بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 93

والصفات الباطنية ويجهر بها أمام الناس، فهو يقوم بتدمير شخصيته وتحطيم كيانه قبل أن يحطّم شخصية الآخرين الذين يغتابهم.

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أنّه لابدّ لترك الغيبة وخاصة فيما لو أصبحت عادة لدى الشخص، أن يقوم قبل كل شي‌ء بفرض الرقابة الشديدة على لسانه وكلماته ويتحرّك من موقع الضغط الأخلاقي في دائرة الكلام، وكذلك ينبغي‌له أن يتجنّب معاشرة الأصدقاء الذين لا يجدون حرجاً في ممارسة الغيبة ويدفعونه بهذا الاتجاه ويترك المجالس المهيئة للغيبة، بل وجميع الامور التي توسوس له في ممارسة الغيبة.

وفي حديث شريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«ما عُمِّرَ مَجلِسٌ بالغَيبَةِ إلّاخَرِبَ مِنْ الدِّينِ»[1].

الملاحظة الاخرى هي أنّ أحد دوافع الغيبة هو السعي لتبرئة الذات والدفاع عنها، مثلًا أن يقول: إذا كنت قد إرتكبت هذا الذنب، فإنّ من هو أفضل منّي وأعلم قد ارتكبه أيضاً، والحال أنّ تبرئة الذات لها طرق اخرى كثيرة لا تنتهي بهذا الذنب الكبير أي- الغيبة- وأساساً فإنّ الاعتراف بالخطأ في هذه الموارد يكون أسلم عذر وأفضل سبيل لتدارك الخطأ، مضافاً إلى أنّ أحد الأخطاء الكبيرة لدى الإنسان أن يقارن بينه وبين الفاسقين والأراذل من الناس ويترك المقارنة بينه وبين الأخيار والصلحاء من أفراد المجتمع.

أحياناً يتحرّك الشخص لتبرئة نفسه وتبرير سلوكه إلى التشبث بهذا العذر وهو أنني عندما رأيت العالم الفلاني قد إنحرف على مستوى السلوك وارتكب الذنوب زالت عقيدتي وضعف إيماني وأصبحت في أمر العقيدة بالمبدأ والمعاد غير مكترث، هذه المعاذير والتبريرات هي المصداق الأتم لمقولة العذر أقبح من الذنب، ويترتب على ذلك عواقب خطرة جدّاً، فما أحرى‌ بالإنسان أن يعترف بخطئه ويسعى في تعامله مع الآخرين في حمل سلوكياتهم وأفعالهم على الصحة، وعلى فرض أنّ أحد القادة أو العلماء أو الجهّال تصرّف من موقع الإنحراف وارتكب بعض الذنوب، فلا يكون ذلك مسوّغاً للآخرين على سلوك هذا

[1]. روضة الواعظين، ص 542.


صفحه 94

المسلك وتبريره بتلك الذريعة الشيطانية، بل يجب على الإنسان أن يجعل الصلحاء والأولياء اسوة له في دائرة السلوك والتكامل المعنوي والأخلاقي.

بقي من موضوع الغيبة عدّة امور مهمّة لابدّ من التعرّض لها:

1- استماع الغيبة

كما أنّ التحدّث بالغيبة من الذنوب الكبيرة فكذلك المشاركة في مجلس الغيبة والاستماع للمغتاب في تعرضّه للمؤمنين والوقيعة بالآخرين أيضاً من الذنوب الكبيرة، لأنّ جميع المفاسد المترتبة على الغيبة تتعلق بطرفين، المغتاب والمستمع للغيبة، فلو أنّ الشخص لم يجد في نفسه استعداداً لسماع الغيبة فمضافاً إلى أنّه قد تقدّم خطوة في طريق النهي عن المنكر، فكذلك لا يمكن للغيبة أن تتحقّق في الواقع، فلا يجد المغتاب من يستمع له ليكشف عن عيوب الناس ولا يتمكن من تسقيط شخصية الآخرين ولا هتك حرماتهم ولا يترتب على ذلك المفاسد الاجتماعية الاخرى.

ولهذا السبب نجدالروايات الإسلامية قد شاركت المستمع للغيبة وجعلته أحد المغتابين كما ورد في أحد الروايات عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«المُستَمِعُ أحدُ المُغتَابِينَ»[1].

وورد عن الإمام علي عليه السلام قوله:«السّامِعُ للغَيبَةِ أَحَدُ المُغتَابِينَ»[2].

وفي حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه عندما رأى أحد الأشخاص يرتكب الغيبة في حضور ولده الإمام الحسن عليه السلام فقال له:«يابُنَي نَزِّهِ سَمعَكَ عَنْ مَثلِ هذا فَإنَّهُ نَظَرَ إلى أَخبَثِ ما فِي وِعائِهِ فَأَفرَغَهُ فِي وِعائِكَ»[3].

وكذلك ورد في الروايات الشريفة أنّ المستمع للغيبة يجب أن يتحرك من موقع الدفاع عن أخيه المسلم وذلك من خلال حمل سلوكه على الصحّة.

[1]. جامع السعادات، ج 2، ص 297؛ بحار الانوار، ج 72، ص 226.

[2]. المصدر السابق.

[3]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 2339.


صفحه 95

وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يقول:«مَنْ أُغتِيبَ عِندَهُ أَخُوهُ المُسلِمُ فاستَطاعَ نَصرَهُ وَلَم يَنصُرهُ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي الدُّنيا والآخِرةِ»[1].

وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«إذا وَقَعَ فِي رَجُلٍ وَأَنْتَ فِي مَلاءٍ فَكُنْ لِلرَّجُلِ ناصِراً وَلِلقَومِ زاجِراً وَقُم عَنهُم»[2].

وأيضاً ورد في الحديث النبوي الشريف قوله:«الساكِتُ شَرِيكُ المُغتَابِ»[3].

ونختم هذا البحث بالحديث الشريف الوارد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً حيث قال:«ألا وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلى‌ أَخِيهِ فِي غَيبَةٍ سَمِعَها فِيهِ فِي مَجلِسٍ فَرَدَّها عَنهُ رَدَّ اللَّهُ عَنهُ أَلَفَ بابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ فإنْ هُوَ لَم يَرُدَّها وَهُو قادِرٌ عَلى‌ رَدِّها كانَ عَلَيهِ كَوِزرِ مَنْ إِغتابَهُ سِبعِينَ مَرَّةً»[4].

ويمكن أن تكون هذه الرواية ناظرة إلى الموارد التي يكون فيها الشخص المستمع من أصحاب النفوذ والمكانة الاجتماعية في حين أنّ المغتاب ليس كذلك، ومن الواضح أنّ سكوت مثل هذا الشخص يترتب عليه نتائج وخيمة على مستوى هتك حرمة ذلك الشخص المسلم حيث يكون استماعه لذلك أكثر ضرراً من كلام المغتاب نفسه.

2- الغيبة حق الناس أو حق اللَّه؟

وطبقاً لما ورد في تعريف الغيبة سابقاً يتّضح أنّ الغيبة من حقوق الناس لأنّها تتسبب في هتك حرمتهم وتسقيط شخصيتهم وإزهاق سمعتهم: ونعلم أنّ ماء وجه المسلم له من القيمة كما هو الحال في روح المسلم وماله وعرضه.

ومن التشبيه الوارد في الآية من سورة الحجرات حول الغيبة وأنّها كمن يأكل لحم أخيه ميتاً يتّضح جيداً أنّ الغيبة من حق الناس؛ ومن الأحاديث الكثيرة يمكننا أن نستوحي هذا

[1]. المصدر السابق، ص 2339.

[2]. كنز العمال، ح 8028.

[3]. آثار الصادقين، ج 16، ص 98.

[4]. من لا يحضره الفقه، ج 4، ص 8 و 9.


صفحه 96

المفهوم أيضاً وهو أنّ الغيبة نوع من الظلم والعدوان على الآخرين والذي يجب التحرك على مستوى جبران هذا العدوان وتعويض الطرف الآخر لجبران الظلم الذي وقع عليه، ومن ذلك:

1- أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال في حجة الوداع:«أَيُّها النّاسُ إِنَّ دِمائَكُم وَأَموالَكُم وَأَعراضَكُم عَلَيكُم حَرامٌ كَحُرمَةِ يَومِكُم هذا فِي شَهرِكُم هذا فِي بَلَدِكُم هذا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الغَيبَةَ كَما حَرَّمَ المَالَ وَالدَّمَ»[1].

