بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 105

علامة من علامات هذا السوق المتحرك بالملايين من الزوار هو اكتظاظ مطارات العراق لاسيما النجف الأشرف بالعشرات من شركات الطيران العالمية التي ما كانت لتصل إلى هذا البلد في ظل أوضاعه المشاهدة لو لا هذه الأعداد المباركة من الزائرين لعتباته المقدسة لاسيما سيد الشهداء عليه السلام في يوم الأربعين.

وأخيراً نقول: أن كثيراً من دول العالم تعتمد على السياحة والسائحين كمصدر مهم من مصادر الدخل القومي والوطني حين استطاعت أن تحصل على عائدات كبيرة من هذا الجانب الحيوي كما يحصل في الولايات المتحدة وعموم الدول الأوربية والغربية لاسيما المستقطبة للسياح أكثر، وكمثال على ذلك الأثر لاسيما الاقتصادي على الناس ما ذكره المجلس العالمي للسياحة والسفر في تقاريره حيث تم إيجاد أكثر من مليون فرصة عمل بشكل مباشر وغير مباشر في جميع أنحاء العالم، إضافة إلى العملات الأجنبية لاسيما إنفاق السائح والزائر على السلع والخدمات وهذا الأمر مما يمكن البلد من استيراد السلع وأيضاً عاملٌ من عوامل إسناد العملة المحلية.


صفحه 106

الفوائد الشخصية

وأعني بالفوائد الشخصية تلك التي لها علاقة مباشرة على تغيير نفسية الإنسان الزائر وسلوكه وخصائصه التي كان عليها إلى حالة إيجابية أكثر وبالتالي ترشح مثل هذه الحالة الإيجابية الجديدة على مجمل أوضاع الزائرين في زمان مسيرهم وزيارتهم وبعد عودهم إلى أوطانهم سالمين ويمكن تلخيص أهم هذه الفوائد الشخصية بالنقاط التالية:

1ـ تعلم الزائر على الانضباط والسير بشكل منتظم مع إخوانه المؤمنين

حيث يتحول الجميع إلى خط واحد مستقيم لا يزيغ عنه أحد، ومثل هذا الأمر يعتبر مطلباً مهماً يسعى لتحقيقه الإسلام من خلال تشريعاته، فالإسلام كما يريد للفرد أن يرتقي في صلاته وصيامه وسائر عباداته يزكي نفسه من خلالها حتى يصل إلى الله ظاهراً، فأنه يريد من الفرد في نفس الوقت أن يأخذ بأسباب النجاح الأخرى كالإدارة الصالحة والمنضبطة، وبالتالي أن يكون مُنَظَماً على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي.

وفي زيارة الأربعين نتلمس كل هذه المعاني التنظيمية على حركة


صفحه 107

الزائرين، فهي - أن صح التعبير - مدرسة لتحصيل دروس في الترتيب والتنسيق والضبط والانضباط.

2ـ قدرة الزائر على التحمل والصبر

إن فيما فرض الله عز وجل على خلقه وأنزل لهم من شريعته سواء على مستوى الأحكام أو العبادات حكماً وأسراراً ومصالح ترجع بالخير على الإنسان في الدنيا والآخرة، وقد أشار الله عز وجل إلى بعضها في القرآن الكريم أو على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، كل ذلك من أجل أن يشحذ قلوبنا ومشاعرنا من أجل أن تؤمن أن هذا التشريع الخالد لم يقم إلا على ما فيه خير العباد ومصلحتهم، وها نحن نرى بأم أعيننا فوائد هذا التشريع في بعض جوانبه وأبعاده، ومن جملة هذه الأبعاد المهمة التي أخذ الناس يكتشفونها يوماً بعد يوم حتى وصلت كأنها الشمس في رابعة النهار، هي حكمة تأكيد رسول الله والأئمة الطاهرين على حركة الحسين عليه السلام وشهادته وضرورة الارتباط به لاسيما في زيارة الأربعين التي صارت من علامات الإيمان.

وبتقديري أن هذه الزيارة لم تكن علامة من علامات الإيمان إلا لأنها تحمل في داخلها ألواناً من دروس الصبر والتحمل؛ ولا ريب ولا شك أن المضمون الحقيقي للأيمان هو الصبر بل إن الصبر هو الرأس الذي يقود هذا الإيمان كما ورد في بعض الروايات عن أهل البيت عليهم السلام.

ينقل الكليني في أصول الكافي بإسناده عن العلاء بن فضيل عن أبي عبد


صفحه 108

الله عليه السلام قال: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»([132]).

ولعل سير السائرين إلى الحسين عليه السلام وتحملهم لكل هذه الكليومترات الطويلة مشياً على الأقدام مع صعوبة الظروف المناخية بل وحتى الأمنية ليعطينا قدرة عن مدى الصبر والتحمل الذي تخلقه مثل هذه الشعيرة المقدسة في نفوس العاملين والمتمسكين بها.

فهناك صبر على شهوة القلب والمعصية وهناك صبر على الغضب وهناك صبر على أقدار هذه الدنيا ومصائبها لاسيما وهم يسيرون في طريق تكثر المخاطر فيه من قبل أعداء الله والشريعة.

وكفى الصابرين فضلاً وشرفاً دون الآخرين أنهم الذين تنزل عليهم صلوات الله عند المصائب والشدائد المهتدون إلى طريق الحق والثابتون عليه: {... وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ}([133]).

3ـ تفريغ الهموم والغموم

كلنا يعيش هموماً ومشاكلَ في حياته، قد تزداد مرة وتقلُّ أخرى، وقد تبقى مع الإنسان لفترة وجيزة من الزمن ثم تزول وقد تستمر لفترات طويلة من الزمن.

[132]أصول الكافي للكليني: 88.

[133]البقرة/ 155 - 157.


صفحه 109

وقد أشار العلماء إلى أن واحدة من أنجح الطرق للتخلص من هذه الهموم والمشاكل هو تفريغ مثل هذه الشحنات السالبة التي يحملها الإنسان من خلال السفر والذهاب إلى خارج البيت والبلد، حيث إن واحداً من آثار السفر التي يتركها في الإنسان هو تفريج همه وكربه.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام في ديوانه الذي ينسب إليه:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى
تفرج همٍ واكتساب معيشة وعلم
فإن قيل: في الأسفار ذل ومحنة
فموت الفتى خير له من معاشه

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
وآداب وصحبة ماجد
وقطع الفيافي وارتكاب الشدائدِ
بدار هوان بين واشٍ وحاسد([134])

وكما ترى وتقرأ فإن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد عدَّ أول أثر من آثار السفر هو تفريج الهموم والأحزان.

ولا شك أن المشي إلى زيارة الحسين عليه السلام لاسيما في يوم الأربعين مع الملايين الذين يمشون مع الإنسان هي من مصاديق السفر في طلب العُلى عند الله عز وجل ورسوله الكريم والأئمة الطاهرين.

وما أن يشعر الزائر أنه قد أقترب من كربلاء ولاحت له أعلامها وقبابها السامية حتى تزول عنه الهموم والأكدار بإذن الله تعالى وتتفرغ عنه كل الشحنات السالبة التي كان يحملها - كما يقول العلماء - فلا يجد نفسه إلا

[134]جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي: 16 / 371.


صفحه 110

وهي نظيفة طاهرة نقية تسبح في رحمات ربها وفضله ورضوانه، وكم من الناس من ذهبوا وهم يحملون هموم الدنيا وعظائم مصائبها، فرجعوا وقد زالت كل تلك الهموم والمصائب.

وهذه ميزة الحسين عليه السلام عمن سواه حيث استجابة الدعاء تحت قبته الشريفة المباركة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله تعالى عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره ولا تُعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره»([135]).

