم من موقع التهمة والخصومة: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ».

كلمة «لمزة» من مادة لمز على وزن رمز وكلمة «همزة» بنفس الوزن كليهما من صيغ المبالغة، واختلفوا هل أنّهما بمعنى واحد، أو يختلفان في المعنى؟ هناك كلام بين المفسّرين، بعض يرى أنّهما بمعنى واحد، وبعض آخر يرى أنّ الهمزة بمعنى الغيبة واللمزة بمعنى التعيير، وذهب ثالث إلى عكس هذا المعنى، ورابع إلى أنّ الهمزة تقال لمن يعيب على الآخرين بالإشارة بينهما اللمزة تقال لمن يقوم بهذا العمل باللسان، وخامس يرى بأنّ الاولى هي تعيير الشخص بالعلن والثانية وبالخفاء وبعض يرى أنّ «الهُمزة» تقال لمن يعيب الشخص في حضوره بينما «اللمزة» تقال لمن يعيب شخصاً في غيابه.

ويذكر بعض المفسّرين أنّ مقولة «الهمز واللمز» عبارة عن صفتين رذيلتين مركبتين من حالات الجهل والغضب والتكبّر، لأنّهما تتسببان في إيذاء الآخرين وجرح عواطفهم‌


صفحه 77

وشخصيتهم وكذلك تتضمّنان نوع من حالة التفوّق وطلب العلو، وبما أنّ مثل هذا الإنسان لا يرى في نفسه فضيلة وصفة حسنة فإنّه يتحرّك لجبران هذا النقص من موقع ذكر عيوب الآخرين ونقائصهم ليحرز بذلك تفوّقه‌[1].

وقد ذكرت بعض التفاسير وطبقاً لحديث شريف أنّ هاتين الصفتين هما من صفات المنافقين‌[2]، والتعبير بكلمة (ويل) في بداية هذه الآية والتي وردت في سبع وعشرين مورداً في القرآن الكريم هي إشارة إلى اللعن والهلاك وأنواع العذاب لمن يرتكب مثل هذه الأفعال، وما يقال من أنّ هذه الكلمة إشارة إلى بئر أو وادي عميق في جهنّم ملتهب بالنيران هو في الواقع من قبيل تفسير الكلي بمصداقه.

وهذه الكلمة وكذلك كلمة (ويس) و (ويح) كلّها تأتي لبيان حالة التأسف التي تصيب الإنسان، غاية الأمر أنّ (الويل) تأتي في الموارد الشديدة القُبح و (ويس) تأتي في مقابل حالة التحقير، و (ويح) تأتي في مقام الترحّم‌[3].

ومع الالتفات إلى موارد استعمال كلمات (ويل) في القرآن الكريم يتّضح جيداً أنّ هذه المفردة تستخدم في الموارد التي يكون فيها العمل قبيحاً جدّاً، ومنه يتّضح كذلك أنّ الغيبة والتنابز بالألقاب يعتبر في دائرة المفاهيم القرآنية من أقبح الأعمال.

«الآية الثالثة»تتحدث عن الذين يشيعون الفحشاء بين الناس من موقع الذم لهم والتهديد الشديد بالعذاب الأليم لمرتكب هذه الرذيلة وتتضمّن كذلك ذم الغيبة لأنّ إشاعة الفحشاء تتمّ غالباً من خلال الغيبة أو التهمة فتقول: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»

وبالطبع فإنّ شأن نزول هذه الآية إنّما هو في مورد التهمّة التي نسبهما المنافقون لبعض زوجات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ولكن مسألة إشاعة الفحشاء بين الناس لها مفهوم عام يستوعب‌

[1]. روح البيان، ج 10، ص 58.

[2]. المصدر السابق.

[3]. تفسير الفخر الرازي، ج 32، ص 91.


صفحه 78

موارد كثيرة لا سيما الغيبة.

