البحث الأول
في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام
ليس خافياً على أحد لاسيما في هذا الوقت الذي أصبحت مصادر الشريعة الإسلامية متوفرة في شتى المواقع الألكترونية عبر الأنترنت وغيره وبعد أن أصبحت في متناول يد الجميع ما لزيارة الحسين عليه السلام من فضل كبير وأجر جزيل كما صرحت بذلك العشرات من الروايات عند الفريقين وربما كان مثل هذا الأمر واحداً من عطاءات الله عز وجل للحسين عليه السلام بعد أن أرخص كل شيء من أجل الله عز وجل في محاربة المنكر وإقامة المعروف والوقوف أمام الظلم والفساد والانحراف الذي أخذ يدبُّ في العالم الإسلامي إبّان وصول بني أمية إلى سدة الحكم، وما يمكن أن يتبعه من آثار مدمرة ربما تؤدي إلى القضاء على الإسلام بشكل كامل، حتى ختمها بأعظم وسام خصه الله عز وجل لعباده ألا وهو وسام الشهادة.
وأيّ شهادة؟ شهادة تربع بعدها الحسين عليه السلام في قلوب الأحرار في العالم عبر التاريخ، بعدما سطر ملحمة في كربلاء بما كم يحدثنا التاريخ
بأعظم منها، حتى غدت كربلاء التي سال على رمضائها دم الحسين عليه السلام تضاهي بقاع العالم قدسية وشرفاً وأصبحت مهوى لقلوب العارفين من المسلمين وحتى غير المسلمين (كما سيأتي الحديث عنه في طيّات هذه الدراسة).
ولله درّ دعبل الخزاعي حيث يقول في زيارة الحسين عليه السلام:
لم لا أزورك يا حسين لك الفدى
ولك المودة في قلوب أولي النهى
قومي ومن عطفت عليه نزارُ
وعلى عدوك مقتة ودثارُ([16])
لقد أصبح قبر الحسين عليه السلام معلماً بارزاً تشرأب له أعناق المسلمين وتطمح إليه عيون المؤمنين، ولأجل ذلك كان لأهل البيت عليهم السلام دور عظيم في توجيه الناس إلى زيارة الحسين عليه السلام وما أعده الله عز وجل لزائريه من الفضل العظيم.
ومن هنا جاءت العشرات بل المئات من الروايات في كتب الفريقين في فضل زيارته والتوجه إلى تربته الشريفة المقدسة، حتى وصل الأمر إلى درجة أوجب بعض الفقهاء استناداً لروايات كثيرة إلى زيارة الحسين عليه السلام، بل وأفرد الحر العاملي في وسائله له باباً عنونه«وجوب زيارة الحسين عليه السلام والأئمة على شيعتهم كفاية».
وأورد فيه جملة من الروايات منها ما ورد عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال: «مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فإن إتيانه مفترض على كل
[16]رياحين الشريعة: 4/ 326.
مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل»([17]).
وفي رواية أخرى عن أبي جعفر قال: «مروا شيعتنا بزيارة الحسين عليه السلام، فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع وزيارته مفترضة على كل من آمن وأقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل»([18]).
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «أنّه قال للحلبي بعد أن سأله: ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر ذلك؟ قال: عقَّ رسول الله وعقنا واستخف بأمر هو له»([19]).
ومن أجل ذلك قال جملة من علمائنا لاسيما العلامة المجلسي في بحاره: «ثمّ اعلم أن ظاهر أكثر أخبار هذا الباب وكثير من أخبار الأبواب الآتية وجوب زيارته عليه السلام بل كونها من أعظم الفرائض وآكدها... ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرة مع القدرة وإليه كان يميل الوالد العلامة وسيأتي التفصيل في حدّها ولا يبعد القول به أيضاً والله أعلم»([20])، والملفت للنظر أن زيارة الحسين عليه السلام كما في بعض الروايات، لا تسقط حتى مع الخوف على النفس والمال والأهل، وما شاكل ذلك.
وهذا الأمر يمثل حالة تميز واضحة في زيارة الحسين عليه السلام، حيث لم تقيّد بعدم الخوف أو بعدم الضرر كما هو الجاري في الفرائض والواجبات
[17]وسائل الشيعة: 14/ 445.
[18]وسائل الشيعة للحر العاملي: 14/ 637.
[19]مستدرك سفينة البحار: 4/352.
[20]العلامة المجلسي في بحار الأنوار: 101/10.
الإسلامية فضلاً عن السنن والمستحبات، ومن هذه الروايات قول الإمام الصادق عليه السلام إلى معاوية بن وهب:
«يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعوا له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة»([21]).
وفي رواية ابن بكير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
«قلت له: إني لأنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى زيارة قبر أبيك وإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المصالح فقال: يا بن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه وكان يحدثه الحسين عليه السلام تحت العرش وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة»([22]).
[21]كامل الزيارات لابن قولويه:الباب الخامس والأربعون /136
[22]وسائل الشيعة: 14/ 457.
