مضجع كل الطغاة والظالمين والفاسدين، حيث كانوا يبذلون الغالي والنفيس من أجل القضاء عليها أو تحجيمها، ولكن شاءت أرادة الله تعالى وما شاء كان، أن لا يزداد الحسين عليه السلام والمتمسكون به حباً وولاءً وسعياً ومشياً إلى زيارته إلا علواً وخلوداً، أنهم يتصورون بهذه الأفعال يمكن أن يطفئوا نور الله تعالى إلذي ملأ كل شيء والحسين عليه السلام هو نور الله في ظلمات الأرض، يقول تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}([157]).
وعلى أساس كل ما مرّ فإن هذه الملايين تبعث برسالة مهمة ترفعها حناجرهم المؤمنة بالحسين عليه السلام إلى كل حاكم جائر وظالم في داخل العراق وخارجه أن يتعض بمن مضى من الطغاة وكيف مضى وأن لا يكونوا في ركب الفاسدين والظالمين فإن نهج الحسين عليه السلام ومبادئه وقيمه السامية ستأتي عليهم إن عاجلاً أو آجلاً بأن الله تعالى، {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}([158]).
2ـ مهرجان سنوي ترعاه السماء
إن في اجتماع الموالين من كل بقاع الدنيا في كربلاء وبهذه الأعداد المهولة وغير المسبوقة حتى إذا أرادت أي دولة في العالم أن تعبئ ناسها أمام حرب أو قضية أخرى لا تقل عن أهمية الحرب لما استطاعت أن تجمع إلا
[157]الصف/ 33.
[158]التوبة/ 105.
أعداداً قليلة مع الترغيب والترهيب وكل الوسائل الأخرى، بينما تجد هذه الملايين بصغارها وكبارها ونسائها ورجالها تزحف نحو كربلاء طواعية وبالاختيار بل وأكثر من ذلك تبذل ما لها وجهدها من دون أن ترجوا شيئاً سوى رضا الله سبحانه وشفاعة الحسين عليه السلام ومثل هذه الصورة الرائعة جعلت العالم ينظر إليها باحترام وتقدير شديدين حتى أن أحد المراجع العظام حفظه الله تعالى سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر الخاقاني قال لي: إن أحد الشخصيات الإعلامية الأوربية جاء إليه وطلب منه لقاءً حول قضية الأربعين والزحف المليوني نحو مدينة كربلاء وفعلاً تمت المقابلة ووجهت مجموعة من الأسئلة حول أسباب هذا الخروج؟ وخلفياته ونتائجه وتأثير المرجعيات الشيعية عليه، علماً أن هذه المقابلة هي واحدة من جملة لقاءات مقدر أن تعقد مع مراجع الشيعة في العراق حول نفس هذا الموضوع ضمن دراسة مُعدّة لهذا الشأن.
وذكرت بعض المصادر أن مسؤول القوات المسلحة في الشرق الأوسط للإدارة الأمريكية كان يراقب هذه الظاهرة الحسينية عبر الأقمار الصناعية لمدة أسبوعين أو أكثر وبشكل مباشر وبعدها قال: أنا أعترف أنتم الشيعة أكثر تحضراً بالمقايسة مع الأحداث التي تقع في نيويورك أو باريس.
كما نقلت جريدة القبس الكويتية في عددها الصادر يوم 15/12/2013 تحت عنوان (وفد الفاتيكان يشارك في مسيرة ذكرى أربعين الحسين عليه السلام) جاء فيه: «شارك عدد من أعضاء وفد الفاتيكان الذي
يزور العراق في مسيرة على الأقدام أمس تتوجه من الناصرية إلى كربلاء إحياءً لذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام وسار الوفد يرأسه المونسنيور ليربيريو اندرياتا رئيس مؤسسة الحج التابعة للفاتيكان لنحو كيلومتر برفقة رجال دين مسيحيين عراقيين إلى جانب الزوار الشيعة في الناصرية حيث يقيمون»([159]).
وتنقل مجلة النبأ في عددها في عاشوراء 1432هـ ما نصه: «فقد انظم مايكل سايمونز وهومدير سيحات كندي إلى الملايين من الزوار الشيعة الذين تدفقوا إلى مدينة كربلاء العراقية في ذكرى أربعينية الحسين عليه السلام وكان سايمونز ضمن مجموعة من المواطنين الكنديين والأمريكيين بعضهم من أصول عراقية... وقال وهو يضع نظارته الشمسية ويرتدي ملابس سوداء مثل بقية الجموع ما نفعله هو المشاركة فيما نسميه مسيرة الأربعين من أجل الحياة»([160]).
وتضيف المجلة قائلة: «فيما قام مجموعة من الصينيين العاملين في إحدى شركات التسوق في مدينة الناصرية 300 كم جنوب كربلاء المقدسة بتقديم الخدمات للزائرين الكرام الى مرقد سيد الشهداء... وصرّح السيد ليون أحد العاملين في شركة التسوق الصينية (NEN) قررنا المشاركة مع أهالي الناصرية لخدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام وتقديم الطعام والشراب لهم من خلال نصب موكب خاص بنا كصينيين»([161]).
[159]جريدة القبس الكويتية/ العدد ليوم 15 / 12 / 2013.
[160]مجلة النبأ/ عدد عاشوراء 1432 هـ في 24/ كانون الثاني/ 2011م
[161]نفس المصدر.