وفي الحقيقة إنّ الآية الاولى من الآيات المذكورة آنفاً تتحدث عن البعد الفردي لحق الناس بالنسبة إلى الغيبة ومن هذه الآية نستوحي الآفاق السلبية الاجتماعية لظاهرة الغيبة، لأنّه في كل مورد يقوم الناس بارتكاب الخطايا والذنوب في الخفاء ثم يفتضح أمرهم فإنّ الكثير من الأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان واهتزاز القيم الأخلاقية في واقعهم سوف يجدون في أنفسهم ميلًا ورغبة لإرتكاب مثل هذه الذنوب.

«الفاحشة» من مادة فحش، وهي في الأصل تعني كل فعل خرج عن حدّ الاعتدال وأضحى فاحشاً، وعليه فإنّ هذه الكلمة تشمل جميع المنكرات والسلوكيات القبيحة في دائرة الأخلاق رغم ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم في عدّة موارد وكذلك في المصطلح المتداول بين الناس بمعنى الانحراف الجنسي والتلّوث بأنواع المحرّمات للشهوة الجنسية، ولكن هذا لا يمنع من عمومية الفاحشة لموارد اخرى، وفي الحقيقة إنّ استعمالها في خصوص الانحرافات الجنسية هو من قبيل استعمال الكلي في مصداقه البارز، وعليه فإنّ اشاعة الفحشاء الوارد في هذه الآية لا ينحصر بالانحراف الجنسي، بل يرد في موارد اخرى تأتي غالباً عن طريق الغيبة.

وفي الآية 45 من سورة العنكبوت نقرأ عن الصلاة: «إنّ الصّلاةَ تَنهى‌ عنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ».

ولهذا السبب ورد في ذيل هذه الآية حديثاً شريفاً يقول:«مَنْ قالَ فِي مُؤمِنٍ ما رَأَتْهُ عَيناهُ وَسَمِعَتْهُ اذُناهُ فَهُوَ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِي الِّذينَ آمَنُوا لَهُم عَذابٌ أَلَيمٌ»

والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم يذكر في الآية أعلاه أنّ جزاء مثل هؤلاء الأشخاص هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذا يوكّد أنّ الغيبة وإشاعة الفحشاء لها آثار مخربّة في حياة الإنسان على المستوى الفردي والاجتماعي.

وآخر ما يقال في تفسير الآية محلّ البحث أنّ القرآن الكريم ولغرض التأكيد على هذه‌


صفحه 79

المسألة المهمّة لم يقل إنّ الذين يشيعون الفحشاء لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة بل قال:

« «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»

وفي‌«الآية الرابعة»والأخيرة من الآيات محلّ البحث نقرأ إستثناءاً لحرمة الغيبة، وهو ما إذا كانت الغيبة صادرة من مظلوم يريد أن يأخذ بحقّه من الظالم ومن ذلك يتّضح جيداً أنّ الغيبة لا تجوز بدون مبّرر ومسوّغ فتقول الآية: «لَايُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً».

والمراد بالجهر من القول هو أي نحوٍ من الإظهار اللفظي سواءاً كان بصورة شكوى أو حكاية أو غيبة أو لعن وذم وأمثال ذلك، وعليه فإنّ من وقع مظلوماً يحقّ له ولغرض الدفاع عن نفسه أن يفضح هؤلاء الظالمين ويذكر أعمالهم العدوانية للآخرين.

ومن أجل، أن لا يسي‌ء الناس الاستفادة من هذا الاستثناء ويتحرّكون من موقع الغيبة والوقيعة بالآخرين بحجّة أنّهم مظلومون فإنّ الآية الكريمة تعقّب في آخرها بقوله تعالى:

«وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً»، فهو مطلّع على نيّات الأشخاص وأفكارهم ودوافعهم في أعمالهم هذه.

وممّا تقدّم من الآيات الكريمة نستوحي قبح وشناعة الغيبة وبالتالي فإنّ عواقبها الدنيوية والاخروية ستكون أليمة للغاية.

