2ـ التسليم والطاعة لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام
وهذا موقف ديني وعقائدي آخر يمكن لنا أن نتلمسه في حركة الزائرين نحو الحسين عليه السلام حيث يقروّن لهم بالطاعة والتسليم كما سلّم لهم وأطاعهم المؤمنون عبر التاريخ مستجيبين بذلك إلى نداء الله عز وجل حيث يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}([146]).
وهذا التسليم هو تسليم حقيقي نابع من القلب وهذا ما يمكن أن يفهم من قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارته: «وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع ونصرتي لكم معدة حتى يأذن الله..»([147]).
بل إنّ الأمر لا يتوقف عند ذلك التسليم فقط بل يتعداه إلى ما هو أعظم «إنّي بكم مؤمن وبإيّابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي»([148])، بل إن الأمر ليرتقي أعظم من ذلك حينما يقرأ الإنسان زيارة الأربعين حيث يقول: «اشهد أنّي بكم مؤمن وبإيّابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع ونصرتي لكم مُعدة حتى يأذن الله...»([149]).
يا لها من كلمات عظيمة ويا لها من أنشودة جليلة يحتاجها الأحرار
[146]النساء: 59.
[147]مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي/ زيارة وارث.
[148]نفس المصدر.
[149]نفس المصدر.
في كل زمان ومكان، حيث يتجسد التسليم فيها (إنّي سلم لمن سالكم) والموقف العملي (وأمري لأمركم متبع) وتختم بالانتظار وبتهيئة الوسائل النفسية والإيمانية بل وحتى المادية للنصرة (ونصرتي لكم معدة)، والسائرون إلى الحسين عليه السلام لاشك أنّهم يعيشون كل هذه المفاهيم العقائدية والدينية المهمة التي نحتاجها في حياتنا لاسيما في هذا الوقت العصيب الذي تدور فيه علينا دوائر الشر والعدوان المتعددة خارجياً وداخلياً.
3ـ الشهادة للحسين بالعصمة
كل هذه الملايين الزاحفة نحو الحسين عليه السلام لاشك أنها ستنتهي وتقف أمام قبره الشريف وتقرأ في زيارتها: «أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها وأشهد أنك من دعائم الدين وأركان المؤمنين وأشهد أنك الإمام البر التقي الرضي الزكي الهادي المهدي...»([150]).
ومثل هذه الشهادة هي تأكيد لمبدأ العصمة التي تحدث عنها القرآن حول أهل البيت عليهم السلام في آية التطهير حيث يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت عليهم السلام وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([151]).
وهذا الأمر هو دين وعقيدة ندين الله عز وجل بها.
[150]نفس المصدر.
[151]الأحزاب/ 33.
يقول الشيخ جعفر السبحاني:
«إن الإجابة عن الأسئلة الشرعية على وجه الحق وتفسير القرآن على الصحيح وتفنيد الشبهات على وجه يطابق الواقع وصيانة الدين عن أي تحريف لا يحصل إلا بمن يعتصم بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين للحق والباطل، نعم إن الإنسان الجليل ربما يملي هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جداً، ولأجل ذلك نرى أن الأمة افترقت في الأصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها، فلأجل هذه الأمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف بالشريعة، أصولها وفروعها، عالم بالقرآن، واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه، هذا يقتضي كون الإمام منصوباً من جانبه سبحانه معصوماً بعصمته...»([152]).
والقول بعصمة الحسين عليه السلام يعني القول بشرعية حركته وقيامه الشريف وردٌّ لكل الأقلام المشبوهة التي أرادت أن تسيء إلى الحسين عليه السلام ونهضته، القول بعصمة الحسين عليه السلام هو إيمان بقول برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الحسن والحسين عليهما السلام إمامان قاما أو قعدا»([153]).
[152]معالم النبوة في القرآن للشيخ جعفر السبحاني نقلاً عن كتاب عقائد السنّة وعقائد الشيعة/ علي الورداني/ 113.
[153]علل الشرائع للشيخ الصدوق: 1/ 211.
4ـ تأكيد الهوية الإسلامية الشيعية
عندما يحضر الموالون لأهل البيت عليهم السلام من داخل البلد ومن خارجه في زيارة الأربعين وبسيلٍ من الأعداد تقدر بالملايين، فإن كل واحد منهم سيشعر بهويته الإسلامية والموالية لأهل البيت عليهم السلام أكثر، بل وسيفتخر بهذا الشعور والانتماء ويحاول تأكيده في نفسه ونفوس من معه.
ولاشك ولا ريب أن تأكيد الهوية الإسلامية الحقة على وفق عقيدة أهل البيت عليهم السلام يعتبر أمراً مهماً وضرورياً في أعلى درجات الأهمية والضرورة، لاسيما بعد أن شُوهت صورة الإسلام المحمدي الجميل بأعمال القتل والإرهاب والتفجير والإتجار باسم الدين ونصرة سيدة المرسلين، حتى وصل الأمر بنا إلى درجة صار العالم ينظر من خلالها إلى إسلامنا على أنه دين إرهابي، داعٍ للقتل وتقطيع الأوصال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من إزاحة هذه الصورة المقيتة واستبدالها بصورة الإسلام الرحيم العطوف البر الوصول، صورة رسمها لنا القرآن واختصرها بطريقته الخاصة حينما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}([154])، وهنا يأتي عمل وجهد الموالين لأهل البيت عليهم السلام والسائرين على دربهم ليؤكدوا للعالم أن الإسلام الأصيل عندنا، لأننا ننتمي إلى أئمة طاهرين ما حدثنا التاريخ أعدل ولا أنزه ولا أكرم ولا أعدل ولا أرحم ولا أرأف ولا... ولا... منهم، الإسلام بمبادئه السامية وأخلاقه العالية ومفاهيمه الرائعة عندنا لأننا ننتمي إلى الحسين عليه السلام
[154]الأنبياء/ 107.
الذي وقف مناصراً للمظلوم ومدافعاً عن حقوق الإنسان.
ونحن ننتمي إلى الحسين عليه السلام الذي قال: «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلة وهيهات منا الذلة»([155]).
ولا يختلف اثنان سويان في انتمائهما إلى الإسلام، أن كل هذه المعاني المتقدمة وغيرها كثير تتجلى وتتبين وبأعلى صورها في زيارة الأربعين وفي مسيرة الملايين من المؤمنين في طريق الحسين عليه السلام.
[155]معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري: 3/ 100.
الفوائد السياسية
وتتجلى مثل هذه الفوائد المهمة بالنقاط التالية:
1ـ زيارة الأربعين والمبايعة للحسين عليه السلام
إن زيارة الأربعين المليونية السنوية للحسين عليه السلام تمثل في بعض أبعادها المهمة مبايعة للحسين عليه السلام ولحركته في موقفه الرافض ليزيد القرود والفسق والفجور لتوليه أمر هذه الأمة رغماً عنها.
ولقد كان الحسين عليه السلام حازماً وحاسماً في موقفه الرافض وذلك لعلم الإمام بالذي يمكن أن يسببه تولي هذا اللعين على صدر الأمة الإسلامية من مفاسد عظيمة على المستوى العقيدي وعلى المستوى الخلقي وكانت كلمات الحسين عليه السلام في هذا الاتجاه صريحة وواضحة لا تقبل التأويل لاسيما تلك التي قالها أمام والي يزيد على المدينة:
«إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل للنفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي
لا يبايع مثله»([156]).
وعلى أساس ذلك فإن زيارة الأربعين وكل هذه الملايين السائرة مشياً على الأقدام جاءت لتبارك للحسين جهده، ولتبايعه على موقفه الصالح هذا، إن هذه المسيرة تمثل جواباً على الموقف الشرعي الذي يجب أن تقوم به الأمة أيام الحاكم الجائر والظالم كما رفضه الحسين عليه السلام، إنها جواب لكل الأسئلة التي يمكن أن تطرح وطرحت عبر التاريخ حول الحاكم والمحكومين، فمن هو الحاكم الشرعي اللائق؟ وما هي صفات هذا الحاكم؟ وما هي واجبات الحاكم إزاء رعيته؟ وما هي حقوق وواجبات الناس في داخل المجتمع الإسلامي؟ كيف يمكن للناس أن يتعاملوا مع الحاكم الجائر؟ ولمن تجب البيعة؟ ولمن يجب الرفض؟ إلى ما ذاك من الأسئلة الكثيرة التي يطلقها وأطلقها الناس قديماً وحديثاً.
إن هذه الأقدام السائرة إلى الحسين عليه السلام يريد أصحابها أن يعلنوا رفضهم ليزيد الفسق والفجور وكل منتهج لهذا المنهج في واقعنا الحاضر والمتمثل في حكام الجور والظلم وكل فاسد أيّاً كان شكله ودينه ومذهبه، وفي نفس الوقت يريد أصحاب هذه الأقدام أن يعلنوا بيعتهم للحسين عليه السلام وكل منتهج لمنهج الحسين عليه السلام في الطهر والنزاهة والعدل ومبادئ الخير والفضيلة أيّاً كان شكله ودينه ومذهبه.
ومن هنا نفهم لماذا كانت هذه الزيارة عبر التاريخ ولا تزال تقضُّ
[156]مقتل الحسين للخوارزمي: 187.
مضجع كل الطغاة والظالمين والفاسدين، حيث كانوا يبذلون الغالي والنفيس من أجل القضاء عليها أو تحجيمها، ولكن شاءت أرادة الله تعالى وما شاء كان، أن لا يزداد الحسين عليه السلام والمتمسكون به حباً وولاءً وسعياً ومشياً إلى زيارته إلا علواً وخلوداً، أنهم يتصورون بهذه الأفعال يمكن أن يطفئوا نور الله تعالى إلذي ملأ كل شيء والحسين عليه السلام هو نور الله في ظلمات الأرض، يقول تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}([157]).
وعلى أساس كل ما مرّ فإن هذه الملايين تبعث برسالة مهمة ترفعها حناجرهم المؤمنة بالحسين عليه السلام إلى كل حاكم جائر وظالم في داخل العراق وخارجه أن يتعض بمن مضى من الطغاة وكيف مضى وأن لا يكونوا في ركب الفاسدين والظالمين فإن نهج الحسين عليه السلام ومبادئه وقيمه السامية ستأتي عليهم إن عاجلاً أو آجلاً بأن الله تعالى، {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}([158]).
2ـ مهرجان سنوي ترعاه السماء
إن في اجتماع الموالين من كل بقاع الدنيا في كربلاء وبهذه الأعداد المهولة وغير المسبوقة حتى إذا أرادت أي دولة في العالم أن تعبئ ناسها أمام حرب أو قضية أخرى لا تقل عن أهمية الحرب لما استطاعت أن تجمع إلا
[157]الصف/ 33.
[158]التوبة/ 105.