كما تحدثت أنا شخصياً مع الأستاذ أنطوان بارا وهو راجع لتوه من زيارة الأربعين في 2012م حيث التقيته في الكويت، يذكر أن أنطوان بارا هو الكاتب والصحفي اللبناني المسيحي والمعبر عن نفسه أكثر من مرة أنا حسيني شيعي مسيحي عربي، وهو القائل في كتابه الحسين عليه السلام في الفكر المسيحي: لو كان الحسين عليه السلام منا لنشرنا له في كل أرض راية ولأقمنا له في كل أرض مبشراً ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين عليه السلام([162]).
ولو أردنا أن نتحدث عن مفردات المشاركات الدولية والعالمية في زيارة الأربعين لطال بنا المقام، وإذا كان الأمر كذلك - كما تقدم - فإن قضية الحسين عليه السلام وزيارة الأربعين تمثل مهرجاناً دولياً سنوياً ولكن بإدارة ورعاية ربانية، حوّلت كل العناء إلى راحة وهناء، وجعلت الناس لا يشعرون بالملل والكلل وصدق الله تعالى حيث يقول: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}([163]).
3ـ المطالبة بحقوق الطائفة الشيعية في العالم
إن حضور الموالين الشيعة إلى كربلاء من كل حدب وصوب والوقوف على صعيدها في يوم الأربعين، ليشكل بحقٍ مؤتمراً لإتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتدارسون فيه شؤونهم المختلفة سواء في داخل العراق أو
[162]نقلاً عن موقع قناة العالم في 6/ 12 / 2011 في تصريح لأنطوان بارا لقناة العالم الإخبارية.
[163]إبراهيم/ 37.
خارجه، وبالتالي يمكن أن يشكل ورقة ضغط على تلك الدول التي يعيش عليها الموالون والتي يتعرضون فيها إلى هدر وضياع حقوقهم، إن اجتماعنا المليوني في زيارة الأربعين يريد أن يوجه رسالة مفادها أننا طائفة كبيرة من المسلمين لا يمكن أن يستهان بفكرها ولا رموزها ولا مراجعها بل وحتى بأدنى فردٍ فيها، إننا نريد أن نعلن للعالم الإسلامي وغير الإسلامي أننا نمتلك خزيناً هائلاً من التاريخ والحضارة ناهيك عن الفقه والأصول والتفسير وعلم الكلام واللغة العربية وآدابها وغير ذلك من العلوم.
وعلى الآخر أن يفهم هذه الحقيقة ويتعامل معها بحكمة ووعي شديدين فقد ذهب ذاك الزمن الذي تختنق فيه الحريات وتصادر فيه الأفكار والمعتقدات وتغلق أبواب المذاهب على أربعة فقط، فإن العالم قد انفتح بفضل التطور العلمي ووسائل الإتصال الاجتماعي على كثير من المعارف التي حرم فيها طلية عقود من الزمن وبالتالي نحن أمام طريق واحد لا ثاني له ألا وهو الاعتراف بالوجود الآخر الإسلامي الذي تعيش معه ويعيش معك وفق نظرية (كلُّ المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه)، وبالتالي يكون لكل منا ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وتبقى لكل فئة أفكارها وعقيدتها الخاصة بها وطقوسها وشعائرها التي تتحرك على أساسها.
وأخيراً أنقل لكم جانباً من كلمة مهمة أدلى بها السيد موسى الصدر أمام الطائفة الشيعية في يوم أربعين الحسين عليه السلام تحدث فيها عن ضرورة استثمار مثل هذا اليوم للمطالبة بالحقوق المشروعة للشيعة حيث
قال: «وأطلب منكم يا مئة ألف.. أيها الحضور أيها المواطنون الشرفاء... أن تحلفوا بالله العظيم جميعاً، أنكم ستتابعون هذه المسيرة بلا مساومة، كما أنّي أحلف بالله العظيم أن لا أساوم من أجل الرئاسة ولا من أجل ألف رئاسة وأقصد رئاسة المجلس الشيعي، هذه أشياء كلها تحت أقدامكم وأنتم تحلفون أن لا تخضعوا للتشكيك ولا للتضليل لأن التضليل سيتعاظم، حافظوا على وعيكم، واستمروا في مسيرتكم واستمروا في هذا الخط وسأتلوا معكم صيغة اليمين حتى نحلف جميعاً على هذه الصيغة لتكون ميثاق شرف بيننا وبين الوطن ومع الأجيال التالية».
ورفعت الجموع كلها أيديها وطلب من الجميع أن يتوجهوا إلى القبلة ففعلوا ثم قالوا: «نحلف بالله العظيم وبالنبي الكريم وبشرف الإنسانية، نحلف بالله العظيم أن نستمر في طريق مطالب حقوق الطائفة الشيعية، نطالب ونصر ونستمر ونشدد دون خوف أو وجل ولا تراجع ولا مساومة وسنقف مع كل مظلوم ومع كل ضعيف ولا نرجع عن ذلك ولا نضعف ولا نتوانى ونكون في خطى نبينا الذي يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه»([164]).
[164]بعض المقتطفات من كلمة السيد موسى الصدر في مدينة بعلبك بتاريخ 17/ 3/ 1974 في لبنان والتي صادفت في يوم الأربعين من صفر/ مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.

الفصل الرابع
شبهات وردود
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة