البحث الأول
المشي في القرآن والروايات
المشي معناه الانتقال من مكان إلى مكان، وكما يقول ابن منظور: «المشي معروف مشى يمشي مشياً»([56]).
والمشي بهذا الاعتبار ليس فيه ما يدعوا إلى الذم أو المدح، ولكنه قد يتحول إلى عبادة يحصل عليه الإنسان على أجر وثواب ضمن شروط معينة ذكرتها النصوص الإسلامية.
وأجمل ما في ديننا أنه دين واقعي يعيش مع الإنسان في كل حركاته وسكناته، ولا يتركه حتى في الخلاء ومخدع الزوجية، فهو الملتزم الموجب والمانع الناهي له في بعض الأحايين والمرشد والناصح في أحايين أخرى في الكثير من الجزئيات التي قد يمرُّ بها مثل هذا الإنسان.
ومن جملة هذه الجزئيات المرتبطة بحياة الإنسان هي جزئية المشي والذي
[56]لسان العرب لابن منظور: 14/ مادة مشى.
يرتبط بالإنسان من أول يوم يضع فيه قدمه على الأرض، وبما أن الله عز وجل قد كلف الإنسان بإعمار الأرض والسير فيها كما في الآية الكريمة: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}([57])، وقوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([58])، فإن مثل هذا الإعمار يقتضي من الإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان ويسير ويمشي من جهة إلى جهة أخرى، فاقتضى ذلك وضع مجموعة من القواعد والإرشادات لهذا الإنسان تبين له آداب وسنن هذا المشي والسير في الأرض، وفي هذا الفصل نحاول أن نسلط الأضواء على النصوص الإسلامية قرآناً وسنة التي تناولت هذه الجزئية من جوانبها المتعددة وذلك لارتباط هذا الأمر بشكل كبير في طاعات الإنسان وعبادته بشكل عام وبالإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته بشكل خاص من خلال زيارتهم والسعي والمشي إليهم في هذا الطريق.
المشي في القرآن الكريم
تحدث القرآن عن المشي من جوانب متعددة، فمن جهة ذكر أن هذه الظاهرة وهي المشي تمثل نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان وغيره حيث أشار في بعض آياته إلى أن هذا الأمر غير مختص بالإنسان، يقول تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
[57]هود/ 61.
[58]الأنعام/ 11.
قَدِيرٌ}([59])، حيث أشار إلى أن بعض الموجودات تمشي على بطنها كالثعابين وبعضها يمشي على رجلين كالإنسان وبعضها يمشي على أربع كما عند الحيوانات كالأسد وغيره.
ومن جهة ثانية: أشار إلى أن هذا المشي بعضه مذموم وبعضه ممدوح نقلاً عن لقمان في وصيته لولده: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}([60]).
ولا شك ولا ريب أن هذا اللون من المشي مذموم أي أن يكون مشي الإنسان على نحو التبختر والاختيال أو على نحو شدة الفرح أو على نحو الأشر والبطر على اختلاف المعاني المفسرة لكلمة (مرح).
يقول ابن منظور في لسان العرب: «مرح: المرح: شدة الفرح والنشاط حتى يجاوزه قدره، وقد أمرحه غيره، والاسم المراح وقيل: المرح التبختر والاختيال وفي التنزيل {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا} أي متبختراً وقيل: المرح: الأشر والبطر ومنه قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ}([61])»([62]).
ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ
[59]النور/ 45.
[60]لقمان/ 18 - 19.
[61]غافر/ 75.
[62]لسان العرب لابن منظور: 15 / مادة مَرَحَ.
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}»([63])، وهذا ردّ عنيف وقاسٍ من الله عز وجل على ذلك المتكبر الماشي مشية المختال الفخور، حيث يقول له مهما دببت برجلك فلن تستطيع أن تشق الأرض تحت قدمك وإن كان دبيبك قوياً، ومهما تمطيت بعنقك فإنك لن تبلغ الجبال طولاً أي إنك لن تطول أكثر مما أنت عليه.
ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ...}([64]).
يقول ابن منظور: «كبب: كب الشيء يكبه، وكبكبه: قلبه... ورجل مكب ومكباب: كثير النظر إلى الأرض، وفي التنزيل العزيز: { أَفَمَنْ يَمْشِي...الخ}([65]).
ولا شك أن الإنسان الذي يمشي وهو مكبوب الوجه مقلوب إلى الأرض سوف لا يرى من أمامه ولا من حوله وبالتالي سوف يتعرض إلى ألوان من المهالك والمزالق.
ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}([66])، وذلك حينما تمشي المرأة وهي تضرب بقدمها الأرض حتى تسمع من إلى جانبها ما تحمل أرجلها من أساور وغيرها.
ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
[63]النساء/ 37.
[64]الملك/ 22.