البحث الثاني
في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم الأربعين وأدلتها
لقد ذكر العلماء جملة من الأدلة التي تشير إلى استحباب زيارة الأربعين وحسب تتبعي القاصر وجدت أن الأدلة التي ذكروها لا تتعدى في الأعم الأغلب ما يلي:
أولاً: الدليل الروائي
وقد ذكروا في هذا المجال مجموعة من الروايات أذكر منه ثلاثاً أساسية وهي كالتالي:
ألف: رواية الإمام العسكري عليه السلام
روي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم في اليمين
وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم([23])»([24]).
وقد استدل على استحباب زيارة الحسين عليه السلام في يوم الأربعين من خلال كلمة الإمام «زيارة الأربعين».
وقد ذكر العلماء لهذا الاستدلال وجوهاً منها:
الوجه الأول:ما فهمه العلماء في زمن الصدور وما بعده وإلى يومك هذا أن المراد من الأربعين خصوص زيارة الحسين عليه السلام في يوم أربعينه([25])، بل وما سار على هذا الفهم عموم شيعة أهل البيت عليهم السلام كما سيأتي ويمكن تقريب هذا الوجه الذي فهمه العلماء بل وعموم الشيعة من خلال مجموعة من النقاط:
النقطة الأولى
ورود كلمة «أربعين» محلاة بالألف واللام، ولاشك أن المراد من هذه الألف واللام خصوص العهد لا غيرها، ومن المعلوم أن الألف واللام العهدية إذا دخلت على نكرة حوّلتها إلى معرفةٍ مشخصة معروفة عند المخاطب فلا يصح مثلاً أن تطلب من شخصٍ أن يكرم الرجل ويتعاهد زيارته في الليل والنهار وهو لا يعرفه ولا يشخصه في الخارج بل لابد من
[23]مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: 788، تهذيب الأحكام: 6/ 52.
[24]وقد عقد الحر العاملي في مسائله باباً تحت عنوان باب استحباب زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين فراجع.
[25]وسيأتي بعد ذلك رأي شاذ سنناقشه أن المراد من الأربعين خصوص زيارة أربعين مؤمناً.
افتراضه شخصاً معهوداً عند الآمر والمخاطب معاً، وقد ورد نظير هذا الأمر في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً}([26]) فإن ال في (الرسول) للعهد لأنه معهود لدى المخاطب حيث سبق ذكره في الآية التي قبلها ومن هنا قسم النحاة لام العهد إلى ثلاثة أقسام وهي:
لام العهد الذهني
وهي التي يكون مصحوبها معلوماً ومعهوداً في الذهن، كقولهم «سيلقي الأستاذ محاضرة في الجامعة» فالمخاطب لابد أن يكون معهوداً في ذهنه عارفاً من هو ولابد أن تكون الجامعة كذلك معهودة في ذهنه عالماً بها.
لام العهد الذكري
وهي التي يكون مصحوبها مذكوراً سابقاً فتعرفه فيما بعد، كالآية التي تقدمت في سورة المزمل.
لام العهد الحضوري
وهي التي يكون مصحوبها حاضراً، كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...}([27]).
بعد هذا كله سوف يتضح لنا أن كلمة «أربعين» في الرواية عندما جاءت
[26]المزمل: 15 - 16.
[27]المائدة: 3
محلاة بالألف واللام العهدية الذهنية لاشك أنها تريد أن تشير إلى أربعين معينة مشخصة عند المتحدث والمخاطب وهي أربعينية سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام والتي أصبحت بدرجة من الشهرة والتشخيص في الواقع الإسلامي فضلاً عن الشيعي الموالي وبالتالي لا يجد المتلقي لهذا الحديث صعوبة في تطبيقها عليه وهو ما حصل عند كل من سمع بهذا الحديث قديماً وحديثاً.
النقطة الثانية
أن كلمة المؤمن في ضمن الثقافة الشيعية والفقهية تنصرف إلى خصوص الشيعي الموالي لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، يقول رسول جعفريان في مجلة تراثنا:
«وفي الوقت نفسه يجب ملاحظة نوع آخر من التمييز بين المسلم والمؤمن في كلام أهل البيت عليهم السلام حيث أطلق لفظ المؤمن على خصوص الشيعة وأطلق لفظ المسلم على الشيعة وعلى غيرهم، مثل هذه التقسيمات تراها واضحة في كلام الشيخ المفيد فيما يتعلق بتعريف دار الإيمان ودار الإسلام حيث كتب في دار الإيمان ودار الإسلام قائلاً: كل موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان وكل موضع غلب فيه الإسلام دون الإيمان فهو دار إسلام... صقع من بلاد الإسلام ظهرت فيه شرائع الإسلام دون القول بإمامة آل محمد أنّه دار إسلام لا دار إيمان»([28]) ومن هنا ميز فقهاؤنا في الأعم الأغلب استناداً إلى هذا الأمر في جواز إعطاء الحقوق الشرعية من
[28]منهاج الصالحين للسيد السيستاني: 1 / مسألة 1259.