سادساً: إن هذه الزيارة المليونية تشكل عاملاً مهماً في إيقاف الأعمال والمتاجر وإغلاق الدولة لمؤسساتها لمدة أسابيع
يقول رشيد الخيون في مقال له منشور في 25/12/2013 على صحيفة المقر تحت عنوان: (زيارة الأربعين... وموكب مختار العصر) جاء فيه: «لسنا ضد حرية الطقوس، لكن ماذا عن الدولة ومؤسساتها؟ عن البنوك والمستشفيات والمدارس والجامعات؟ ماذا عن المستوى الدراسي؟ فعلى رداءته وانحطاطه يشكل بارقة أمل.
أيكفي أن يكون لديك نفط تصرف ريعه على المواكب السائرة لأسابيع؟ لا زراعة ولا صناعة؟ بماذا يفكر هؤلاء؟...»([177]).
وعلى أساس زعم هذا وأمثاله الأفضل أن نسكر زيارة الأربعين.
الجواب على هذا الإشكال من خلال ما يلي:
1ـ إنّ مسألة توقف أي مؤسسة من المؤسسات الحكومية وغيرها لأعمالها لاسيما تلك التي يحتاجها الناس في حياتهم، يُعدُّ أمراً مخالفاً لتعاليم
[177]مقال للسيد رشيد الخيون في صحيفة المقر الألكترونية بتاريخ 25/12/2013.
أمتنا وتوصيات مرجعياتنا التي أشارت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة الحفاظ على تقديم الخدمات إلى الناس لاسيما المهمة والأساسية منها في كل الظروف والأحوال حتى ولو أدى ذلك إلى عدم ذهابهم لزيارة الحسين عليه السلام لاسيما في يوم الأربعين.
وقد سمعت شخصياً من الشيخ عبد المهدي الكربلائي - وهو الممثل للمرجعية العليا في النجف الأشرف - في خطبة صلاة الجمعة في بداية شهر صفر من هذا العام وكذلك الأعوام السابقة أن المسؤول والموظف وغيرهم إذا كانوا لا يقدرون على الذهاب لزيارة الحسين عليه السلام بسبب أهمية عمله وضرورته للناس فيمكن له أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يتوجه إلى جهة الحسين عليه السلام ويزوره عن بعد ويبقى في عمله من أجل قضاء حوائج الناس وبالتالي يكون قد جمع بين ثواب الأمرين معاً أعني ثواب الزيارة وثواب قضاء حوائج الناس، وهذا المعنى هو المستفاد من الرواية المعروفة عن الإمام الصادق عليه السلام والتي ينقلها صاحب البحار عن رجل من حلوان أنه قال: «كنت أطوف بالبيت فأتاني رجل من أصحابنا فسألني قرض دينارين وكنت قد طفت خمسة أشواط فقلت له: أتم أسبوعي ثم أخرج فلما دخلت في السادس اعتمد عليّ أبو عبد الله عليه السلام ووضع يده على منكبي قال: فأتممت سبعي ودخلت في الآخر لاعتماد أبي عبد الله عليه السلام عليّ، فكنت كلما جئت إلى الركن أومأ إليّ فقال أبو عبد الله عليه السلام: مَنْ كان هذا يومئ إليك؟ قلت: جعلت فداك هذا رجل من مواليك سألني قرض دينارين، قلت: أتمُ
أسبوعي وأخرجُ إليك، قال: فدفعني أبو عبد الله عليه السلام وقال: اذهب فأعطهما إياه، فظننت أنه قال: فأعطهما إياه لقولي قد أنعمت عليه فلما كان من الغد دخلت عليه وعنده عُدّة من أصحابنا يحدثهم، فلما رآني قطع الحديث وقال: لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة حتى أقضي له أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمة وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة»([178]).
ولكن تسليط الضوء على هذا الأمر ومعالجته كما تقدم شيء وإلغاء أو توهين هذه الظاهرة المباركة شيء آخر، أما الأول فمقبول ولا إشكال فيه وأما الثاني فمرفوض ولا نرضاه بل ونقف أمام كل من يريد أن يدعو إليه.
2ـ ولو قبلنا هذا الأمر تنزلاً - وهو المرفوض عندنا كما تقدم - فإن التقارير الاقتصادية أشارت إلى أن هذه الزيارة المليونية لها آثار اقتصادية كبيرة جداً لاسيما في تعزيز موقع العراق في خارطة السياحة الدينية في العالم، وهذا ما أشار إليه الأستاذ رعد تويج رئيس هيئة الدراسة الاقتصادية في جامعة الكوفة في تصريح له في جريدة المستقبل.
حيث قال: «إن التعطيل في هذه الأيام لا يؤثر على البلاد اقتصادياً، بل بالعكس يسهم بإنعاش الوضع الاقتصادي، إذ أن للزيارة آثاراً إيجابية على عموم الاقتصاد العراقي لأن السوق العراقي سيكون مكاناً لإنفاق السياح... وأضاف أن هذه المناسبات ستكون فرصة للفقراء لادخار بعض مواردهم المالية وفرصة للتكيف في أعمال تتلاءم مع وضعهم إذ أن هذه الزيارة
[178]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 74/235.
ضاعفت الأعمال وخاصة النادرة في هذه الأيام المقدسة»([179]).
ولماذا نكون بدعاً من الأمم فهذه المملكة العربية السعودية تجند كل طاقاتها الطبية والعسكرية وبقية الخدمات من أجل تقديم أحسن الوجه وأنبله أمام حجاج بيت الله الحرام وقد حصلت على إيرادات من هذه الشعائر وصلت إلى درجة فاقت حتى واردات النفط عندهم مع كل ما يستتبعه مثل هذا الأمر من إزعاج حكومي وشعبي كبيرين خلال فترة الحج التي ربما تستمر آثارها إلى أكثر من شهر تقريباً، ومع هذا لم نجد أحداً دعى إلى إلغاء هذه الفريضة أو حتى التقليل من شأنها.
3ـ إن كثيراً من الدول في العالم تبذل قصارى جهدها لمدة سنوات وتصرف المليارات من الدولارات حتى تستقبل الناس في فترة محدودة من الزمن ربما لا تمتد في أحسن صورها وأسكالها إلى أسبوعين من الزمن كما يحصل في استضافة كأس العالم أو الأولمبياد وما شاكل ذلك، وما ذاك إلا لعلم هذه الدول بالمردودات السياسية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية التي تتركها مثل هذه الملايين من الناس القادمة إليها من مختلف بقاع الأرض.
وإذا كان الأمر كذلك فلم لا تكون زيارة الأربعين هي تجمعاً ومؤتمراً دولياً عالمياً نستطيع من خلاله مدّ جسور التواصل مع كثير من دول العالم والاستفادة من قدراتهم في مجالات الحياة كافة.
[179]جريدة المستقبل/ فقرة مال وأعمال/ الأحد 22 كانون الأول/ ديسمبر/ 2013.
سابعاً: إنّ هذه الزيارة المليونية ومع حالات الاختلاط لكلا الجنسين في الطريق أو حتى في بعض مرافق الطريق كالطعام والمنام أدت إلى وجود مشاكل غير أخلاقية أدت إلى تعارفات غير شرعية، ومن هنا ذهب البعض إلى تحريم خروج النساء في أربعينية الإمام الحسين عليه السلام
الجواب على هذا الإشكال يتم من خلال ما يلي:
1ـ نحن لا نرضى على مثل هذه الأعمال المخلة بالآداب العامة لاسيما ونحن نسير في طريق سيد الشهداء عليه السلام بل ونقف أمام كل هذه المظاهر غير الدينية وندعوا لمعالجتها بشكل هادئ حكيم من خلال تهيئة كادر ديني حوزوي إن صح التعبير من النساء والرجال حتى يتولى تقديم النصح والإرشاد للزائرين بل ومتابعة المسيرة من أول أيام انطلاقها وحتى آخر أيامها وعدم السماح بوجود أي حالات اختلاط في أي موقف من مواقف هذه الزيارة المباركة.
ومع كل ما ذكرت فإنّي أعتقد أن هذه القضية لم تصل إلى درجة
الظاهرة في هذه الزيارة المليونية بل لا زالت في خانة الحالات الفردية القليلة هنا وهناك ومع ذلك تبقى مشكلة قائمة تحتاج إلى مزيد من الرعاية والاهتمام لمعالجتها والقضاء عليها، ولكني أعتقد في نفس الوقت أن هذه المعالجة لا يمكن أن تتم من خلال منع النساء من التوجه إلى زيارة الأربعين والمشاركة في تقديم المواساة والحصول على الثواب المترتب على ذلك، بل العكس يمكن أن تستثمر مثل هذه الزيارة في إعطاء الدروس والمفاهيم والعبر المهمة المترتبة على هذه الزيارة لاسيما في مسألة مواساتهن لمولاتنا زينب عليها السلام وضرورة الاقتداء بها في كل المجالات لاسيما المتعلقة ببناء الأسرة والرضا بقضاء الله تعالى والالتزام بالحجاب والعفة وما شاكل ذلك.
