ثانياً: أن الركب عموماً كان مستعجلاً في ذهابه وإيابه، حيث كانوا يستحثون الإبل والخيل باستمرار للوصول إلى الكوفة ثم إلى الشام في أقرب وقت وهذا يقتضي تذليل المدة وتقليلها بين العراق والشام، والغرض من هذا الاستعجال في الذهاب يختلف عما هو الغرض من الاستعجال في الإياب؛ لأن الاستعجال في الذهاب بحسب وجهة نظر هؤلاء الظلمة الذين كانوا معهم في السبا يحوطونهم وينقلونهم من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام، وذلك من أجل أن يوصلوا خبر الانتصار المزعوم والمشؤوم إلى عبيد الله بن زياد بأسرع وقت ممكن إلى يزيد بن معاوية (عليهم اللعنة أبد الآبدين).
أما الهدف من استعجالهم في الإياب فقد كان ذلك من قبل أهل البيت عليهم السلام حيث كانوا يريدون أن يتخلصوا من أعدائهم ومن أسرهم ويرجعوا إلى موطنهم إلى الكوفة أولاً ثم المدينة وبالتالي كانوا يستحثون الخيل والإبل، وبالتالي فإننا لا نتعجب أنهم وصلوا في غضون عشرة أيام أو اثني عشر يوماً أو حتى خمسة عشر يوماً.
وعليه سنة شهادة الحسين عليه السلام أمرٌ له ما يثبته كما قدمناه»([52]).
2 ـ القاضي الطباطبائي وإثبات يوم الأربعين
استدل الشهيد السعيد القاضي الطبطبائي على إمكانية ورود رجوع
[52]مضمون وملخص خطبة للمرجع السيد محمد صادق الصدر رحمه الله وهي الخطبة العاشرة والتي حملت عنوان (إثبات يوم الأربعين أو زيارة الأربعين) وقد نقلناه مع بعض التصرف والإضافات والتوضيحات.
أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء في يوم الأربعين وذلك في العشرين من شهر صفر بعدة نقاط وهي:
أ) ذكر السيد محسن الأمين (رحمه الله) في أعيان الشيعة: أن هناك طريقاً مستقيماً بين الطرق والشام يسلكه أعراب العُقيل في زماننا هذا خلال أسبوع واحد.
ب) وذكر السيد الأمين أيضاً: أن أعراب صليب - وهم من حوران الواقع في قبلة دمشق - كانوا يسيرون إلى العراق في مدة ثمانية أيام.
ج) لقد أتى خبر موت معاوية إلى الكوفة بعد مضي أسبوع من موته، ذكر المامقاني في تنقيح المقال عن الكشي بإسناده عن أبي خالد التّمار قال: كنت مع ميثم التّمار بالفرات يوم الجمعة فهبت ريح وهو في سفينة من سفن الرومان، قال: فخرج فنظر إلى الريح، فقال شدّوا برأس سفينتكم، إنّ هذه ريح عاصف، مات معاوية الساعة، قال: فلما كانت الجمعة المقبلة قدم بريد من الشام فلقيته فاستخبرته قلت: يا عبد الله ما الخبر؟ قال: الناس على حسن حال، توفي أمير المؤمنين وبايع الناس يزيد قال: قلت: أي يوم توفي؟ قال: يوم الجمعة.
ح) لقد كان موت معاوية في (15) رجب سنة 60 هـ، وخروج الحسين عليه السلام من المدينة في (28) من شهر رجب وتحقق في هذا الفاصل الذي هو عبارة عن (13) يوماً وصول القاصد وعدم بيعته عليه السلام مع أن الفاصلة بين الشام والحجاز أكثر منه إلى العراق.
خ) ذكر الطبري أن بسر بن أرطأة أمهل أبا بكر أن يذهب من الكوفة نحو الشام ويرجع خلال أسبوع فصار ذهابه وإيابه إلى بسر في سبعة أيام، فيعلم من ذلك أنه ذهب من الكوفة إلى الشام في ثلاثة أيام ونصف وكذا حال الرجوع.
د) في مسألة نجاة المختار من الحبس، ذهب عميرة حاملاً رسالة عبد الله ابن عمر زوج أخت المختار إلى يزيد وأخذ بكتاب استخلاصه منه وتوجه نحو الكوفة وسار الطريق في أحد عشر يوماً إلى أن وصل الكوفة.
ذ) خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة في الثامن من ذي الحجة، والفاصل بينهما وبين الكوفة ما يقارب (380) فرسخاً والإمام كان يسرع في السير ووصل إلى كربلاء في الثاني من محرم فتحصل أن مسيرته تمكنت أن تقطع المسافة الطويلة خلال (24) يوماً، فعلم من ذلك أنهم ساورا كل يوم ما يقارب (15) فرسخاً (مع أنه كان يقف في بعض الفراسخ).
ر) لقد صرّحت كثير من الكتب المعتبرة أن ورود أهل البيت عليهم السلام في الشام كان في الأول من صفر، منها ما ذكره أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية وأنهم توجهوا من الكوفة نحو الشام في حوالي العشرين أو الخامس عشر من محرم، ثم إنهم ساروا هذه المسافة في حدود عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً إلى أن وصلوا الشام، ورجوعهم في هذه المدة نحو العراق غير بعيد، مع أن أبا ريحان البيروني الذي كان عالماً بالأوضاع ومطلعاً على كيفية السير في ذلك الزمان ذكره ولم يستبعد ذلك ولم يرفضه.