4ـ العلاج برياضة المشي

جاء في مجلة (أسرتي) العدد الصادر في أبريل/2008 تقريراً مهماً حول المشي وأثره في علاج الكثير من الأمراض تحت هذا العنوان ( المشي.. التدريب المثالي والمتعة المجانية): «المشي هو التدريب المثالي للتحكم في الوزن، فالمشي لا يحرق 3500 سعرة حرارية في الساعة فقط، ولكنه يكبح الشهية عن طريق تنظيم مركز المخ المسؤول عن الجوع... يرفع المشي أيضاً مستوى الاندروفينات وهي المواد الكيماوية المسؤولة عن الإحساس بالسعادة في أجسامنا والتي تعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب وتساعد على التخلص من الضغوط والتوتر، والأهم من ذلك أن المشي يساعد على تخفيف ضغط الدم المرتفع وتخفيض الكوليسترول وتحسين لياقتك البدنية.

[135]الأمالي للشيخ الطوسي: 317.


صفحه 111

وطبقاً لما يقوله د. فريد ستوتمان (صاحب لقب أبو ثورة المشي) وقد تم تكريمه بلقب د. مشي) فإن المشي بانتظام يقلل من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات ويقلل الشهية ويتحكم في الوزن ويضبط العضلات ويبني العظام ويخلص الجسم من التوتر والضغوط، ويؤخر بعض أشكال السرطان والتهاب العظام....

إن المشي هو ملجأ ومفر رائع حيث يمكنك الهروب من المكالمات الهاتفية ومن العمل أو من البيت لفترة قليلة... ويمكنك المشي للتكفير في حل لمشكلة أو تمشي لتنسى مشكلة، فالمشي يعمل كمسكن ومهدئ ليساعدنا على الاستخراء...»([136]).

ومن الملفت للنظر أن أفضل أنواع المشي هو المشي الذي تكون خطواته متقاربة ومتسارعة في نفس الوقت.

وهو عين ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية عن جابر حيث قال: «شكا ناس إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التعب فدعا لهم وقال: عليكم بالنسلان([137]) فانتسلنا فوجدناه أخف علينا»([138]).

ناهيك عن آثار المشي على نفسية الإنسان وفكره وتأملاته، فها هو القرآن الكريم يدعونا إلى أن نمشي في الأرض ونتدبر ونتأمل ونتفكر وننظر

[136]تقرير تحت عنوان (المشي للفوز ثورة اللياقة البدنية) ملاك نصر / مجلة أسرتي/ العدد أبريل / 2008.

[137]النسلان: مشية الذئب إذا أسرع ، لسان العرب لابن منظور: مادة نسل.

[138]مجمع الزوائد للهيثمي: 5/ 267.


صفحه 112

يقول تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}([139]).

وقد درس العلماء حياة العبّاد والفلاسفة والرحالة والمؤرخين والناشطين السياسيين والقصيين وربطوا بين المشي في حياتهم وبين ما انتجوه للحضارة من نظريات وأفكار كبيرة ومهمة، كسقراط وبلاتو وأرسطو وجون ستيورات ميل وتولستوي وغيرهم حتى وصل الأمر إلى درجة قالت عندها السيدة سولنت: لو كان التأمل في الطبيعة ديناً لكان المشي من أهم طقوسه([140]).

والماشي إلى الحسين عليه السلام يستطيع أن يحصل على كل هذه الفوائد الشخصية المترتبة على المشي سواء أكانت على مستوى الصحة البدنية أو على مستوى الصحة النفسية والفكرية، وذلك من خلال تأملاته التي يعيشها أثناء طيّه للمسافات في الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام لاسيما سيد الشهداء عليه السلام وكذلك التأمل في وقته أين ذهب؟ وكيف استثمر؟ وماذا قدم لآخرته؟ وما إلى ذاك من الأفكار والتأملات التي ستنتهي به آخر المطاف إلى الوصول إلى درجات متقدمة من الصحة البدنية والنفسية ولكن بشرطها وشروطها.

[139]العنكبوت/ 20.

[140]خلاصة لمقال للدكتور صالح بن سعد الأنصاري حول المشي والتأمل على موقع مركز تعزيز الصحّة في الرياض.