[65]لسان العرب لابن منظور: 15/ مادة كَبَبَ
[66]النور/ 31.
الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا...الخ}([67])، حيث أشار إلى أن هذه العقوبة وهي (عقوبة الحرابة) تترتب على أولئك الساعين إلى الفساد في الأرض ومن جملة مصاديق هذا السعي المشي إلى هذا الفساد.
وأمّا المشي الممدوح
فمنه قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا}([68])، حيث أشار إلى أن هذا المشي المعبر عنه بالهون هو الناشئ من التواضع والدال على النفس العالية.
قال الخليل الفراهيدي: «الهَوْن: مصدر الهين في معنى السكينة والوقار»([69]).
وقطعاً ليس المراد بالهون هنا أن يكون مشي الإنسان كالمريض يرفع قدماً ويضع أخرى بهدوء تصنعاً ورياءً بحيث تراهم كأنهم يمثلون هذا الأمر أمام الناس تمثيلاً وهم أكثر الناس استعلاءً وتكبراً في طبيعتهم وتعاملاتهم.
لا ليس المراد بالهَوْن هذا بلا أدنى ريب، وإنما المراد به أن يكون مثل هذا الوقار وهذه السكينة نابعة حقيقة من إحساسهم بالتواضع أمام الناس لأجل الله عز وجل من دون جبر ولا فرض وإنما هي الطبيعة التي جبلَ عليها هؤلاء.
[67]المائدة/33.
[68]الفرقان/ 63.
[69]كتاب العين للفراهيدي: 4/ 92.
ومنه قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ...}([70]).
والمراد به ذلك الإنسان الذي يتحرك ضمن رؤية واضحة وطريق مستقيم لا يحيد عنها ولا يزيغ لأنه على بينةِ من ربّه، فهو من خلال هذا النور يسمع ويبصر وينطق بإذن الله وتوفيقاته.
ومن جهة ثالثة: أشار إلى آداب المشي ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا}([71])، يعني لا تمشِ مشية الخيلاء متكبراً جباراً عنيداً، فإن فعلت ذلك فإن الله سوف يبغضك لأنه يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}([72]).
ومنه قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}([73])، يعني أجعل مشيك مقتصداً ليس بالبطيء المثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلاً وسطاً بين بين، ومما يؤيد ذلك ما ذكره العلماء من أن أفضل أنواع المشي هو الوسط وهو أن لا تسرع كثيراً ولا تبطئ كثيراً كما قال الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة.
ومنه قوله تعالى في أدب مشي النساء: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}([74])، ووصف الله عز وجل مشية هذه البنت بهذا الوصف دليل على
[70]الأنعام/ 22.
[71]الإسراء/ 37.
[72]لقمان: 18.
[73]لقمان/ 19.
[74]القصص/ 25.
طيب خلقها وتدينها وأدبها حتى صارت مثالاً وقدوة تستحق الذكر في القرآن الكريم.
ومن جهة رابعة: تحدث عن أغراض المشي: كطلب الرزق أو التفكر في أحوال الماضين أو مجادلة المجادلين بالحق أو قضاء حاجة أو ما شاكل ذلك، من الجهات التي تعرّض لها القرآن الكريم.
المشي في الروايات
تماشياً مع ما ذكره القرآن الكريم حول المشي جاءت الروايات الكثيرة في نفس هذا الاتجاه، سواء من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة الطاهرين عليهم السلام وهم العدل الآخر الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع القرآن ولأهمية هذا الأمر ولكثرة الروايات التي وردت به فقد وضع علماء المسلمين أبواباً متعددة تحدثوا فيها عن أحكام المشي ومقاصده وآثاره، وحتى نعيش أجواء هذه الروايات، سوف أضع بين يدي القارئ الكريم بعض هذه النصوص:
1ـ الوضوء والمشي إلى المسجد
قال الترمذي في سننه في باب ما ذكر في فضل المشي إلى المسجد وما يكتب له من الأجر في خطاه:
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داوود قال أنبأنا شعبة عن الأعمش سمع ذكوان عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا
توضأ الرجل فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لا يخرجه أو قال لا ينهزه إلا إياها لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة»([75]).
عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله عز وجل بنور ساطع»([76]).
عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره»([77]).
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «مكتوبٌ في التوراة أن بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لمن تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزاير»([78]).
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «من أحسن الوضوء ثم مشى إلى المسجد فهو في صلاته ما لم يحدث»([79]).
2ـ فضل المشي إلى صلاة الجمعة والجماعة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن أحدكم
[75]تحفة الأحوزي للمباركفوري: أبواب السفر/ مسألة 603.
[76]غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريتي: 2/ 326.
[77]المصدر السابق: 2 / 327.
[78]ثواب الأعمال للشيخ الصدوق: 27.
[79]بحار الأنوار: 80 / 237.