الغيبة في الروايات الإسلامية:

وقد ورد في المصادر الروائية وكتب الأخلاق روايات كثيرة في ذم الغيبة، حيث تقرّر هذه الروايات في مضامينها حقيقة مذهلة حول الآثار الوخيمة للغيبة وعقوبتها الأليمة إلى درجة أنّه قلّما نجد بين الذنوب والمحرّمات ما ورد في حقّه مثل هذه الكلمات والتعبيرات، ونحن نختار منها عشر روايات:


صفحه 80

1- نقرأ في حديث شريف أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله خطب يوماً في المسلمين ونادى بصوتٍ رفيع بحيث سمعته النساء في بيوتهنّ وقال:«يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسانِهِ وَلَم يُؤمِنْ بِقَلبِهِ لا تَغتابُوا المُسلِمِينَ وِلا تَتَبِّعُوا عَوراتَهُم فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَورةَ أَخِيهِ يَتَتَبَّعُ اللَّهُ عَورَتَهُ حِتّى‌ يَفْضَحَهُ فِي جَوفِ بَيتِهِ»[1].

2- وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه خطب يوماً بالمسلمين وتحدّث عن ذم الربا حتى أنّه ذكر أنّ الدرهم من الربا أشدّ من ستة وثلاثين زنية ثم قال:«إنّ أَربا الرِّبا عِرضُ الرَّجُلِ المُسلِمِ»[2].

هذا التعبير الذي يقرّر أهميّة ووخامة الغيبة بالنسبة إلى الزنا حيث ورد في روايات متعددة وفي بعضها ذكر السبب في ذلك وهو: «أمّا صاحب الزنا فيتوب فيتوب اللَّه عليه، وأمّا صاحب الغيبة فلا يتوب اللَّه عليه حتى يكون صاحبه الذي يحلّه»[3].

3- في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام يقول:«الغَيبَةُ حَرامٌ عَلى‌ كُلِّ مُسلِمٍ وَأَنَّها لَتأكُلُ الحَسناتِ كَما تأكلُ النّارَ الحَطَبَ»[4].

وهذه الخصوصية تترتب على الغيبة وكما سيأتي في البحوث اللآحقة بسبب أنّ الغيبة تتعرّض لحقّ الناس وبالتالي فإنّ حسنات المغتاب سوف تنتقل إلى صحيفة أعمال الشخص الآخر الذي وقع مورد الغيبة لجبران الخسارة والضرر الذي تحمّله من هذه الغيبة.

4- وجاء في حديث قدسي أنّ اللَّه تعالى خاطب نبيّه موسى عليه السلام وقال:«مَن‌ ماتَ تائِباً مِنَ الغَيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدخُلِ الجَنَّةَ ومَن‌ ماتَ مُصِرّاً عَلَيه، فَهُوَ أَوّلُ مَنْ يَدخُلُ النَّارَ»[5].

وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله نجد تعبيراً مذهلًا عن مخاطرة الغيبة حيث قال:

«مَن‌ مَشى‌ فِي غَيبَةِ أَخِيهِ وَكَشفِ عَورَتِهِ كانَ أَوَّلَ خُطوَةٍ خَطاها وَضَعَها فِي جَهَنّمَ»[6].

[1]. جامع السعادات، ج 2، ص 303.

[2]. المصدر السابق.

[3]. وسائل الشيعة، ج 8، ص 601، ح 18.

[4]. جامع السعادات، ج 3، ص 305.

[5]. جامع السعادات، ص 302.

[6]. المصدر السابق، ص 303.


صفحه 81

6- وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«ما عُمّرَ مَجلِسٌ بِالغَيبَةِ إلّاخُرِّبَ بِالدِّينِ فَنَزِّهُوا أَسمَاعَكُم مِنْ اسْتِماعِ الغَيبَةِ فَإِنَّ القائِلَ وَالمُستَمِعَ لَها شَريكَانِ فِي الإثْمِ»[1].

