متعددة، فلربما وصل قبل يوم الأربعين وزار الحسين عليه السلام وبقي هناك أياماً كما هو المفترض والذي ينبغي أن يكون، وبالتالي حصلت له عند قبر الحسين عليه السلام أكثر من زيارة، فزيارة كانت مع عطية العوفي لوحدهما، وزيارة كانت لهما مع جماعة من بني هاشم ورجالات من آل الرسول جاءوا معهم لزيارة الحسين عليه السلام، وأخرى وافقت مع رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء وزيارة الحسين عليه السلام ومن ثم لقائه بالإمام زين العابدين، وبهذا يمكن الجمع بين هذه الروايات المتخالفة ظاهراً.
وختاماً نقول:
إن مسألة رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء يوم العشرين من صفر أو عدم رجوعهم في نفس هذا اليوم لا يؤثر على أهمية هذه الزيارة وآثارها العظيمة التي أخذت تتسع كلما اتسعت أعداد الملايين الزاحفة نحو الحسين عليه السلام حتى تحولت إلى ذكرى سنوية يهتم بها العالم بأسره.
وعليه فتكون مثل هذه المسألة خاضعة للبحث والدراسة في كل وقت فمن ثبتت عنده الأدلة فبها، وإن لم تثبت فبها أيضاً ولا يضر ذلك كما قدمنا على أهمية زيارة الأربعين واستحبابها فلها أدلتها الخاصة كما قدمناها قبل ذلك.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

الفصل الثاني
المشي في النصوص الإسلامية مطلقاً أو إلى الحسين عليه السلام خاصة
البحث الأول: المشي في القرآن والروايات
البحث الثاني: المشي إلى الحسين عليه السلام
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الأول
المشي في القرآن والروايات
المشي معناه الانتقال من مكان إلى مكان، وكما يقول ابن منظور: «المشي معروف مشى يمشي مشياً»([56]).
والمشي بهذا الاعتبار ليس فيه ما يدعوا إلى الذم أو المدح، ولكنه قد يتحول إلى عبادة يحصل عليه الإنسان على أجر وثواب ضمن شروط معينة ذكرتها النصوص الإسلامية.
وأجمل ما في ديننا أنه دين واقعي يعيش مع الإنسان في كل حركاته وسكناته، ولا يتركه حتى في الخلاء ومخدع الزوجية، فهو الملتزم الموجب والمانع الناهي له في بعض الأحايين والمرشد والناصح في أحايين أخرى في الكثير من الجزئيات التي قد يمرُّ بها مثل هذا الإنسان.
ومن جملة هذه الجزئيات المرتبطة بحياة الإنسان هي جزئية المشي والذي
[56]لسان العرب لابن منظور: 14/ مادة مشى.
يرتبط بالإنسان من أول يوم يضع فيه قدمه على الأرض، وبما أن الله عز وجل قد كلف الإنسان بإعمار الأرض والسير فيها كما في الآية الكريمة: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}([57])، وقوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([58])، فإن مثل هذا الإعمار يقتضي من الإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان ويسير ويمشي من جهة إلى جهة أخرى، فاقتضى ذلك وضع مجموعة من القواعد والإرشادات لهذا الإنسان تبين له آداب وسنن هذا المشي والسير في الأرض، وفي هذا الفصل نحاول أن نسلط الأضواء على النصوص الإسلامية قرآناً وسنة التي تناولت هذه الجزئية من جوانبها المتعددة وذلك لارتباط هذا الأمر بشكل كبير في طاعات الإنسان وعبادته بشكل عام وبالإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته بشكل خاص من خلال زيارتهم والسعي والمشي إليهم في هذا الطريق.
المشي في القرآن الكريم
تحدث القرآن عن المشي من جوانب متعددة، فمن جهة ذكر أن هذه الظاهرة وهي المشي تمثل نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان وغيره حيث أشار في بعض آياته إلى أن هذا الأمر غير مختص بالإنسان، يقول تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
[57]هود/ 61.
[58]الأنعام/ 11.
قَدِيرٌ}([59])، حيث أشار إلى أن بعض الموجودات تمشي على بطنها كالثعابين وبعضها يمشي على رجلين كالإنسان وبعضها يمشي على أربع كما عند الحيوانات كالأسد وغيره.
ومن جهة ثانية: أشار إلى أن هذا المشي بعضه مذموم وبعضه ممدوح نقلاً عن لقمان في وصيته لولده: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}([60]).
ولا شك ولا ريب أن هذا اللون من المشي مذموم أي أن يكون مشي الإنسان على نحو التبختر والاختيال أو على نحو شدة الفرح أو على نحو الأشر والبطر على اختلاف المعاني المفسرة لكلمة (مرح).
يقول ابن منظور في لسان العرب: «مرح: المرح: شدة الفرح والنشاط حتى يجاوزه قدره، وقد أمرحه غيره، والاسم المراح وقيل: المرح التبختر والاختيال وفي التنزيل {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا} أي متبختراً وقيل: المرح: الأشر والبطر ومنه قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ}([61])»([62]).
ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ
[59]النور/ 45.
[60]لقمان/ 18 - 19.
[61]غافر/ 75.
[62]لسان العرب لابن منظور: 15 / مادة مَرَحَ.
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}»([63])، وهذا ردّ عنيف وقاسٍ من الله عز وجل على ذلك المتكبر الماشي مشية المختال الفخور، حيث يقول له مهما دببت برجلك فلن تستطيع أن تشق الأرض تحت قدمك وإن كان دبيبك قوياً، ومهما تمطيت بعنقك فإنك لن تبلغ الجبال طولاً أي إنك لن تطول أكثر مما أنت عليه.
ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ...}([64]).
يقول ابن منظور: «كبب: كب الشيء يكبه، وكبكبه: قلبه... ورجل مكب ومكباب: كثير النظر إلى الأرض، وفي التنزيل العزيز: { أَفَمَنْ يَمْشِي...الخ}([65]).
ولا شك أن الإنسان الذي يمشي وهو مكبوب الوجه مقلوب إلى الأرض سوف لا يرى من أمامه ولا من حوله وبالتالي سوف يتعرض إلى ألوان من المهالك والمزالق.
ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}([66])، وذلك حينما تمشي المرأة وهي تضرب بقدمها الأرض حتى تسمع من إلى جانبها ما تحمل أرجلها من أساور وغيرها.
ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
[63]النساء/ 37.
[64]الملك/ 22.
[65]لسان العرب لابن منظور: 15/ مادة كَبَبَ
[66]النور/ 31.