بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 138

2ـ السيد النوري لم ينقل عنه أنه أول من سنّ سنّة المشي إلى الحسين عليه السلام بل المنقول أنه بعد أن رأى في زمانه إعراض الناس عن المشي لزيارة الأربعين لاسيما في ظل ظروف المطاردة والخوف من السلطات حتى وصل الحال إلى درجة أن الذي يمشي إلى الحسين عليه السلام يُعاب عليه حاول إرجاع الأمر إلى ما كان عليه أيام الشيخ الأنصاري رحمه الله تعالى والأعلام من قبله كما تقدم تفصيل ذلك في الحديث عن سيرة المتشرعة والفقهاء من زيارة الحسين عليه السلام والمشي إليه في يوم الأربعين فراجع.


صفحه 139

ثالثاً: إنّه إلقاء للنفس في التهلكة

يقول البعض: إنّ الخروج إلى زيارة الحسين عليه السلام هو إلقاء للنفس في التهلكة لاسيما مع وصول أعداد الضحايا من زوار الإمام الحسين عليه السلام في الأربعين حسب قول هذا البعض إلى الألوف المؤلفة، وذهب آخرون في نفس هذا السياق إلى ضرورة تأجيل زيارة الأربعين في العراق حتى انتهاء أعمال العنف والقتل واستتباب الأمن، جاء ذلك في مقال للكاتب رشيد خيون في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان:

(حماية للدماء... لو أجلت زيارة الأربعين):

والجواب على هؤلاء يتم من خلال النقاط التالية:

1ـ إنّ زوار الحسين عليه السلام ومحبيه والمتعلقين به بل وحتى المسمي نفسه حسين مستهدفون من قبل التكفيريين سواءً خرج لزيارة الحسين عليه السلام أم لم يخرج، بل حتى لو بقوا في بيوتهم فهم غير آمنين، وهذا أمر مشاهد ومحسوس ويراه الجميع سواء في العراق حيث التفجيرات التي تطال كل الأماكن من دون استثناء من بيوت ومدارس ومستشفيات وشوارع ومتنزهات


صفحه 140

وغيرها، أو حتى في خارج العراق كما يجري في باكستان وأفغانستان وغيرها من الدول الإسلامية التي يعيش فيها شيعة أهل البيت عليهم السلام.

2ـ لقد جهد الطغاة والظالمون عبر التاريخ لإطفاء نور هذه الشعيرة المباركة بكل ما أوتوا من قوة ولم يألوا جهداً في هذا الطريق إلا استعملوه مع زوار الحسين عليه السلام لمنعهم من زيارته فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، وما كل ذلك - حسب عقيدتي - إلا لأنهم عرفوا أن هذه الزيارة المليونية وأمثالها مصنع لصناعة الإنسان المؤمن والموالي صاحب المبادئ والقيم الإنسانية والمدافع عنها حقاً، لقد علم الطغاة ومن يدور في فلكهم أن هذه الزيارة هي شاحذة للهمم ناهضة للأمم وواقفة أمام كل فساد وظلم وقهر وسلب للحقوق والحريات، وكم من الشهداء ذهبوا في هذا الطريق قديماً وحديثاً، وكم من المؤمنين أودعوا في السجون حتى ضجت من أعدادهم حيطانها لأنهم ذهبوا إلى زيارة الأربعين، ولكن هيهات لهم أن يخفتوا نور الحسين عليه السلام الرباني بهذه الأعمال وغيرها والله عز وجل يقول: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}([171]).

3ـ كيف للإنسان أن يتنازل عن زيارة الأربعين لخوف أو غيره وقد جاءت روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام في الحثّ على زيارة الحسين عليه السلام لاسيما في يوم الأربعين مهما كانت الظروف والأحوال وأن لا يدع الإنسان هذه الزيارة حتى مع الخوف من السلطان.

[171]الصف/ 8.


