بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 144

خامساً: المغالاة في ثواب وأجر زائري الأربعين

يقول البعض: لم تقولون لكل خطوة يخطوها الزائر حجة أو عمرة أو ما شاكل ذلك من الثواب العظيم والأجر الكبير فإنّ مثل هذه الروايات يمكن وصفها بالروايات المغالية والتي وضعت على أيدي جماعة ماهرين من أجل جذب الناس أكثر إلى هذه الزيارة وغيرها.

والجواب على ذلك يتم من خلال مجموعة من النقاط:

1ـ لا يوجد دليل على كذب هذه الروايات وإذا كان هناك نقاش حول أسانيد بعضها بأنها أسانيد غير معتبرة فإن البعض الآخر معتبر ومما تطمئن له النفس بالصدور عن المعصوم لاسيما مع كثرة الروايات وتعدد مصادرها.

يقول السيد محي الدين الموسوي الغريفي في قواعد الحديث ما نصه: «وعليه فلا إشكال في حجية الحديث المطمئن بصدوره عن المعصوم عليه السلام من أجل شهرة العمل له أو غيرها مما أورث الاطمئنان»... وليس من المجازفة دعوى الاطمئنان في عصرنا الحاضر بصدور الحديث الذي تسالم عليه جميع الفقهاء على العمل به والاستناد إليه وإن كان ضعيف السند»([173]).

[173]قواعد الحديث للسيد محي الدين الموسوي الغريفي: 119 - 120.


صفحه 145

ومن الواضح لكل ذي عينين أن فقهاءنا أشاروا في كتبهم إلى فضل زيارة الحسين عليه السلام وأما قبولهم لها فقد ترجموه عملياً من خلال المشي إلى الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين وغيرها لعلمهم بعظم أجور هذه الخطوات الساعية إلى مرقده الشريف.

2ـ إن كل مسلم في شرق الأرض وغربها منذ الصدر الأول للإسلام وإلى يومك هذا يؤمن ويعتقد أن هناك ليلة تستمر في أحسن الآراء فيها إلى (12) ساعة وربما تقل عن ذلك في أيام الصيف وهي ليلة القدر قد جعل الله العمل في ساعاتها القليلة يعدل الثواب والأجر على عمل أكثر من ألف شهر، ومع ذلك لا يعترض على ذلك أحد، ولكن ما إن تأتي النوبة إلى الحسين عليه السلام الذي ذاب في الله ورسوله وأعطى كل ما يملك من أجل الله من نفسٍ وولدٍ وجاهٍ ومالٍ من أجله حتى ورد على لسانه الشريف وهو على رمضاء كربلاء يجود بنفسه الشريفة: «إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين»([174]).

ورأى عظيم صنع الله للحسين عليه السلام وما عوضّه به بأن جعل الأئمة في ذريته والشفاء في تربته واستجابة الدعاء تحت قبته والفضل والأجر الكبير لزواره ومقبلي عتبته.

أقول: حتى إذا وصل الأمر إلى الحسين عليه السلام والى كل ما تقدم تشرأب أعناق هؤلاء اعتراضاً واستغراباً إمّا حقداً وبغضاً لأهل البيت عليهم

[174]مقتل الحسين للمقرم: 367.


صفحه 146

السلام وشيعتهم وإمّا جهلاً وتخبطاً فيما لا يعلمون.

والله عز وجل يقول: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}([175]).

3ـ وبغض النظر عن كل ما مضى فقد روى المسلمون في كتبهم سنّة وشيعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من بلغه عن الله عز وجل شيء فيه فضل فأخذه إيماناً به ورجاء ثوابه، أعطاه الله عز وجل ذلك وإن لم يكن كذلك»([176]).

وقد استفاد الجميع من هذا الحديث أنّ كل عمل يعمله الإنسان رجاء ثوابه وفضله ولم يكن في واقع الحال عند الله كذلك فإن الله عز وجل سوف يعطيه ذلك فضلاً وكرماً منه، فإذا كان الأمر كذلك فلم لا تطبق مثل هذه القاعدة على زيارة الحسين عليه السلام مطلقاً وفي الأربعين خاصة على ما ورد فيها من الفضل العظيم والثواب الكبير.

وبالتالي إذا كان العمل على وفق القاعدة المتقدمة فعليهم أن يعملوا بها في كل الموارد بما فيها زيارة الأربعين.

