وعلى أساس ما تقدم وحتى يكون البحث موضوعياً وعلمياً لابد لنا أن نفرق بين الأمرين معا.
بين أن نبحث يوم الأربعين كحدث تاريخي جرى وحصل فيه رجوع أهل البيت عليهم السلام من الشام إلى كربلاء وملاقاة جابر بن عبد الله الأنصاري.
وبين أن نبحث في يوم الأربعين عن استحباب زيارة الإمام الحسين عليه السلام فيه- بغض النظر عن ثبوت أو عدم ثبوت مجي أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء - ومن ثم شرعية ورجحان المشي إليه في هذه الزيارة.
ولا شك أن منهجنا في الأمر الأول سوف يختلف تماماً وبشكل كامل عن المنهج في الأمر الثاني.
حيث لا يمكن للمنهج الفقهي أن يتحرك في إطار الأحداث التاريخية إثباتاً ونفياً، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يتحرك المنهج التاريخي في إطار الحكم الشرعي، وبالتالي نسبة هذه الأحكام المنتجة إلى الله سبحانه وتعالى.
النقطة الثانية: ورود العدد (أربعين) في النصوص الإسلامية عامة والحسينية خاصة
لاشك ولا ريب أن هناك مجموعة من الأعداد ورد ذكرها في النصوص الإسلامية أكثر من مرة، كالعدد (100) و(70) و(40) و(33) و(34) ومما لا ريب ولاشك فيه أنّه لم يقل أحد من المسلمين أياً كان مذهبه ومشربه إنّ هذه الأعداد وردت على وجه الصدفة واللاقصد، وبالتالي لابد أن تكون هذه
الأعداد تحمل في نفسها أسراراً وخفايا وحكماً قد يتبين لنا منها شيء وتخفى علينا منها أشياء.
ومن هذه الأعداد التي تم التأكيد عليها في النصوص الإسلامية قرآناً وسنةً هو العدد (40) حيث تحدث عنه القرآن الكريم في أربعة مواضع وهي:
1. في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}([4]).
2. في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}([5]).
3. في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ}([6]).
4. في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}([7]).
وأما الروايات فقد حفلت كتب السنّة والشيعة بعشرات الروايات وهي تتحدث عن هذا العدد في مختلف المجالات العباديّة وغيرها، وسأكتفي بذكر بعض هذه الروايات مثالاً لا حصراً منها:
1ـ ما ورد في حفظ أربعين حديثاً
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً»([8]).
[4]البقرة/ 52.
[5]الأعراف/142.
[6]الأحقاف/ 15.
[7]المائدة/ 26.
[8]الكافي للكليني: 1 / 49، كنز العمال: 10/ 158.
2ـ ما ورد في توبة العبد عند الأربعين
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان بيده ووجهه وقال: بأبي وجه لا يفلح»([9]).
3ـ ما ورد في استجابة الدعاء إذا كان الداعي أربعين رجلاً
قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «ما من رهط أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا الله عز وجل في أمرٍ إلا استجاب لهم، فإن لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عز وجل عشر مرات إلا استجاب الله لهم، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعوا الله أربعين مرة فيستجيب الله العزيز الجبار له»([10]).
4ـ ما ورد في حضور أربعين مؤمناً على الجنازة
قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «إذا مات المؤمن، فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين وقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا قال الله تبارك وتعالى: قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون»([11]).
وما إلى ذاك من الروايات الكثيرة التي رواها المسلمون في مصنفاتهم.
وأما فيما يتعلق بالحسين عليه السلام، فقد وردت كلمة «الأربعين» في الروايات الكثيرة عن أهل البيت عليهم السلام حيث ربطت بين العدد أربعين
[9]طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: 1/ 331.
[10]وسائل الشيعة العاملي: 7/ 103 - 104.
[11]من لا يحضره الفقيه للكليني: 1/ 165.
وبين مصائب الحسين عليه السلام وأحزانه، وسأذكر طرفاً من هذه الروايات للمثال لا للحصر، فمنها:
1ـ ما ورد في نضوب الماء عند قبر الحسين عليه السلام بعد أربعين يوماً
روى ابن كثير في البداية والنهاية: «أن الماء لمّا أجري على قبر الحسين عليه السلام ليُمحى أثره نضب([12]) الماء بعد أربعين يوماً، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضةً قبضةً ويشمها حتى وقع على قبر الحسين عليه السلام فبكى وقال: بأبي أنت وأمي ما أطيبك وأطيب تربتك ثم أنشد يقول:
أرادوا ليخفوا قبره محبيه قبره عن محبيه
وطيب تراب القبر دلَّ على القبر([13])
2ـ ما ورد في بكاء السماء والأرض وغيرها أربعين صباحاً على الحسين عليه السلام
عن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «يا زرارة إن السماء بكت على الحسين عليه السلام أربعين صباحاً بالدم، وأن الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وأن الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، وأن الجبال تقطعت وانتشرت، وأن الجبال تفجرت، وأن الملائكة بكت أربعين صباحاً
[12]نضب الماء ينضب، بالضم، نضوباً ونضب إذا ذهب في الأرض وفي المحكم: غار وبعد. لسان العرب: 14/ مادة نضب.
[13]البداية والنهاية لابن كثير: 8/ 205.
على الحسين عليه السلام، وما اختضبت منا امرأة ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة بعده، ومازلنا في عبرة بعده، وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملأ دموعه لحيته وحتى يبكي لبكائه رحمة له مَنْ رآه، وأن الملائكة عند قبره ليبكوه فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة...»([14]).
3ـ ما ورد أن من علامات المؤمن زيارة الأربعين
قال الإمام الحسن العسكري: «علامات المؤمن خمس: صلاة أحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»([15]).
4ـ المدة الفاصلة بين أول أيام الحج الذي تركه الحسين عليه السلام وتوجه إلى كربلاء وبين اليوم العاشر من محرم وهو يوم شهادته عليه السلام، أربعون يوماً
5ـ المدة الفاصلة بين يوم شهادة الحسين عليه السلام في العاشر من محرم وبين يوم عودة السبايا من الشام إلى كربلاء على المشهور هو أربعون يوماً
وهناك أكثر من هذه النقاط الخمس أعرضنا عنها اختصاراً.
[14]كامل الزيارات لابن قولويه: 81/ باب 26/ ح6.
[15]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 98/ 329.
ومن هنا يتبين لنا أن علاقة الحسين عليه السلام بالعدد «أربعين» لم تكن علاقة قائمة على الصدفة، وإنما كانت تحمل في نفسها الكثير من الأسرار والحكم، وتحتاج بعد ذلك منا إلى مزيد من البحث والدرس لاستكشاف هذه الأسرار والحِكَم.
وعلى أساس ذلك سوف نحاول جاهدين - بأذن الله تعالى - أن نسلط الأضواء على هذا الأمر من خلال الحديث عن سند هذه الزيارة الأربعينية المليونية وما تضمنته من مفاهيم إسلامية راقية نحن بأمس الحاجة إليها في هذا الوقت العصيب.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

الفصل الأول
البحث الأول: الحديث عن فضل زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين.
البحث الثاني: الحديث عن رجوع أهل البيت عليهم السلام من الشام إلى كربلاء في يوم الأربعين وأدلته.