ولا شك أنّ كل دم برى‌ء يسفك لابدّ من جبرانه، وكل مال مشروع يتُم اتلافه من قِبل شخص آخر يجب عليه أن يقوم بتعويضه، والغيبة أيضاً ومن خلال هذا المنطلق يجب العمل على تلافيها وجبرانها بأي نحو ممكن.

وأساساً فإنّ جعل عرض المؤمن إلى جانب ماله ودمه لهو دليل واضح على أنّ تسقيط شخصية الإنسان وهتك حرمته إنّما هي من حق الناس.

2- وفي حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله بعد أن قارن الغيبة بالزنا وأنّها أشدّ إثماً منه قال:«إنّ صاحِبَ الغَيبَةِ لا يُغفَرُ لَهُ حتّى‌ يَغفِرَ لَه صاحِبُهُ»[2].

3- وجاء في كتاب مجموعة ورام أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال:«كُلُ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرامٌ وَدَمُهُ وَمالُهُ وَعِرضُهُ، والغَيبَةُ تَناوُلِ العِرضِ»[3].

العبارة الأخيرة من هذا الحديث الشريف وهي أنّ (الغيبة تناول العرض) مصداق التعرّض لناموس الشخص سواء كانت من كلمات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أو كلمات الرواة، فإنّها على أي حال يمكن أن تكون شاهداً على المقصود.

والشاهد الآخر على هذا المعنى هوالروايات الشريفة التي تتحدث عن أنّ الغيبة تسبب في نقل حسنات المغتاب من صحيفة أعماله إلى صحيفة أعمال المغتاب، ونقل سيئات المستغاب إلى الشخص المرتكب للغيبة (كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك) وهذا يعني أنّ الغيبة

[1]. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 9، ص 62.

[2]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 251.

[3]. مجموعة ورام، ج 1، ص 123.


صفحه 97

هي من حق الناس، لأنّ نقل الحسنات والسيئات لجبران الضرر الذي لحق بالمستغاب يعني أنّ الغيبة من حقوق الناس.

وبعد أن اتّضح هذا المفهوم وأنّ حق الناس يجب أن يجبر ويعوّض يثار في الذهن هذا السؤال، وهو أنّ المغتاب كيف يتمكن من جبران خطئه وذنبه؟

ويستفاد من بعض الروايات أنّ المستغاب لو علم بذلك وسمع بأنّ المستغيب يذكره بسوء، فيجب على المستغيب أن يذهب إليه ويطلب منه أن يرضى عنه ويجعله في حِلّ وإلّا لو لم يتصل به فيجب عليه أن يستغفر اللَّه تعالى، ويدعو للمستغاب بالرحمة والمغفرة (ليتم له التعويض عن ذلك الظلم في حق أخيه المؤمن) وهذا المضمون ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال:«فَإنَّ اغتِيبَ فَبَلَغَ المُغتابَ فَلَم يَبقَ إلّاأَن تَستَحِلَّ مِنهُ وإنْ لَم يَبلُغْهُ وَلَمْ يَلحَقهُ عِلمَ ذَلِكَ فاستَغْفِرِ اللَّه لَهُ»[1].

ويتّضح من هذا الحديث الشريف أنّه لو لم تصل الغيبة إلى مسامع المستغاب فإنّ نقل هذا الخبر إليه قد يتسبب في أذاه أكثر ويترتب على ذلك مسؤولية أكبر، ولهذا السبب نجد أنّ الوارد في الحديث الشريف هو الاستغفار فحسب، وعليه ففي الموارد التي لا يتأثر فيها المستغاب من خبر الغيبة فلا يبعد وجوب طلب التحلل منه وكسب رضاه.

ومن هنا يتّضح جيداً ما ورد في الروايات الشريفة أنّه:«كَفَّارَةُ الإغتِيابِ أَنْ تَستَغفِرَ لِمَنْ إِغتَبتَهُ»[2].