خامساً: إن هناك أعداداً ليست قليلة في الذاهبين لزيارة الأربعين لا يصلّون ولا يلتزمون في الواجبات، وعليه فإبقاء هذه الزيارة يعني إبقاء لحال

[175]النساء/ 70.

[176]مسند أبو يعلي الموصلي: (3443)، جامع بيان العلم لان عبد البر: 1/ 22، بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 2/ 256.


صفحه 147

هؤلاء على ما هم عليه وأغراراً لهم بالإثم والمعصية.

الجواب على هذا الإشكال يتم من خلال نقاط وهي:

1ـ إننا نطالبكم بالدليل على مثل هذه الدعوى الخطيرة باتهام المسلمين الموالين لأهل البيت عليهم السلام بعدم الالتزام بأوامر الشريعة ونواهيها، فهل يا ترى أجريتم استقراءً كاملاً على كل الزائرين رجالاً ونساءً وشيوخاً وشباناً حتى عرفتم الملتزم من غير الملتزم؟ والجواب قطعاً سيكون بالنفي حيث لا يوجد دليل في المقام سوى بعض الحالات الفردية هنا وهناك في صفوف الزائرين حاولتم تعميمها على البقية، وهذا مما لا يجوز شرعاً حيث إننا مأمورون بحمل عمل المؤمن على الصحة والالتزام وهذا هو الأصل الذي نتعبد به لله عز وجل ومن يدعي خلاف ذلك فقد خرج عن هذا الأصل وعليه بالدليل ولا دليل في المقام.

2ـ ولو تنزلنا - جدلاً - وقبلنا وجود هذه الأعداد من غير الملتزمين في صفوف زائري أربعين الإمام الحسين عليه السلام فنحن نسأل منكم مثل هذا السؤال وأنتم لاشك تحملون همَّ الشريعة والالتزام بأوامرها ونواهيها وتخافون على الشباب وغيرهم الضياع والانفلات في ظل هذه الأجواء المليئة بالشهوات والمعاصي.

نسأل منكم وأنتم تحملون كل ذلك، هذا السؤال، لو جاء أحد إليكم وقال لكم: إني قادر على جمع الشباب الذين تحملون همهم في مكان واحد وفي زمان واحد، فهل يا ترى سيكون مثل هذا الأمر عاملاً مساعداً في


صفحه 148

سهولة توجيه النصح والإرشاد لهم وتنفيذ مشاريعكم الإصلاحية عليهم أم لا؟

لاشك سيكون الجواب نعم، إذن فلم لا تقبلون من الحسين عليه السلام أن يقول لكم ولسان حاله في كل زيارة أربعين: هذه هي أبناء أمتكم قد جمعتهم إليكم فافعلوا ما تريدون لهم من الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي خرجت من أجلها.

إن مثل هذه المظاهر الاستثنائية ممكن أن تعالج من خلال بذل الجهود الكبيرة والبرامج المكثفة خلال فترة المسيرة المليونية - كما سيأتينا بعد ذلك - لاستقطاب هذه الأعداد بشكل هادئ وتقديم النصح والإرشاد لهم.

4ـ وأخيراً أقول إنّ وصول أعداد الزائرين إلى أعداد ناهزت العشرين مليون شخص، من الطبيعي أن تتخللها أعدادٌ قليلة من غير الملتزمين لا ترتقي إلى أن تشكل ظاهرة في هذه المسيرة المليونية المباركة وبالتالي إلغاؤها.


صفحه 149

سادساً: إن هذه الزيارة المليونية تشكل عاملاً مهماً في إيقاف الأعمال والمتاجر وإغلاق الدولة لمؤسساتها لمدة أسابيع

يقول رشيد الخيون في مقال له منشور في 25/12/2013 على صحيفة المقر تحت عنوان: (زيارة الأربعين... وموكب مختار العصر) جاء فيه: «لسنا ضد حرية الطقوس، لكن ماذا عن الدولة ومؤسساتها؟ عن البنوك والمستشفيات والمدارس والجامعات؟ ماذا عن المستوى الدراسي؟ فعلى رداءته وانحطاطه يشكل بارقة أمل.

أيكفي أن يكون لديك نفط تصرف ريعه على المواكب السائرة لأسابيع؟ لا زراعة ولا صناعة؟ بماذا يفكر هؤلاء؟...»([177]).

