المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}([1]).
أما بعد...
التاريخ يمثل ذاكرة الأمم وعقلها المتحرك ومن البديهي أن كل أمة لا تستطيع أن تتحرك إلا من خلال عقلها وذاكرتها، من هنا دأب الناس على دراسة التاريخ والتمعن فيه لأخذ العظات والعبر، ومن أجل ذلك تجد أن الأمة التي لا تملك تاريخاً تقف به أمام الأمم الأخرى مفتخرة تحاول جاهدة أن تصنع لنفسها تاريخاً حتى تقف به أمام الآخرين مرفوعة الرأس وحتى تعلم
[1]يوسف/ 111.
أجيالها أننا أمة نملك ثقلاً في عمق التاريخ، يقول أحمد شوقي:
اقرءوا التاريخ إذْ فيه العبرْ
ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبرْ
لاسيما وتاريخنا الإسلامي ممثلاً في خط أهل البيت عليهم السلام يحمل أجمل الصور وأرقى الدروس والعبر من تراث أغنى المكتبة الإسلامية في شتى المجالات العلمية والعبادية والاجتماعية وحتى الجهادية، ولقد كانت واحدة من الجوانب العظيمة في هذا التراث لأهل البيت عليهم السلام هو تلك المواقف الكبيرة والملاحم الشريفة التي جسدّها سيد الشهداء عليه السلام في واقعة الطف من مبادئ الإسلام وقيمه السامية والتي استطاعت أن تعري الباطل المتلبس بلباس الحق، الذي لو قُدِّر له أن يبقى لأتى على الحق وقضى عليه.
ولقد حاول الطغاة والظالمون عبر التاريخ إخماد هذه الحركة وآثارها الكبيرة في نفوس المؤمنين، وإخماد أصواتهم الناطقة باسم الحسين عليه السلام وإيقاف أقدامهم الزاحفة إلى مرقده الشريف فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وباءت كل محاولاتهم بالفشل والخذلان.
وما هذه الزيارة المليونية التي يتوجه فيها الناس إلى الحسين عليه السلام يوم الأربعين إلا رسالة يبعثها العاشقون للحسين والمحبون له إلى كل طغاة الأرض في غابرها وحاضرها أنّكم فشلتم في محاربتنا والقضاء علينا وأنّ الحسين عليه السلام قد انتصر منذ اليوم الأول لشهادته والى يومنا هذا حتى صار ملاذاً لكل أحرار العالم من المسلمين وغير المسلمين وأصبح عدوه لعنة وسُبّة في لسان الدهر إلى يوم القيامة.
ولاشك ولا ريب أن مثل هذه الصور الكبيرة والمواقف الجليلة لشيعة أهل البيت عليهم السلام في نصرة الحسين عليه السلام وبيان مظلوميته إلى العالم، وبهذا الشكل قد تحول إلى حدثٍ مفيد وفريد قلَّ أن يوجد في العالم مثيلٌ ونظيرٌ له.
وعليه فإنّ كل ذلك سيترك بلا شك في قلب المؤمن الموالي وعقله ومشاعره ألواناً من الأحاسيس والأفكار والرؤى والتصورات التي يود أن يكتبها ويوثقها دعماً لهذا العمل الجبار وإرفاداً لهذه المسيرة المباركة.
وعلى أساس ذلك جاء هذا البحث حول الأربعين والذي أسميته: (الأربعين وفلسفة المشي إلى الحسين عليه السلام) ليكون جامعاً - بقدر ما يستطيع - لهذه الأفكار والمشاعر والأحاسيس عسى أن يكون رافداً يمكن أن يرفد هذه المسيرة ولو بجزء مما لها من الحق الكبير علينا.
وقد بذلت جهدي أن أسلط الأضواء على المفاصل المهمة في زيارة الأربعين لاسيما بعد هذا التطور الهائل في أعداد زائريها، ابتدأ من 1. فضائل زيارتها 2. وفلسفة المشي فيها 3. والفوائد المترتبة عليها 4. وختمتها بمجموعة من الاقتراحات والأماني إلى من يهمه الأمر عسى أن تجد طريقاً لها على أرض الواقع.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
حيدر الصمياني
6/جمادى الأولى/ 1435هـ - 9/3/2013م
سدني - استراليا
التمهيد
وقبل أن ندخل في موضوع دراستنا أود أن أشير إلى نقطتين أساسيتين:
النقطة الأولى: التفريق بين استحباب زيارة الأربعين ورجوع السبايا
وهذه النقطة مهمة للغاية في الحديث عن كل من هذين الأمرين حيث أن منهج إثبات الحكم الشرعي بأنواعه الخمسة - من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة - مختلف بشكل كبير عن منهج إثبات القضايا التاريخية، وذلك لأن البحث في الأحكام الشرعية وأدلتها من الآيات والروايات إنما يراد منها أن تنتهي إلى التعذير أو التنجيز، وبعبارة أخرى أكثر وضوحاً، يراد من البحث الفقهي أن ينتهي إلى أن مثل هذا الأمر، هل هو واجب ملزم أولا؟ وبالتالي تثبت العقوبة بمخالفته أو أنه ليس كذلك.
ومن هنا تجد أن الفقهاء يتشددون دائماً في هذا الطريق حتى لا ينسبوا إلى الله جل وعلا ما ليس له وبالتالي يكونون مصداقاً لقول الله تعالى: {قُلْ
أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}([2]).
ومثل هذا التشدد لا يوجد في إثبات القضايا التاريخية، وعليه فإن من الخطأ الفادح أن يأتي البعض ويحاول أن يسأل عن صحة الرواية أو عدم صحتها في المسائل التاريخية، وهذا لاشك لا يعني بالضرورة، أننا نقبل كل ما كتبه المؤرخون ونتساهل في تصحيح الأحداث التاريخية لمجرد ذكرهم لها، وفي عين الوقت لا يعني ذلك أننا نرفض كل هذه الأحداث والمواقف التاريخية لأنها لم تكن روايتها مسندة وصحيحه على وفق المبنى الفقهي في التعامل مع الروايات.
فلربما كانت عندنا مثلاً عشرون رواية تتحدث عن قضية وحادثة تاريخية معينة وكل واحدة من هذه الروايات العشرين ضعيفة من حيث المستند الفقهي فهي أما تحتوي على رواة مجاهيل أو أنها مرسلة أو ما شاكل ذلك من الآفات التي قد تعترض الأخذ بالرواية من حيث السند، ولكنها في الوقت نفسه تمثل كل واحدة منها في باب تراكم القرائن واحتمالاتها درجة ضعيفة فإذا انضمت إليها الرواية الثانية أصحبت الدرجة الاحتمالية أكبر وهكذا حتى يتصاعد عندنا الكم التراكمي من القرائن والاحتمالات فنقبل حدثاً أو نرفضه وفقاً لتلك المعطيات التي قدمتها لنا هذه الروايات العشرون حتى وإن كانت من حيث السند ضعيفة.
ومثل هذا المنهج هو منهج عقلائي متبع في كثير من القضايا التي يعيشها
[2]يونس/ 59.
الناس لاسيما في أقسام الجرائم والجنايات ومحققيها، فإنهم لا يتركون كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالجريمة إلا وحفظوها وتمسكوا بها مهما كانت ضعيفة في نفسها ولا تثبت بنفسها أن تكون دليلاً مستقلاً ومع ذلك تبقى على مستوى تجميع القرائن والاحتمالات تمثل عنصراً مهماً يستعان به في رفع شبهة الاحتمالات أو تضعيفها، ولذلك تراهم يحفظون كل شاردة وواردة وكل جليل ودقيق فلربما كانت واحدة منها رأس الخيط كما يقال الذي ينفتح منه باب الحقيقة المجهولة. وعلى أساس ذلك لا يمكن لنا أن نضيع ونهمل التراث والكتب التاريخية وما حوته من مواقف وأحداث مهمة لأنها لم تكن صحيحة السند مثلاً، لاسيما في قضية الحسين عليه السلام ومقتله وما ناله ونال أهل بيته وأنصاره ونساءهم بعد ذلك من السبي وما رافقه من المصائب العظمى والكبرى.
وعلى وفق ما ذكرنا كانت كلمات العلماء تصب في نفس هذه الرؤية والمنهج الذي ذكرناه حيث كانوا يتشددون في الأحكام ولكنهم في الوقت نفسه يتساهلون في غيرها وبالتالي لا يضيعون من قضايا التاريخ شيئاً.
يقول الشهيد الثاني: جوز الأكثر العمل بالضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال لا في صفات الله والحلال والحرام وهو حسن حيث لا يبلغ حد الوضع والاختلاف لما اشتهر بين العلماء من التساهل بأدلة السنن...) ([3]).
[3]الرعاية: ص76.
وعلى أساس ما تقدم وحتى يكون البحث موضوعياً وعلمياً لابد لنا أن نفرق بين الأمرين معا.
بين أن نبحث يوم الأربعين كحدث تاريخي جرى وحصل فيه رجوع أهل البيت عليهم السلام من الشام إلى كربلاء وملاقاة جابر بن عبد الله الأنصاري.
وبين أن نبحث في يوم الأربعين عن استحباب زيارة الإمام الحسين عليه السلام فيه- بغض النظر عن ثبوت أو عدم ثبوت مجي أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء - ومن ثم شرعية ورجحان المشي إليه في هذه الزيارة.
ولا شك أن منهجنا في الأمر الأول سوف يختلف تماماً وبشكل كامل عن المنهج في الأمر الثاني.
حيث لا يمكن للمنهج الفقهي أن يتحرك في إطار الأحداث التاريخية إثباتاً ونفياً، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يتحرك المنهج التاريخي في إطار الحكم الشرعي، وبالتالي نسبة هذه الأحكام المنتجة إلى الله سبحانه وتعالى.
النقطة الثانية: ورود العدد (أربعين) في النصوص الإسلامية عامة والحسينية خاصة
لاشك ولا ريب أن هناك مجموعة من الأعداد ورد ذكرها في النصوص الإسلامية أكثر من مرة، كالعدد (100) و(70) و(40) و(33) و(34) ومما لا ريب ولاشك فيه أنّه لم يقل أحد من المسلمين أياً كان مذهبه ومشربه إنّ هذه الأعداد وردت على وجه الصدفة واللاقصد، وبالتالي لابد أن تكون هذه
الأعداد تحمل في نفسها أسراراً وخفايا وحكماً قد يتبين لنا منها شيء وتخفى علينا منها أشياء.
ومن هذه الأعداد التي تم التأكيد عليها في النصوص الإسلامية قرآناً وسنةً هو العدد (40) حيث تحدث عنه القرآن الكريم في أربعة مواضع وهي:
1. في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}([4]).
2. في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}([5]).
3. في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ}([6]).
4. في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}([7]).
وأما الروايات فقد حفلت كتب السنّة والشيعة بعشرات الروايات وهي تتحدث عن هذا العدد في مختلف المجالات العباديّة وغيرها، وسأكتفي بذكر بعض هذه الروايات مثالاً لا حصراً منها:
1ـ ما ورد في حفظ أربعين حديثاً
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً»([8]).
[4]البقرة/ 52.
[5]الأعراف/142.
[6]الأحقاف/ 15.
[7]المائدة/ 26.
[8]الكافي للكليني: 1 / 49، كنز العمال: 10/ 158.