صفحه 141

فقد نقل العلاّمة المجلسي في البحار عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر: ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ - يقصد زائر الحسين عليه السلام - قال: «يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتتلقاه الملائكة بالبشارة ويقال له: لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك»([172])، وغير هذا الحديث من الأخبار كثير وقد أشرنا إلى بعضها في فصل سابق من هذه الدراسة.

4ـ ولو سلّمنا - جدلاً - أنّه إلقاء للنفس بالتهلكة فإن هذا الأمر يتم تشخيصه وبيانه من خلال أهل الاختصاص حيث يدرسون الحدث من كل جوانبه وبالتالي إذا كانت الفوائد المترتبة على إقامة هذه الشعيرة على أضرارها هي الأكثر فلا ريب سوف يشخصون أن المصلحة في بقائها وإذا كان العكس فلربما يشخصون المصلحة في إيقافها، ولم يصدر من واحد من علمائنا عبر التاريخ والى يومك أنّه دعى إلى إلغاء زيارة الأربعين لأي سبب كان حتى ولو كان الخوف على النفس والمال وغيره.

وعليه فإذا كان أهل الاختصاص لم يشخصوا ذلك طيلة هذه الفترة فلا يحق لغيرهم أن يتفوه بكلمة حول هذا الموضوع حتى تحفظ للناس اختصاصاتهم.

[172]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 98/ 10.


صفحه 142

رابعاً: طريقة المشي لزوار الحسين عليه السلام

يعترض بعضهم على طريقة المشي لزوار الحسين عليه السلام وحركاتهم كوضع اليد على الرأس حزناً، أو حتى ضرب اليد على الصدر تألماً وأساً على الحسين عليه السلام ويصف مثل هذه الأعمال بأنها منافية للإسلام الحنيف.

والجواب على هذا المعترض من خلال نقطتين أساسيتين وهما:

1ـ إنّ مثل هذه الأعمال لا يفقهها إلا المكتوون بعشق وحب أهل بيت نبيهم والموفقون في أداء مراسيم أحزانهم لاسيما سيد الشهداء ريحانة المصطفى.

2ـ نقول لهذا المعترض: أجلب أي مسيحي أو يهودي أو غيرهم إلى الحج واجعله ينظر ما يصنع حجاج بيت الله الحرام من أعمال ابتداءً من يوم عرفة من زوال ذلك اليوم وحتى آخر المراسيم لحج بيت الله الحرام فإنه سيشاهد أعمالاً لا يمكن تفسيرها ظاهراً إلا بالجنون والخبل، فلماذا يا ترى يجمع أناس - بعضهم يحملون شهادات عالية -حصى من الأرض في ليل


صفحه 143

بهيم على جبل يسمى مزدلفة؟ ثم لماذا يتقاتل الناس بعد ذلك من أجل رمي هذه الحصاة على اسطوانة صغيرة؟ ولماذا يطوفون حول الحجارة؟ ولماذا يركضون ويهرولون بين نقطتين دون بقية النقاط الأخرى؟ بل لماذا الهرولة أصلاً ولماذا لا يمشي هؤلاء مشياً عادياً؟ وهناك ما شاء الله من الأسئلة التي سوف يسألها هؤلاء وهم ينظرون إلى أعمال الحجاج في موسم الحج الأكبر.

ولكن كل هذه الأسئلة إنما تأتي لأنّهم لم يعرفوا أو يتعرفوا على أسرار هذه المناسك وماهية هذه العبادات وما تمثله هذه الحصى وما تعنيه تلك الأسطوانة والى ماذا ترمز هذه الأحجار التي يطاف عليها وما إلى ذاك من فوائد الحج العظيمة.