وعلى أساس زعم هذا وأمثاله الأفضل أن نسكر زيارة الأربعين.

الجواب على هذا الإشكال من خلال ما يلي:

1ـ إنّ مسألة توقف أي مؤسسة من المؤسسات الحكومية وغيرها لأعمالها لاسيما تلك التي يحتاجها الناس في حياتهم، يُعدُّ أمراً مخالفاً لتعاليم

[177]مقال للسيد رشيد الخيون في صحيفة المقر الألكترونية بتاريخ 25/12/2013.


صفحه 150

أمتنا وتوصيات مرجعياتنا التي أشارت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة الحفاظ على تقديم الخدمات إلى الناس لاسيما المهمة والأساسية منها في كل الظروف والأحوال حتى ولو أدى ذلك إلى عدم ذهابهم لزيارة الحسين عليه السلام لاسيما في يوم الأربعين.

وقد سمعت شخصياً من الشيخ عبد المهدي الكربلائي - وهو الممثل للمرجعية العليا في النجف الأشرف - في خطبة صلاة الجمعة في بداية شهر صفر من هذا العام وكذلك الأعوام السابقة أن المسؤول والموظف وغيرهم إذا كانوا لا يقدرون على الذهاب لزيارة الحسين عليه السلام بسبب أهمية عمله وضرورته للناس فيمكن له أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يتوجه إلى جهة الحسين عليه السلام ويزوره عن بعد ويبقى في عمله من أجل قضاء حوائج الناس وبالتالي يكون قد جمع بين ثواب الأمرين معاً أعني ثواب الزيارة وثواب قضاء حوائج الناس، وهذا المعنى هو المستفاد من الرواية المعروفة عن الإمام الصادق عليه السلام والتي ينقلها صاحب البحار عن رجل من حلوان أنه قال: «كنت أطوف بالبيت فأتاني رجل من أصحابنا فسألني قرض دينارين وكنت قد طفت خمسة أشواط فقلت له: أتم أسبوعي ثم أخرج فلما دخلت في السادس اعتمد عليّ أبو عبد الله عليه السلام ووضع يده على منكبي قال: فأتممت سبعي ودخلت في الآخر لاعتماد أبي عبد الله عليه السلام عليّ، فكنت كلما جئت إلى الركن أومأ إليّ فقال أبو عبد الله عليه السلام: مَنْ كان هذا يومئ إليك؟ قلت: جعلت فداك هذا رجل من مواليك سألني قرض دينارين، قلت: أتمُ


صفحه 151

أسبوعي وأخرجُ إليك، قال: فدفعني أبو عبد الله عليه السلام وقال: اذهب فأعطهما إياه، فظننت أنه قال: فأعطهما إياه لقولي قد أنعمت عليه فلما كان من الغد دخلت عليه وعنده عُدّة من أصحابنا يحدثهم، فلما رآني قطع الحديث وقال: لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة حتى أقضي له أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمة وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة»([178]).

ولكن تسليط الضوء على هذا الأمر ومعالجته كما تقدم شيء وإلغاء أو توهين هذه الظاهرة المباركة شيء آخر، أما الأول فمقبول ولا إشكال فيه وأما الثاني فمرفوض ولا نرضاه بل ونقف أمام كل من يريد أن يدعو إليه.

2ـ ولو قبلنا هذا الأمر تنزلاً - وهو المرفوض عندنا كما تقدم - فإن التقارير الاقتصادية أشارت إلى أن هذه الزيارة المليونية لها آثار اقتصادية كبيرة جداً لاسيما في تعزيز موقع العراق في خارطة السياحة الدينية في العالم، وهذا ما أشار إليه الأستاذ رعد تويج رئيس هيئة الدراسة الاقتصادية في جامعة الكوفة في تصريح له في جريدة المستقبل.

حيث قال: «إن التعطيل في هذه الأيام لا يؤثر على البلاد اقتصادياً، بل بالعكس يسهم بإنعاش الوضع الاقتصادي، إذ أن للزيارة آثاراً إيجابية على عموم الاقتصاد العراقي لأن السوق العراقي سيكون مكاناً لإنفاق السياح... وأضاف أن هذه المناسبات ستكون فرصة للفقراء لادخار بعض مواردهم المالية وفرصة للتكيف في أعمال تتلاءم مع وضعهم إذ أن هذه الزيارة

[178]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 74/235.