ومن هنا يتبين لنا أن علاقة الحسين عليه السلام بالعدد «أربعين» لم تكن علاقة قائمة على الصدفة، وإنما كانت تحمل في نفسها الكثير من الأسرار والحكم، وتحتاج بعد ذلك منا إلى مزيد من البحث والدرس لاستكشاف هذه الأسرار والحِكَم.
وعلى أساس ذلك سوف نحاول جاهدين - بأذن الله تعالى - أن نسلط الأضواء على هذا الأمر من خلال الحديث عن سند هذه الزيارة الأربعينية المليونية وما تضمنته من مفاهيم إسلامية راقية نحن بأمس الحاجة إليها في هذا الوقت العصيب.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

الفصل الأول
البحث الأول: الحديث عن فضل زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين.
البحث الثاني: الحديث عن رجوع أهل البيت عليهم السلام من الشام إلى كربلاء في يوم الأربعين وأدلته.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الأول
في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام
ليس خافياً على أحد لاسيما في هذا الوقت الذي أصبحت مصادر الشريعة الإسلامية متوفرة في شتى المواقع الألكترونية عبر الأنترنت وغيره وبعد أن أصبحت في متناول يد الجميع ما لزيارة الحسين عليه السلام من فضل كبير وأجر جزيل كما صرحت بذلك العشرات من الروايات عند الفريقين وربما كان مثل هذا الأمر واحداً من عطاءات الله عز وجل للحسين عليه السلام بعد أن أرخص كل شيء من أجل الله عز وجل في محاربة المنكر وإقامة المعروف والوقوف أمام الظلم والفساد والانحراف الذي أخذ يدبُّ في العالم الإسلامي إبّان وصول بني أمية إلى سدة الحكم، وما يمكن أن يتبعه من آثار مدمرة ربما تؤدي إلى القضاء على الإسلام بشكل كامل، حتى ختمها بأعظم وسام خصه الله عز وجل لعباده ألا وهو وسام الشهادة.
وأيّ شهادة؟ شهادة تربع بعدها الحسين عليه السلام في قلوب الأحرار في العالم عبر التاريخ، بعدما سطر ملحمة في كربلاء بما كم يحدثنا التاريخ
بأعظم منها، حتى غدت كربلاء التي سال على رمضائها دم الحسين عليه السلام تضاهي بقاع العالم قدسية وشرفاً وأصبحت مهوى لقلوب العارفين من المسلمين وحتى غير المسلمين (كما سيأتي الحديث عنه في طيّات هذه الدراسة).
ولله درّ دعبل الخزاعي حيث يقول في زيارة الحسين عليه السلام:
لم لا أزورك يا حسين لك الفدى
ولك المودة في قلوب أولي النهى
قومي ومن عطفت عليه نزارُ
وعلى عدوك مقتة ودثارُ([16])
لقد أصبح قبر الحسين عليه السلام معلماً بارزاً تشرأب له أعناق المسلمين وتطمح إليه عيون المؤمنين، ولأجل ذلك كان لأهل البيت عليهم السلام دور عظيم في توجيه الناس إلى زيارة الحسين عليه السلام وما أعده الله عز وجل لزائريه من الفضل العظيم.
ومن هنا جاءت العشرات بل المئات من الروايات في كتب الفريقين في فضل زيارته والتوجه إلى تربته الشريفة المقدسة، حتى وصل الأمر إلى درجة أوجب بعض الفقهاء استناداً لروايات كثيرة إلى زيارة الحسين عليه السلام، بل وأفرد الحر العاملي في وسائله له باباً عنونه«وجوب زيارة الحسين عليه السلام والأئمة على شيعتهم كفاية».
وأورد فيه جملة من الروايات منها ما ورد عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال: «مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فإن إتيانه مفترض على كل
[16]رياحين الشريعة: 4/ 326.
مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل»([17]).
وفي رواية أخرى عن أبي جعفر قال: «مروا شيعتنا بزيارة الحسين عليه السلام، فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع وزيارته مفترضة على كل من آمن وأقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل»([18]).
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «أنّه قال للحلبي بعد أن سأله: ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر ذلك؟ قال: عقَّ رسول الله وعقنا واستخف بأمر هو له»([19]).
ومن أجل ذلك قال جملة من علمائنا لاسيما العلامة المجلسي في بحاره: «ثمّ اعلم أن ظاهر أكثر أخبار هذا الباب وكثير من أخبار الأبواب الآتية وجوب زيارته عليه السلام بل كونها من أعظم الفرائض وآكدها... ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرة مع القدرة وإليه كان يميل الوالد العلامة وسيأتي التفصيل في حدّها ولا يبعد القول به أيضاً والله أعلم»([20])، والملفت للنظر أن زيارة الحسين عليه السلام كما في بعض الروايات، لا تسقط حتى مع الخوف على النفس والمال والأهل، وما شاكل ذلك.
وهذا الأمر يمثل حالة تميز واضحة في زيارة الحسين عليه السلام، حيث لم تقيّد بعدم الخوف أو بعدم الضرر كما هو الجاري في الفرائض والواجبات
[17]وسائل الشيعة: 14/ 445.
[18]وسائل الشيعة للحر العاملي: 14/ 637.
[19]مستدرك سفينة البحار: 4/352.
[20]العلامة المجلسي في بحار الأنوار: 101/10.
الإسلامية فضلاً عن السنن والمستحبات، ومن هذه الروايات قول الإمام الصادق عليه السلام إلى معاوية بن وهب:
«يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعوا له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة»([21]).
وفي رواية ابن بكير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
«قلت له: إني لأنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى زيارة قبر أبيك وإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المصالح فقال: يا بن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه وكان يحدثه الحسين عليه السلام تحت العرش وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة»([22]).
[21]كامل الزيارات لابن قولويه:الباب الخامس والأربعون /136
[22]وسائل الشيعة: 14/ 457.