والشاهد الآخر ما ذكر آنفاً هو الحديث الشريف عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله حيث قال:«مَنْ كانَتْ لأخِيهِ عِندَهُ مَظلَمَةٌ فِي عِرضٍ أَو مالٍ فَليَتَحَلَّلها مِنهُ مِنْ قبلِ أَنْ يَأتِي يَومٌ لَيسَ هُناكَ دِينارٌ وَلْا دِرهَمٌ إِنَّما يُؤخَذُ مِنْ حَسَناتِهِ فَإن‌ لَم تَكُن لَهُ حَسَناتٌ اخِذَ مِنْ سَيئَاتِ صاحِبِهِ فَزِيدَتْ عَلَى سَيئَاتِهِ»[3].

وجاء في أدعية أيّام الاسبوع للإمام زين العابدين عليه السلام الواردة في ملحقات الصحيفة

[1]. بحار الانوار، ج 72، ص 242.

[2]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 2339، ح 15543 إلى 15548.

[3]. جامع السعادات، ج 2، ص 306.


صفحه 98

السجادية عبارات واضحة لهذا المفهوم في دعاء يوم الإثنين حيث يقول فيه الإمام (من خلال كونه اسوة للآخرين):«وَأَسأَلُكَ فِي مَظَالِمِ عِبادِكَ عِندِي، فَأَيُّما عَبدٍ مِنْ عَبِيدِكَ، أَو أَمَةٍ مِنْ إِمائِكَ كانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظلَمَةٌ ظَلَمتُها إِيَّاهُ فِي نَفْسِهِ أَو عِرضِهِ أَو فِي مالِهِ أَو فِي أَهلِهِ وَوَلَدِهِ، أو غَيبَةٍ اغتَبتُهُ بِها، أو تَحامُلٌ عَلَيهِ بِمَيلٍ أو هَوىً، أو أنَفَةٍ أو حَمِيَّةٍ أو رِياءٍ أَو عَصَبِيةٍ غائِباً كانَ أَو شاهداً، حَيَّاً كانَ أَو مَيتاً، فَقَصُرتْ يَدِي وَضاقَ وسِعِي عَنْ رَدِّها إِلَيهِ، وَالتَّحلُّلِ مِنهُ.

فَأَسأَلُكَ يا مَنْ يَملِكُ الحاجاتِ وَهِيَ مُستَجِيبَةٌ لِمَشِيَّتِهِ وَمُسرِعَةٌ إِلى‌ إِرادَتِهِ أَن تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وأَن تُرضِيَهُ عَنِّي بِما شِئتَ ...»[1].

وعلى أيّة حال فإنّ احتمال كون الغيبة من حق الناس قوي جدّاً، ولذلك فإنّه لو لم يكن أمامه مشكل في طلب الرضا والتحلل منه وجب عليه ذلك.

وهناك ملاحظة مهمّة وهي أنّ أحد طرق جبران الغيبة هو أن يقوم المستغيب بالحضور في مجلس يحوي الأشخاص الذين كانوا قد حضروا مجلسه السابق، فيقوم بإعادة الشريط وتبرير سلوك أخيه المؤمن بما يوافق الأخلاق الحسنة والشرع المقدّس ويحمله على الصحة بحيث تزول من الأذهان آثار الغيبة وتعود المياه إلى مجاريها.

3- مستثنيات الغيبة

يتفق علماء الأخلاق وكذلك الفقهاء على أنّ هناك موارد تجوز فيها الغيبة وقد تصبح واجبة أحياناً، وذلك بسبب طروء عوارض معينة على الغيبة ممّا يغيّر حكمها الأصلي.

وبعبارة اخرى أنّ الغيبة بعنوانهاالأولي حرام بلا شك ومن الذنوب الكبيرة وفي ذلك يتفق علماء الإسلام، ولكن هناك عناوين ثانوية تطرأ على هذا الفعل بإمكانها أن تكون حاكمة على العنوان الذاتي والأولي ممّا يفضي إلى أن تكون الغيبة جائزة بل واجبة، وذلك في الموارد التي تكون فيها المصلحة أهم ويكون حفظ هذه المصلحة غالب على المفاسد

[1]. ملحقات الصحيفة السجادية، دعاء يوم الاثنين.


صفحه 99

الكبيرة المترتبة على الغيبة. ومن جملة هذه الموارد التي تدخل في مستثنيات الغيبة ما يلي:

1- أن يكون الإنسان في حالة التظلّم وطلب حقّه من الآخر ويسعى لرفع هذه الظلامة بحيث لو أنّه لم يتعرّض لذكر الطرف الآخر بالسوء ولم يصرّح للآخرين بسلوك ذلك الظالم فإنّه لا يصل إلى حقّة.

