رابعاً: طريقة المشي لزوار الحسين عليه السلام
يعترض بعضهم على طريقة المشي لزوار الحسين عليه السلام وحركاتهم كوضع اليد على الرأس حزناً، أو حتى ضرب اليد على الصدر تألماً وأساً على الحسين عليه السلام ويصف مثل هذه الأعمال بأنها منافية للإسلام الحنيف.
والجواب على هذا المعترض من خلال نقطتين أساسيتين وهما:
1ـ إنّ مثل هذه الأعمال لا يفقهها إلا المكتوون بعشق وحب أهل بيت نبيهم والموفقون في أداء مراسيم أحزانهم لاسيما سيد الشهداء ريحانة المصطفى.
2ـ نقول لهذا المعترض: أجلب أي مسيحي أو يهودي أو غيرهم إلى الحج واجعله ينظر ما يصنع حجاج بيت الله الحرام من أعمال ابتداءً من يوم عرفة من زوال ذلك اليوم وحتى آخر المراسيم لحج بيت الله الحرام فإنه سيشاهد أعمالاً لا يمكن تفسيرها ظاهراً إلا بالجنون والخبل، فلماذا يا ترى يجمع أناس - بعضهم يحملون شهادات عالية -حصى من الأرض في ليل
بهيم على جبل يسمى مزدلفة؟ ثم لماذا يتقاتل الناس بعد ذلك من أجل رمي هذه الحصاة على اسطوانة صغيرة؟ ولماذا يطوفون حول الحجارة؟ ولماذا يركضون ويهرولون بين نقطتين دون بقية النقاط الأخرى؟ بل لماذا الهرولة أصلاً ولماذا لا يمشي هؤلاء مشياً عادياً؟ وهناك ما شاء الله من الأسئلة التي سوف يسألها هؤلاء وهم ينظرون إلى أعمال الحجاج في موسم الحج الأكبر.
ولكن كل هذه الأسئلة إنما تأتي لأنّهم لم يعرفوا أو يتعرفوا على أسرار هذه المناسك وماهية هذه العبادات وما تمثله هذه الحصى وما تعنيه تلك الأسطوانة والى ماذا ترمز هذه الأحجار التي يطاف عليها وما إلى ذاك من فوائد الحج العظيمة.
وبعقيدتي لو يعلم هؤلاء فلسفة الحج لما سألوا ومثل هذا المعترض لو يعلم فلسفة هذه اليد التي توضع على الرأس حزناً وتوجعاً لما نزل بسيد شباب اهل الجنّة لما اعترض، ولو عَلِمَ أن هذه الصدور التي يلطم عليها تألماً وتأسفاً إنما هي مواساتهم لذلك الصدر بل وتلك الصدور الطواهر التي داستها الخيل على رمضاء كربلاء وقد كانت قبل فترة من الزمن موطن ومكان تقبيل شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اعترض، ولو علم أن هذا المشي وهذه الأقدام التي يخطوها هؤلاء المحبون والعاشقون للحسين عليه السلام إنما هي صورة من صور المواساة القليلة في حق أهل البيت عليهم السلام الذين مشوا كل هذه المسافات الطويلة في الأسر مع النساء والأطفال والأيتام وهم عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وسلالة المختار لما اعترض.
خامساً: المغالاة في ثواب وأجر زائري الأربعين
يقول البعض: لم تقولون لكل خطوة يخطوها الزائر حجة أو عمرة أو ما شاكل ذلك من الثواب العظيم والأجر الكبير فإنّ مثل هذه الروايات يمكن وصفها بالروايات المغالية والتي وضعت على أيدي جماعة ماهرين من أجل جذب الناس أكثر إلى هذه الزيارة وغيرها.
والجواب على ذلك يتم من خلال مجموعة من النقاط:
1ـ لا يوجد دليل على كذب هذه الروايات وإذا كان هناك نقاش حول أسانيد بعضها بأنها أسانيد غير معتبرة فإن البعض الآخر معتبر ومما تطمئن له النفس بالصدور عن المعصوم لاسيما مع كثرة الروايات وتعدد مصادرها.