7- وفي حديث آخر أيضاً عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يتحدّث فيه عن الأضرار المعنوية الكبيرة للغيبة ويقول:«مَن‌ إِغتابَ مُسلِماً أَو مُسلِمَةً لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ صَلاتَهُ وَلا صِيامَهُ أَربَعِينَ لَيلَةً إلّا أَنْ يَغْفِرَ لَهُ صاحِبُهُ»[2].

8- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام:«مَن‌ رَوى‌ عَلى‌ مُؤمُنٍ رَوايَةً يُريدُ بِها شَينَهُ وَهَدْمَ مُرُوَّتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعيُنِ النّاسِ، وَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ وِلايَتِهِ إِلى وِلايَةِ الشَّيطانِ فَلا يَقْبَلُهُ الشَّيطانُ»[3].

ومن الواضح أنّ المصداق البارز للرواية أعلاه هوالشخص المغتاب الذي يهدف من الغيبة إظهار عيوب المؤمنين المستورة ويعمل على هدم شخصيتهم الاجتماعية واسقاطهم بين الناس، فعذاب مثل هؤلاء الأشخاص عظيم إلى درجة أنّ الشيطان نفسه يستوحش من قبول ولاية هؤلاء ويتبرأ من رفقته وصحبته.

9- وفي الحديث الوارد في مناهي النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«نَهى‌ عَنِ الغَيبَة وَقالَ مَنْ إِغتابَ امرءً مُسلِماً بَطَلَ صَومُهُ وَنَقَضَ وَضُوءُهُ، وَجاءَ يَومَ القيامَةِ يَفُوهُ مِنْ فِيهِ رائِحَةٌ أَنتنَ مِنَ الجِيفَةِ يَتَأَذَّى‌ بِهِ أَهلَ المَوقِفِ»[4].

10- ونختم هذا البحث بحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام رغم وجود روايات كثيرة اخرى في هذا المجال ولكننا نكتفي بهذا المقدار الممكن من بيان عواقب الغيبة وآثارها الوخيمة الدنيوية والاخروية حيث يقول:«إِيّاكَ والغَيبَةِ فَإنّها تُمقِتُكَ إلى اللَّهِ والنّاسِ وَتَحبِطُ أَجرَكَ»[5].

[1]. بحار الانوار، ج 75، ص 259.

[2]. المصدر السابق، ج 72، ص 258، ح 53.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 358، ح 1.

[4]. وسائل الشيعة، ج 8، ص 599، ح 13.

[5]. غرر الحكم.


صفحه 82

ومن المعلوم أنّ حديثاً واحداً من هذه الأحاديث يكفي للأحاطة بأهميّة هذه المعصية وخطرها على واقع الإنسان وحياته المعنوية فكيف لو ضممنا وجمعنا هذه الأحاديث بعضها إلى البعض الآخر؟

ولا شكّ أنّه مضافاً إلى القرآن الكريم وتواتر الروايات الإسلامية وإجماع المسلمين على حرمة الغيبة، فإنّ العقل أيضاً يقرّر قبح هذه الخطيئة ويذمّها باعتبارها أنّها من المصاديق البارزة للظلم والعدوان الذي هو من المستقلات العقلية، وعليه فإنّ حرمة الغيبة تقوم عليه جميع الأدلة الأربعة الفقهية.

وبقيت هنا مسائل مهمّة لابدّ من استعراضها وبحثها:

تعريف الغيبة:

ورد تعريف الغيبة لأرباب اللغة والفقهاء وعلماء الأخلاق تعاريف وتفاسير مختلفة تعود في حقيقتها إلى معنى واحد رغم اختلافها على مستوى التعميم والتخصيص وغير ذلك.

يقول في صحاح اللغة أنّ الغيبة هي أن يذكر الإنسان عيب الآخر وعمله في حال عدم حضوره بحيث لو سمعه ذلك الشخص لتألم وتأثر.