وهذا هو ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: «لَايُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً»[1].

2- في موارد النهي عن المنكر، أيّ في حالة ما إذا لم يتحرّك الإنسان لفضح الطرف الآخر ويكشف عن أعماله السيئة، فإنّ ذلك المذنب سوف يستمر في غيّه ويقوم على ذنبه، فهنا ترجح مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مفسدة الغيبة، بل قد تكون واجبة في بعض الحالات.

3- في مورد أهل البدع وكذلك الذين يحيكون المؤامرات ضدّ المسلمين بحيث لو أنّ أعمالهم الخفيّة تجلّت وكشفت للمسلمين، فإنّ الناس سوف يتصدّون لهم ويتحركون من موقع دفعهم وابطال مؤامراتهم، فهنا تكون غيبة مثل هؤلاء الأشخاص جائزة، بل واجبة.

4- في مورد ما إذا كان المسلم يعيش الخطر على نفسه أو ماله أو عرضه من شخص آخر وهذا المسلم لم يكن على علم بالخطر المحيط به، وهنا يكون إخباره بهذا الخطر جائز، بل واجباً أحياناً.

5- في مورد المشورة، بمعنى أنّ أحد الأشخاص أراد مثلًا الزواج من مسلمة وأراد طلب يدها من والديها أو أراد شخص تشكيل شركة أو السفر إلى أحد البلدان، وطلب من شخص آخر أن يشير عليه بما يراه صلاحاً له، فهنا لا يمكن القول بأنّ الكشف عن عيوب الطرف الآخر حرام، بل إنّ أمانة المشورة تقتضي أن يقول المستشار ما يعلمه وما هو مطلّع عليه من نقاط القوّة والضعف، ولا ينبغي أن يحجم عن النصح والمشورة لأخيه المؤمن خوفاً

[1]. سورة النساء، الآية 148.


صفحه 100

من الوقوع في الغيبة، لأنّ ستر مثل هذه المعايب يعتبر خيانة للمستشير والخيانة في المشورة حرام.

6- في مورد الشهادة، وذلك عندما يطلب من الإنسان أن يدلي بشهادته في موقع التحكيم أو المحكمة، فهنا تجوز الغيبة، لأنّ مصلحة الشهادة أقوى، وكذلك في موارد إجراء الحدود الإلهية، فلو أنّ عدّة أشخاص رأوا بأنّ الشخص الفلاني يشرب الخمر أو يزني فلهم أن يأتوا إلى حاكم الشرع ويشهدوا عليه بذلك ليجري عليه الحدّ، وكذلك فيما لو شهد أشخاص على أمر معيّن وكان هؤلاء الشهود في الواقع فسّاق ولم يكن الحاكم يعلم بخبرهم وحالهم، وهنا يجوز فضح هؤلاء الشهود، وبعبارة اخرى يجوز جرح الشهود (وطبعاً فإنّ جميع هذه الموارد هي فيما لو كان عدد الشهود كافياً لإثبات الموضوع).

4- حكم المتجاهر بالفسق‌

يتفق علماء الأخلاق والفقهاء العظام عادةً على جواز غيبة المتجاهر بالفسق ويرون أنّها من مستثنيات الغيبة ويصرّحون بأنّ غيبة مثل هؤلاء الأشخاص الذين مزّقوا ستار الحياء وأجهروا بالمعاصي أمام الناس، فإنّهم لا غيبة لهم وقد تمسكوا في ذلك بروايات في هذا الباب.

ففي حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يقول:«أَربَعَةٌ ليستْ غَيبَتُهُم غَيبَة الفاسِقُ المُعلِنُ بُفسقِهِ ...»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:«ثَلاثَةٌ لَيسَ لَهُم حُرمَةٌ صحِبُ هَوىً مُبدِعٍ والإمامُ الجائِرُ والفاسِقُ المُعلنُ الفِسقَ»[2].

وفي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:«مَن أَلقى‌ جِلبَابَ الحَياءِ فَلا غَيبَةَ لَهُ»[3].

[1]. بحار الانوار، ج 72، ص 261.

[2]. المصدر السابق، ص 253.

[3]. المصدر السابق، ص 260.