وعليه فلا يمكن لنا من أجل أن نعالج هذا الموضوع أو نمنع حصول أحداث غير أخلاقية هنا وهناك أن نقوم بمنع النساء كافة من التزود من هذا المعين الحسيني الزينبي الطاهر.
2ـ أشارت جملة من فتاوى علمائنا إلى استحباب الزيارة للنساء يوم الأربعين والسعي بأقدامهن إلى مرقد سيد الشهداء مواساة لزينب وبنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسوف أعرض أمثلة من هذه الاستفتاءات من أجل بيان رأي علمائنا في هذه المسألة:
فقد سُئل علماؤنا حفظهم الله تعالى عن ما يثيره بعضهم من ضرورة بقاء النساء في بيوتهن وعدم خروجهن لزيارة الحسين عليه السلام لاسيما يوم الأربعين والشروط اللازم توفرها لذهابهن وما شاكل ذلك من الأمور فأجابوا
على اختلاف ألفاظ السؤال وإليكم بعض هذه الاستفتاءات:
أ) آية الله العظمى السيد السيستاني قال في بيانه المنشور على الموقع الرسمي له في خصوص زيارة الأربعين: «فعلى الزوار جميعاً ولاسيما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم والتجنب عن أي شيء يخدش ذلك من قبيل الألبسة الضيقة والاختلاطات المذمومة والزينة المنهي عنها، بل ينبغي مراعاة أقصى المراتب الميسورة في كل ذلك تنزيهاً لهذه الشعيرة المقدسة عن الشوائب غير اللائقة». صفر/ 1435 هـ.
ب - آية الله العظمى السيد كاظم الحائري:
«لاشك في الاستحباب المؤكد لزيارة الإمام الحسين عليه السلام وعظيم الأجر والثواب فيها وكونها من أهم ما يحيا بها أمرهم صلوات الله عليهم ولاشك أن هذا الاستحباب شامل للرجل والمرأة ولا يخرج المشي عن هذا وعلى المرأة المؤمنة حفظ حرمتها وحشمتها وابتعادها عن الاختلاط المحرم ولا تخرج إلا بأذن ولي أمرها ورضاه». 5 صفر / 1434 هـ.
ج - آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي:
«إنّه من الأمور المرغوبة والمطلوبة شرعاً مع المحافظة على الحدود الشرعية كالحجاب وغيره، وفي محاسن خروج المرأة لزيارة العتبات المقدسة خصوصاً المشي أنها تساعد زوجها على تربية الأطفال على حب الحسين عليه السلام حيث إنّ البراعم منهم يخرجون مع صالحات المذهب الجعفري، وتمثل مشاركة المرأة في الشعائر الحسينية دور المجاهدات اللاتي شجعن أولادهن على
تقديم الرقاب من أجل الحسين عليه السلام والله العالم وهو الموقف». 29/محرم/ 1434 هـ.
ح - وقبل كل هذا وذاك فإن القرآن قد أعطى رأيه في هذه المسألة بشكل واضح وصريح حينما طلب من الناس إتيان الحج لمن استطاع منهم إليه سبيلاً ولم يقيد الله عز وجل إتيانه بيته الشريف بالرجال فقط بل أطلق فشمل النساء أيضاً وهذا محلّ اتفاق عند جميع المسلمين سنة وشيعة ولم يعترض أحد ويقول كيف يمكن أن تذهب النساء للحج مع الاختلاط والتزاحم والاكتظاظ عند أداء المناسك كما هو واضح لكل ذي عينين لاسيما عند الطواف وعند الرمي والسعي بين الصفا والمروة وما إلى ذاك.
وإن قال قائل إنّ الحج واجب والزيارة مستحبة والفرق بينهما واضح.
نقول له إن الآية الكريمة حينما قالت: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، شملت في قوله تعالى {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الحج الواجب والمستحب كما هو المعروف عند جميع المذاهب الإسلامية، وعليه فإذا كان الأمر صحيحاً فكيف يأمر الله تعالى النساء بالحج المستحب مع ما فيه من المحاذير المتقدمة.
نعم يبقى علينا أن نهيئ الأسباب والأجواء الصالحة الطاهرة التي لا تؤدي إلى الاختلاط المذموم وفي نفس الوقت لا تمنع من إتيان العبادة والاستفادة منها وهذا واجب علينا القيام به والتوجه إليه.