وبعقيدتي لو يعلم هؤلاء فلسفة الحج لما سألوا ومثل هذا المعترض لو يعلم فلسفة هذه اليد التي توضع على الرأس حزناً وتوجعاً لما نزل بسيد شباب اهل الجنّة لما اعترض، ولو عَلِمَ أن هذه الصدور التي يلطم عليها تألماً وتأسفاً إنما هي مواساتهم لذلك الصدر بل وتلك الصدور الطواهر التي داستها الخيل على رمضاء كربلاء وقد كانت قبل فترة من الزمن موطن ومكان تقبيل شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اعترض، ولو علم أن هذا المشي وهذه الأقدام التي يخطوها هؤلاء المحبون والعاشقون للحسين عليه السلام إنما هي صورة من صور المواساة القليلة في حق أهل البيت عليهم السلام الذين مشوا كل هذه المسافات الطويلة في الأسر مع النساء والأطفال والأيتام وهم عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وسلالة المختار لما اعترض.


صفحه 144

خامساً: المغالاة في ثواب وأجر زائري الأربعين

يقول البعض: لم تقولون لكل خطوة يخطوها الزائر حجة أو عمرة أو ما شاكل ذلك من الثواب العظيم والأجر الكبير فإنّ مثل هذه الروايات يمكن وصفها بالروايات المغالية والتي وضعت على أيدي جماعة ماهرين من أجل جذب الناس أكثر إلى هذه الزيارة وغيرها.

والجواب على ذلك يتم من خلال مجموعة من النقاط:

1ـ لا يوجد دليل على كذب هذه الروايات وإذا كان هناك نقاش حول أسانيد بعضها بأنها أسانيد غير معتبرة فإن البعض الآخر معتبر ومما تطمئن له النفس بالصدور عن المعصوم لاسيما مع كثرة الروايات وتعدد مصادرها.

يقول السيد محي الدين الموسوي الغريفي في قواعد الحديث ما نصه: «وعليه فلا إشكال في حجية الحديث المطمئن بصدوره عن المعصوم عليه السلام من أجل شهرة العمل له أو غيرها مما أورث الاطمئنان»... وليس من المجازفة دعوى الاطمئنان في عصرنا الحاضر بصدور الحديث الذي تسالم عليه جميع الفقهاء على العمل به والاستناد إليه وإن كان ضعيف السند»([173]).

[173]قواعد الحديث للسيد محي الدين الموسوي الغريفي: 119 - 120.


صفحه 145

ومن الواضح لكل ذي عينين أن فقهاءنا أشاروا في كتبهم إلى فضل زيارة الحسين عليه السلام وأما قبولهم لها فقد ترجموه عملياً من خلال المشي إلى الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين وغيرها لعلمهم بعظم أجور هذه الخطوات الساعية إلى مرقده الشريف.

2ـ إن كل مسلم في شرق الأرض وغربها منذ الصدر الأول للإسلام وإلى يومك هذا يؤمن ويعتقد أن هناك ليلة تستمر في أحسن الآراء فيها إلى (12) ساعة وربما تقل عن ذلك في أيام الصيف وهي ليلة القدر قد جعل الله العمل في ساعاتها القليلة يعدل الثواب والأجر على عمل أكثر من ألف شهر، ومع ذلك لا يعترض على ذلك أحد، ولكن ما إن تأتي النوبة إلى الحسين عليه السلام الذي ذاب في الله ورسوله وأعطى كل ما يملك من أجل الله من نفسٍ وولدٍ وجاهٍ ومالٍ من أجله حتى ورد على لسانه الشريف وهو على رمضاء كربلاء يجود بنفسه الشريفة: «إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين»([174]).

ورأى عظيم صنع الله للحسين عليه السلام وما عوضّه به بأن جعل الأئمة في ذريته والشفاء في تربته واستجابة الدعاء تحت قبته والفضل والأجر الكبير لزواره ومقبلي عتبته.

أقول: حتى إذا وصل الأمر إلى الحسين عليه السلام والى كل ما تقدم تشرأب أعناق هؤلاء اعتراضاً واستغراباً إمّا حقداً وبغضاً لأهل البيت عليهم

[174]مقتل الحسين للمقرم: 367.