يقول السيد محي الدين الموسوي الغريفي في قواعد الحديث ما نصه: «وعليه فلا إشكال في حجية الحديث المطمئن بصدوره عن المعصوم عليه السلام من أجل شهرة العمل له أو غيرها مما أورث الاطمئنان»... وليس من المجازفة دعوى الاطمئنان في عصرنا الحاضر بصدور الحديث الذي تسالم عليه جميع الفقهاء على العمل به والاستناد إليه وإن كان ضعيف السند»([173]).
[173]قواعد الحديث للسيد محي الدين الموسوي الغريفي: 119 - 120.
ومن الواضح لكل ذي عينين أن فقهاءنا أشاروا في كتبهم إلى فضل زيارة الحسين عليه السلام وأما قبولهم لها فقد ترجموه عملياً من خلال المشي إلى الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين وغيرها لعلمهم بعظم أجور هذه الخطوات الساعية إلى مرقده الشريف.
2ـ إن كل مسلم في شرق الأرض وغربها منذ الصدر الأول للإسلام وإلى يومك هذا يؤمن ويعتقد أن هناك ليلة تستمر في أحسن الآراء فيها إلى (12) ساعة وربما تقل عن ذلك في أيام الصيف وهي ليلة القدر قد جعل الله العمل في ساعاتها القليلة يعدل الثواب والأجر على عمل أكثر من ألف شهر، ومع ذلك لا يعترض على ذلك أحد، ولكن ما إن تأتي النوبة إلى الحسين عليه السلام الذي ذاب في الله ورسوله وأعطى كل ما يملك من أجل الله من نفسٍ وولدٍ وجاهٍ ومالٍ من أجله حتى ورد على لسانه الشريف وهو على رمضاء كربلاء يجود بنفسه الشريفة: «إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين»([174]).
ورأى عظيم صنع الله للحسين عليه السلام وما عوضّه به بأن جعل الأئمة في ذريته والشفاء في تربته واستجابة الدعاء تحت قبته والفضل والأجر الكبير لزواره ومقبلي عتبته.
أقول: حتى إذا وصل الأمر إلى الحسين عليه السلام والى كل ما تقدم تشرأب أعناق هؤلاء اعتراضاً واستغراباً إمّا حقداً وبغضاً لأهل البيت عليهم
[174]مقتل الحسين للمقرم: 367.
السلام وشيعتهم وإمّا جهلاً وتخبطاً فيما لا يعلمون.
والله عز وجل يقول: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}([175]).
3ـ وبغض النظر عن كل ما مضى فقد روى المسلمون في كتبهم سنّة وشيعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من بلغه عن الله عز وجل شيء فيه فضل فأخذه إيماناً به ورجاء ثوابه، أعطاه الله عز وجل ذلك وإن لم يكن كذلك»([176]).
وقد استفاد الجميع من هذا الحديث أنّ كل عمل يعمله الإنسان رجاء ثوابه وفضله ولم يكن في واقع الحال عند الله كذلك فإن الله عز وجل سوف يعطيه ذلك فضلاً وكرماً منه، فإذا كان الأمر كذلك فلم لا تطبق مثل هذه القاعدة على زيارة الحسين عليه السلام مطلقاً وفي الأربعين خاصة على ما ورد فيها من الفضل العظيم والثواب الكبير.
وبالتالي إذا كان العمل على وفق القاعدة المتقدمة فعليهم أن يعملوا بها في كل الموارد بما فيها زيارة الأربعين.
خامساً: إن هناك أعداداً ليست قليلة في الذاهبين لزيارة الأربعين لا يصلّون ولا يلتزمون في الواجبات، وعليه فإبقاء هذه الزيارة يعني إبقاء لحال
[175]النساء/ 70.
[176]مسند أبو يعلي الموصلي: (3443)، جامع بيان العلم لان عبد البر: 1/ 22، بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 2/ 256.
هؤلاء على ما هم عليه وأغراراً لهم بالإثم والمعصية.
الجواب على هذا الإشكال يتم من خلال نقاط وهي:
1ـ إننا نطالبكم بالدليل على مثل هذه الدعوى الخطيرة باتهام المسلمين الموالين لأهل البيت عليهم السلام بعدم الالتزام بأوامر الشريعة ونواهيها، فهل يا ترى أجريتم استقراءً كاملاً على كل الزائرين رجالاً ونساءً وشيوخاً وشباناً حتى عرفتم الملتزم من غير الملتزم؟ والجواب قطعاً سيكون بالنفي حيث لا يوجد دليل في المقام سوى بعض الحالات الفردية هنا وهناك في صفوف الزائرين حاولتم تعميمها على البقية، وهذا مما لا يجوز شرعاً حيث إننا مأمورون بحمل عمل المؤمن على الصحة والالتزام وهذا هو الأصل الذي نتعبد به لله عز وجل ومن يدعي خلاف ذلك فقد خرج عن هذا الأصل وعليه بالدليل ولا دليل في المقام.
2ـ ولو تنزلنا - جدلاً - وقبلنا وجود هذه الأعداد من غير الملتزمين في صفوف زائري أربعين الإمام الحسين عليه السلام فنحن نسأل منكم مثل هذا السؤال وأنتم لاشك تحملون همَّ الشريعة والالتزام بأوامرها ونواهيها وتخافون على الشباب وغيرهم الضياع والانفلات في ظل هذه الأجواء المليئة بالشهوات والمعاصي.
نسأل منكم وأنتم تحملون كل ذلك، هذا السؤال، لو جاء أحد إليكم وقال لكم: إني قادر على جمع الشباب الذين تحملون همهم في مكان واحد وفي زمان واحد، فهل يا ترى سيكون مثل هذا الأمر عاملاً مساعداً في
سهولة توجيه النصح والإرشاد لهم وتنفيذ مشاريعكم الإصلاحية عليهم أم لا؟
لاشك سيكون الجواب نعم، إذن فلم لا تقبلون من الحسين عليه السلام أن يقول لكم ولسان حاله في كل زيارة أربعين: هذه هي أبناء أمتكم قد جمعتهم إليكم فافعلوا ما تريدون لهم من الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي خرجت من أجلها.
إن مثل هذه المظاهر الاستثنائية ممكن أن تعالج من خلال بذل الجهود الكبيرة والبرامج المكثفة خلال فترة المسيرة المليونية - كما سيأتينا بعد ذلك - لاستقطاب هذه الأعداد بشكل هادئ وتقديم النصح والإرشاد لهم.
4ـ وأخيراً أقول إنّ وصول أعداد الزائرين إلى أعداد ناهزت العشرين مليون شخص، من الطبيعي أن تتخللها أعدادٌ قليلة من غير الملتزمين لا ترتقي إلى أن تشكل ظاهرة في هذه المسيرة المليونية المباركة وبالتالي إلغاؤها.
سادساً: إن هذه الزيارة المليونية تشكل عاملاً مهماً في إيقاف الأعمال والمتاجر وإغلاق الدولة لمؤسساتها لمدة أسابيع
يقول رشيد الخيون في مقال له منشور في 25/12/2013 على صحيفة المقر تحت عنوان: (زيارة الأربعين... وموكب مختار العصر) جاء فيه: «لسنا ضد حرية الطقوس، لكن ماذا عن الدولة ومؤسساتها؟ عن البنوك والمستشفيات والمدارس والجامعات؟ ماذا عن المستوى الدراسي؟ فعلى رداءته وانحطاطه يشكل بارقة أمل.
أيكفي أن يكون لديك نفط تصرف ريعه على المواكب السائرة لأسابيع؟ لا زراعة ولا صناعة؟ بماذا يفكر هؤلاء؟...»([177]).
وعلى أساس زعم هذا وأمثاله الأفضل أن نسكر زيارة الأربعين.
الجواب على هذا الإشكال من خلال ما يلي:
1ـ إنّ مسألة توقف أي مؤسسة من المؤسسات الحكومية وغيرها لأعمالها لاسيما تلك التي يحتاجها الناس في حياتهم، يُعدُّ أمراً مخالفاً لتعاليم
[177]مقال للسيد رشيد الخيون في صحيفة المقر الألكترونية بتاريخ 25/12/2013.