ويقول في المصباح المنير: أنّ الغيبة هي كشف العيوب المستورة للآخرين بحيث يتألمون منها وذلك غيبتهم.

وينقل الشيخ الأنصاري قدس سره عن بعض كبار العلماء أنّ الإجماع والأحاديث الشريفة تدلّ على أنّ الغيبة في حقيقتها هي (ذكر أخاك بما يكره) في غيبته‌[1].

وهذا المضمون ورد أيضاً في حديث نبوي شريف، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام في تعريف الغيبة يقول:«الغَيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ ما قَد سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ ...»[2].

ويستفاد ممّا ذكر آنفاً أنّ للغيبة عدّة أركان، أوّلها أن يكون الكلام في حال غيبة الشخص‌

[1]. المكاسب، كتاب المكاسب المحرمة، الشيخ الأنصاري، ص 41.

[2]. وسائل الشيعة، ج 8، أبواب أحكام العشرة، ص 602.


صفحه 83

المذكور، فلو قيل هذا الكلام في حضوره فإنّه يكتسب عنواناً آخر (كعنوان الايذاء أو التهتك وأمثال ذلك) والآخر أن يكون الكلام من قبيل ذكر عيوب الشخص المستورة والخفيّة فلو كانت من العيوب البارزة والظاهرة لم تكن من الغيبة رغم أنّها قد تكون محرّمة بعناوين اخرى، والثالث أن يكون الكلام بحيث إذا سمعه الشخص المذكور بالغيبة فسوف يتألم ويتأثر، ولكن الظاهر أنّ هذا القيد قيد توضيحي فحسب، لأنّ إظهار العيوب المستورة للآخرين وخاصة في غيبتهم تورث التألم والأذى، وقد يكون هناك بعض الأراذل الذين لا يمتعضون بذكر معايبهم ونشر فضائحهم بين الناس ولكن مثل هؤلاء الأشخاص قلّة نادرة.

وممّا تقدمّ آنفاً تتضح لنا هذه الحقيقة جيداً، وهي أنّه عندما يقال لبعض العوام من الناس: لماذا ترتكب غيبة الشخص الفلاني وتذمّه وراء ظهره؟ يقول: إنني أتحدث بهذا الكلام أمامه أيضاً وفي حضوره، فهذا من قبيل العذر أقبح من الذنب، لأنّ التحدّث بذلك أمامه وفي حضوره لا يجوّز غيبته أبداً، فذلك أيضاً ذنب كبير بدوره لأنّه يدخل تحت عنوان أذى المؤمن وكذلك هتك حرمته بين الناس وهدم شخصيته في المجتمع.

ونقرأ في حديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه ذكر بين يديه رجل فقال بعض الحاضرين: أنّه رجل عاجز وضعيف فقال: رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: لقد اغتبتموه، فقالوا: يا رسول اللَّه لقد ذكرنا صفته فقال:«إِنْ قُلتُم ما لَيسَ فِيهِ فَقَد بَهَتّموه»[1].

والعذر الآخر الذي يذكره بعض الجهّال كمسوّغ للغيبة ويتذرّعون به أمام من ينهاهم عن الغيبة يقولون: إنّما نقوله هو حق وليس بكذب، فالشخص الفلاني لديه هذا العيب، وهذه الذريعة لا تقل قبحاً عن سابقتها لأنّه لو لم يكن هذا العيب في الطرف الآخر لدخل تحت عنوان التهمة لا الغيبة، فالغيبة كما ذكرنا هي ذكر العيوب الخفيّة للآخرين في غيبتهم.

ولابدّ من الإشارة أيضاً إلى أنّه يستفاد من بعض كلمات الأعاظم وعلماء الأخلاق أنّ الغيبة لا تقع بالنسبة إلى جميع المؤمنين، بل تقع في مورد الأشخاص الذين تابوا من ذنوبهم وندموا على خطيئتهم وعادوا إلى جادة الصواب، وأمّا الفاسق والمذنب والمتجاهر بالإثم،

[1]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 256.