ز) روى أن هارون الرشيد وأبا حنيفة كانا يستهلان هلال ذي الحجة في الكوفة أو بغداد وبعد رؤيتهما الهلال كانا يخرجان للحج.
س) روي الشيخ المفيد بإسناده عن خيزران الأسباطي قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فقال لي: ما خبر الواثق عندك؟ قلت: جعلت فداك خلفته في عافية، أنا أقرب الناس عهداً به، عهدي به منذ عشرة أيام فقال له: إنّ أهل المدينة يقولون إنّه مات: فقلت: أنا أقرب الناس به عهداً.
قال: فقال لي: إنّ الناس يقولون: إنّه مات، فلما قال لي: إنّ الناس يقولون... علمت أنه يعني نفسه»([53]).
والحق والإنصاف أنّ هذه النقاط التي ذكرها القاضي الشهيد الطباطبائي وأتعب نفسه في البحث والتنقيب عنها وحملها لإثبات يوم الأربعين هي نقاط مهمة وفيها إشارات واضحة على إمكانية قطع هذه المسافة بفترة زمينة يمكن من خلالها الميل والاطمئنان على وجود هذا الرجوع الشريف والمبارك لأهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء في العشرين من شهر صفر سنة 61 هـ.
3) جابر بن عبد الله الأنصاري ولقاءه أهل البيت عليهم السلام في الأربعين
روت المصادر التاريخية زيارة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري لقبر سيد الشهداء على نحوين:
[53]الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة تأليف محمد أمين الأميني: 6 / 310ـ313.
الأول: روى الطبري (الأمالي) في كتابه بشارة المصطفى بسنده عن عطية بن سعد بن جنادة الكوفي الجدلي قال: «خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم أتزر بإزار وارتدى آخر ثم فتح صرة فيها سعد فنشرها على بدنه ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى حتى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه، فخر على القبر مغشياً عليه فرششت عليه شيئاً من الماء فلما أفاق قال: يا حسين ثلاثاً ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه ثم قال وأنى لك بالجواب وقد شطحت أوداجك على اثباجك وفرق بين رأسك وبدنك فأشهد أنك ابن خاتم النبيين وابن سيد المؤمنين وابن حليف النفوس وسليل الهدى وخامس أصحاب الكساء...».
يقول: فلما صرنا في بعض الطريق قال لي: يا عطية هل أوصيك؟ وما أظن أني بعد هذه السفرة ملاقيك، أحبب محب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أحبهم وابغض مبغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أبغضهم وإن كان صواماً قواماً، وارتق بمحب محمد وآل محمد فإنه إن تزل له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أخرى بمحبتهم فإن محبهم يعود إلى الجنّة ومبغضهم يعود إلى النار»([54]).
وكما هو واضح أن هذه الرواية تتحدث عن وجود لقاء بين جابر وأهل البيت عليهم السلام ولكن الرواية في نفس الوقت لا تتحدث عن زمن هذه
[54]عماد الدين الطبري في كتاب بشارة المصطفى: 75.
الزيارة وهل كانت قبل أربعين الحسين عليه السلام أم كانت بعده؟ أم كانت في العشرين من صفر؟
الثاني: روى السيد ابن طاووس في كتابه اللهوف في قتلى الطفوف: «قال الراوي: لما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياماً...»([55]).
وهذه الرواية كما ترى تشير إلى لقاء جابر بن عبد الله الأنصاري مع أهل البيت عليهم السلام في يوم الأربعين من دون أن تذكر التفاصيل لهذا اللقاء.
ربَّ قائل يقول إنّ هناك تعارضاً بين رواية بشارة المصطفى ورواية اللهوف حيث لم تتعرض الأولى لذكر لقاء جابر بأهل البيت عليهم السلام بينما أشارت إليه الرواية الثانية فماذا تقولون؟
ويمكن الإجابة على مثل هذا الإشكال أو السؤال بأن نفترض أن زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري لقبر الحسين عليه السلام لم تكن واحدة بل كانت
[55]اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس: 1 / 114.
متعددة، فلربما وصل قبل يوم الأربعين وزار الحسين عليه السلام وبقي هناك أياماً كما هو المفترض والذي ينبغي أن يكون، وبالتالي حصلت له عند قبر الحسين عليه السلام أكثر من زيارة، فزيارة كانت مع عطية العوفي لوحدهما، وزيارة كانت لهما مع جماعة من بني هاشم ورجالات من آل الرسول جاءوا معهم لزيارة الحسين عليه السلام، وأخرى وافقت مع رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء وزيارة الحسين عليه السلام ومن ثم لقائه بالإمام زين العابدين، وبهذا يمكن الجمع بين هذه الروايات المتخالفة ظاهراً.
وختاماً نقول:
إن مسألة رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء يوم العشرين من صفر أو عدم رجوعهم في نفس هذا اليوم لا يؤثر على أهمية هذه الزيارة وآثارها العظيمة التي أخذت تتسع كلما اتسعت أعداد الملايين الزاحفة نحو الحسين عليه السلام حتى تحولت إلى ذكرى سنوية يهتم بها العالم بأسره.
وعليه فتكون مثل هذه المسألة خاضعة للبحث والدراسة في كل وقت فمن ثبتت عنده الأدلة فبها، وإن لم تثبت فبها أيضاً ولا يضر ذلك كما قدمنا على أهمية زيارة الأربعين واستحبابها فلها أدلتها الخاصة كما قدمناها قبل ذلك.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة