بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 73

الصادق المتقدمة أنه قال: «ما عُبِد الله بشيء أفضل من المشي»، وفي رواية أخرى أنه قال عليه السلام: «ما عُبد الله بشيء مثل الصمت والمشي إلى بيته»([98])، فأن يكون المشي أفضل عبادة أو ما عبد الله بأفضل منه أو ما شاكل ذلك من التعابير فإنما يدل على خصوصية فيه دون سواه، ويؤيد ذلك عطف الإمام.

ثالثاً: ومما يشير إلى أهمية المشي خصوصاً دون مطلق السير أو الانتقال بالركوب أو غيره ما ورد عن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام أنّهما كانا يقولان: «لا نركب، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت الله الحرام على أقدامنا ولكننا نتنكب عن الطريق فأخذا جانباً من الناس»([99]).

كل هذا يشير وبشكل واضح لخصوصية في المشي والخطوات التي يخطوها الإنسان في هذا الاتجاه، وبالتالي حمل المرء كل ما ورد من الروايات على المشي المعهود دون غيره يكون هو الموافق لقواعد اللغة والمنسجم مع سياق الروايات لاسيما مع سيرهم عليهم السلام وتقريراتهم كما تقدم.

[98]ثواب الأعمال للشيخ الصدوق: 1 / 212.

[99]الإرشاد للشيخ المفيد: 1/ 250.


صفحه 74

البحث الثاني

المشي إلى الإمام الحسين عليه السلام

أورد العلامة الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة باباً خاصاً في استحباب المشي إلى زيارة الحسين عليه السلام وغيره أدرج فيه مجموعة من الروايات منها:

1ـ ما ورد عن الحسين بن علي بن ثوير بن أبي فاختة قال: قال لي أبو عبد الله: «يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة وحط بها عنه سيئة وإن كان راكباً كتب الله له بكل حافر حسنة وحط عنه بها سيئة، حتى إذا صار بالحائر كتبه الله من الصالحين، وإذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال له أنا رسول الله ربك السلام ويقول لك: استأنف فقد غفر لك ما مضى»([100]).

[100]وسائل الشيعة للحر العاملي: 14 / 439.


صفحه 75

أقول: وهذه الرواية واضحة الدلالة على فضيلة المشي المعهود إلى الحسين عليه السلام حيث ذكر الإمام قرينة لا تنصرف ألا وهي قوله «كتب الله له بكل خطوة حسنة... الخ».

ومما يزيد في الاطمئنان في هذا الحمل قوله عليه السلام بعد ذلك إذا لم يكن راكباً: «له بكل حافر حسنة...» حيث أرجع الثواب إلى خصوص خطوات المركوب كالحافر وما شاكل، مما يؤكد وجود خصوصية في هذا الوجه كما سنتحدث عنه في آخر هذا البحث.

2ـ عن بشير الدهان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسين عليه السلام فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنبه، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه فإذا أتاه ناجاه الله فقال: عبدي سلني أعطك ادعني أجبك...»([101]).

أقول: وهذه الرواية ورد فيها ما ورد في قبلها حيث قيدها الإمام؟ بالخطوات كما هو واضح والتي لا تنصرف إلا لخصوص المشي.

3ـ عن جابر المكفوف عن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله وهو يقول: «من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامشِ حافياً وامشِ مشي العبد الذليل، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعاً ثم أمشِ قليلاً ثم كبر أربعاً ثم ائتِ رأسه فقف عليه فكبر أربعاً وصل

[101]وسائل الشيعة للحر العاملي: 14/ 440.


صفحه 76

عنده وسَلْ الله حاجتك»([102]).

أقول: وهذه الرواية أوضح من سابقاتها حيث أشار أولاً إلى فضيلة المشي إلى الحسين عليه السلام أن بكلِّ خطوة كذا وكذا من الأجر ثم إذا وصل إلى الفرات عليه أن يعلق النعل ويكون المشي حافياً ولا يمكن حمل كل هذا إلا على المشي المعهود.

4ـ عن علي بن ميمون الصائف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «يا علي زر الحسين عليه السلام ولا تدعه، قلت: ما لمن زاره من الثواب؟ قال: من أتاه ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة وترفع له درجة...»([103]).

أقول: والحديث فيها كسابقاتها.

5ـ عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر عليه السلام في زيارة الحسين عليه السلام قال: «ما أتاه عبد فخطا خطوة إلا كتب الله له حسنة وحط عنه سيئة»([104]).

أقول: والاستدلال فيه كما مر سابقاً.

6ـ عن أبي سعيد القاضي قال: دخلت على أبي عبد الله في غرفة له فسمعته يقول: «من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة وبكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل...»([105]).

[102]وسائل الشيعة للحر العاملي: 14/ 440.

[103]نفس المصدر.

[104]نفس المصدر.

[105]نفس المصدر.


صفحه 77

أقول: وهنا ربما توجد قرينة واضحة في المراد من المشي حيث قال: «بكل قدم يرفعها ويضعها...» وهي لا تصدق إلا على المشي المعهود.

7ـ عن موسى بن عمر عن حسان البصري عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فقيل لي: أدخل، فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته فجلست حتى قضى صلاته، فسمعته يناجي ربّه ويقول:

«اللهم يا من خصنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة وخصّنا بالوصية وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقى وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ورجاءً لما عندك في صلتنا وسروراً أدخلوه على نبيك وإجابة منهم لأمرنا وغيضاً أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك، فكافئهم عنا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد وكل ضعيف من خلقك وشديد وشر شياطين الأنس والجن وأعطهم أفضل ما أملّوا منك في غربتهم عن أوطانهم وما أثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم. اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم يمنعهم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا اللهم إني أستودعك


صفحه 78

تلك الأبدان وتلك الأنفس حتى ترويهم على الحوض يوم العطش الأكبر»([106]).

أقول: وهذه الرواية تضمنت من الكلمات ما يحمل على المشي والسير على الأقدام دون سواه كقوله «أشخصوا أبدانهم» أي جعلوها مشخصة وهو ما يكون صدقة على مشي الأقدام أكثر، وقوله: «وغيضاً أدخلوه على عدونا» وهو ما يكون في المسير على الأقدام فيكون إدخال الغيظ على قلوب أعدائهم من جملة مصاديقه زحف الملايين إلى قبر الحسين عليه السلام كما هو الحاصل في وقتنا هذا.

وقوله: «اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم» كما بدأت الصيحات على منابرهم وفضائياتهم على عدم شرعية هذا العمل وسلبياته ومخالفته للشريعة الإسلامية وما شاكل ذلك، كل هذا حينما رأوا تلك الأقدام الواثقة بالله تسير إلى درب الحسين عليه السلام شوقاً وحباً.

وقوله: «فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس» والتغير إذا أردناه بشكله الكامل فهو الموجود عند الماشين على الأقدام دون الراكبين لاسيما إذا كانت مراكبهم كما في وقتنا هذا بمنتهى الراحة.

وقد يقول قائل ولماذا كل هذا الجهد والعناء في المشي؟

ولا أريد هنا أن أدخل في فوائد المشي المترتب على السير إلى الحسين عليه السلام، فسوف نسلط الأضواء على ذلك في الفصل القادم من خلال الحديث عن الفوائد المترتبة على زيارة الحسين عليه السلام في يوم

[106]كامل الزيارات لابن قولويه: 125 - 126.


صفحه 79

الأربعين ولكني أود أن أذكر نقاطاً أراها مهمة في الإجابة على مثل هذا التساؤل وهي:

1ـ لقد وردت الروايات الكثيرة كما تقدم قبل قليل في الحث على المشي إلى الطاعات كالمشي إلى المسجد والحج والعمرة، بل وكل عمل صالح كإصلاح ذات البين وما شاكل ذلك، ولاشك أن المشي إلى الحسين عليه السلام طاعة وعمل صالح فيكون داخلاً ضمن هذه الإطلاقات طمعاً في زيارة الأجر والثواب.

ومن هنا ترى أن المؤمنين كانوا سابقاً يحرصون أشد الحرص على المشي في طاعاتهم الى المساجد وأماكن العبادة ولا يزهدون في هذا الأجر، فلا يركبون السيارة إلا مع الحاجة أو وجود عذر أو أن يكون المشي شاقاً عليهم لبعده عن محل سكناهم.

2ـ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «إن أفضل الأعمال أحمزها»([107]).

والمراد من أحمزها يعني أشدها وأشقها على نفس الإنسان، ولا يخفى أن مثل هذا الحديث يمكن أن يصدق على كل الأعمال الصالحة المطلوبة من قبل المكلف من أجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

يقول الشيخ البهائي العاملي: «إن معنى الحديث أن كل عمل يمكن وقوعه على أنحاء شتى فأفضلها أحمزها كالصوم فإن وقوعه في الصيف أحمز

[107]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 67/ 237.


صفحه 80

منه في الشتاء وكالوضوء فإنه بالعكس وكإخراج الزكاة والصدقات في أيام الغلا وأيام الرخص إلى غير ذلك»([108]).

وعليه فإذا كانت زيارة أولياء الله والدعاء عندهم لاسيما سيد الشهداء مطلوباً شرعاً ومحثوثاً عليه في الروايات، فإن أفضل أنواع هذه الزيارة - ضمن القاعدة المتقدمة أفضل الأعمال أحمزها - هي الزيارة التي يسعى صاحبها إلى الحسين عليه السلام مشياً على القدم، وذلك لجليل الأجر وعظيم الثواب.

3ـ روى المسلمون في كتبهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار»([109]).

وقد فهم المسلمون من هذا الحديث أنه غير مختص في السعي والمشي إلى صلاة الجمعة وإن كان وارداً فيها، بل يمكن أن يشمل كل الأقدام التي يمكن أن تغبرَ في سبيل الله سواء أكان ذلك في الجهاد أم في طلب العلم أم حتى في طريق زيادة الإيمان كالذهاب إلى المسجد أو ما شاكل ذلك، ومما لا ريب فيه أن السعي والمشي إلى زيارة الحسين عليه السلام فيها كل هذه الثمرات المترتبة على اغبرار القدم في سبيل الله، فهو - كما سيأتي بعد ذلك - صرخة في وجه الظالمين والفاسدين، ناهيك عن الخضوع والخشوع والبكاء والإقبال على الله سبحانه وما شاكل ذلك من الأمور العظيمة التي يحصل عليها الزائرون إلى

[108]مفتاح الفلاح للشيخ البهائي العاملي: 33.

[109]كتاب صحيح الترغيب للألباني: 687.