بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 79

الأربعين ولكني أود أن أذكر نقاطاً أراها مهمة في الإجابة على مثل هذا التساؤل وهي:

1ـ لقد وردت الروايات الكثيرة كما تقدم قبل قليل في الحث على المشي إلى الطاعات كالمشي إلى المسجد والحج والعمرة، بل وكل عمل صالح كإصلاح ذات البين وما شاكل ذلك، ولاشك أن المشي إلى الحسين عليه السلام طاعة وعمل صالح فيكون داخلاً ضمن هذه الإطلاقات طمعاً في زيارة الأجر والثواب.

ومن هنا ترى أن المؤمنين كانوا سابقاً يحرصون أشد الحرص على المشي في طاعاتهم الى المساجد وأماكن العبادة ولا يزهدون في هذا الأجر، فلا يركبون السيارة إلا مع الحاجة أو وجود عذر أو أن يكون المشي شاقاً عليهم لبعده عن محل سكناهم.

2ـ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «إن أفضل الأعمال أحمزها»([107]).

والمراد من أحمزها يعني أشدها وأشقها على نفس الإنسان، ولا يخفى أن مثل هذا الحديث يمكن أن يصدق على كل الأعمال الصالحة المطلوبة من قبل المكلف من أجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

يقول الشيخ البهائي العاملي: «إن معنى الحديث أن كل عمل يمكن وقوعه على أنحاء شتى فأفضلها أحمزها كالصوم فإن وقوعه في الصيف أحمز

[107]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 67/ 237.


صفحه 80

منه في الشتاء وكالوضوء فإنه بالعكس وكإخراج الزكاة والصدقات في أيام الغلا وأيام الرخص إلى غير ذلك»([108]).

وعليه فإذا كانت زيارة أولياء الله والدعاء عندهم لاسيما سيد الشهداء مطلوباً شرعاً ومحثوثاً عليه في الروايات، فإن أفضل أنواع هذه الزيارة - ضمن القاعدة المتقدمة أفضل الأعمال أحمزها - هي الزيارة التي يسعى صاحبها إلى الحسين عليه السلام مشياً على القدم، وذلك لجليل الأجر وعظيم الثواب.

3ـ روى المسلمون في كتبهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار»([109]).

وقد فهم المسلمون من هذا الحديث أنه غير مختص في السعي والمشي إلى صلاة الجمعة وإن كان وارداً فيها، بل يمكن أن يشمل كل الأقدام التي يمكن أن تغبرَ في سبيل الله سواء أكان ذلك في الجهاد أم في طلب العلم أم حتى في طريق زيادة الإيمان كالذهاب إلى المسجد أو ما شاكل ذلك، ومما لا ريب فيه أن السعي والمشي إلى زيارة الحسين عليه السلام فيها كل هذه الثمرات المترتبة على اغبرار القدم في سبيل الله، فهو - كما سيأتي بعد ذلك - صرخة في وجه الظالمين والفاسدين، ناهيك عن الخضوع والخشوع والبكاء والإقبال على الله سبحانه وما شاكل ذلك من الأمور العظيمة التي يحصل عليها الزائرون إلى

[108]مفتاح الفلاح للشيخ البهائي العاملي: 33.

[109]كتاب صحيح الترغيب للألباني: 687.


صفحه 81

الحسين عليه السلام والتي لا يعيها إلا من انغمس في حب الحسين عليه السلام وعشقه واكتوى بنار الحبِّ لله عز وجل وأوليائه.

4ـ وبعد كل ذلك، فإن المشي إلى الحسين عليه السلام وتذكر مصائبه أثناء المسير ومصائب أهل بيته لاسيما مشيهم في هذه الطريق المؤلمة ومعهم النساء والأطفال وهم مربطون في الأغلال والحديد ينتقلون من ظالم إلى شر ظالم، إن تذكر الإنسان لكل ذلك والتفاعل معه ليُعدُّ من جملة موارد المواساة التي أمرنا أن نواسي بها أولياء الله عز وجل، بأن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم، وقد وصفوا شيعتهم ومحبيهم بهذا الوصف الجميل والمهم حيث قالوا: «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا»([110]).

سيرة علمائنا والمشي إلى زيارة الحسين عليه السلام

لقد كان لعلمائنا - رحم الله الماضين وأعزَّ الباقين منهم - الباع الطويل في حثِّ المؤمنين على زيارة الحسين عليه السلام في الأربعين وفي غيرها مشياً على الأقدام، وقد كانت من جملة أهمِّ الموارد التي عملوا عليها ودعوا الناس من خلالها مشيهم بأنفسهم الشريفة إلى زيارة المولى الشهيد عليه السلام مع كثرة مشاغلهم من تدريس وتأليف ورعاية شؤون هذه الطائفة، إضافة إلى كبر سنهم وشيخوختهم، وسوف أذكر للقارئ العزيز بعض أولئك الأعلام الذين تشرفوا بأقدامهم للسير إلى الحسين عليه السلام وهم:

[110]شجرة طوبى: 1 / 3.


صفحه 82

1ـ المحدث الكبير والفقيه الجليل الميرزا حسين النوري

قال أقا بزرك الطهراني وهو يتحدث عنه: «ومما سنه في تلك الأعوام زيارة سيد الشهداء على الأقدام، فقد كان ذلك في عصر الشيخ الأنصاري في سنن الأخيار وأعظم الشعائر، لكن تُرك في الأخير وصار من علائم الفقر وخصائص الأدنون من الناس، فكان العازم على ذلك يتخفى عن الناس لما في ذلك من الذل والعار، فلمّا رأى شيخنا ضعف هذا الأمر اهتم له والتزمه، فكان في خصوص زيارة عيد الأضحى يكتري بعض الدواب لحمل الأثقال والأمتعة ويمشي هو وصحبه، وفي السنة الأخيرة - يعني زيارة عرفة (139 هـ) وهي سنة الحج الأكبر، التي اتفق فيها عيد النيروز والجمعة والأضحى في يوم واحد، ولكثرة ازدحام الحجيج حصل في مكة وباء عظيم هلك فيه خلق كثير، تشرفت بخدمة الشيخ ماشياً أيضاً واتفق أنه عاد بعد تلك الزيادة إلى النجف ماشياً»([111]).

2ـ العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني

قال المرحوم الحاج حسين الشاكري: «وكثيراً ما كان يقصد زيارة سيد شباب أهل الجنة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه في كربلاء راجلاً طلباً لمزيد الأجر ومعه ثلة من صفوة المؤمنين من خُلصّ أصدقائه يقضي طريقه خلال ثلاثة أيام أو أكثر»([112]).

[111]نقباء البشر في القرن الرابع عشر لأغا بزرك الطهراني: 2 / 547 - 548.

[112]كتاب ربع قرن مع العلامة الأميني للحاج حسين الشاكري: 31.


صفحه 83

3ـ العلاّمة السيد المرعشي النجفي

قال أحد تلامذته مترجماً له: «حدثني يوماً لما كان في النجف الأشرف، تشرف بزيارة مولانا أبي عبد الله الحسين سيد الشهداء عليه السلام مشياً على الأقدام خمساً وعشرين مرة، وكان يزور مع مجموعة بلغ عددها عشرة أنفار من طلبة العلم آنذاك، وكانوا متحابين في الله سبحانه، منهم: السيد الحكيم والسيد الشاهرودي والسيد الخوئي وقال: كلنا أصبحنا من مراجع التقليد... وكانت أعمال السفرة الروحانية توزع علينا، وكان نصيبي مع آخر أن نجلب الماء للإخوان في كل منزل مهما كلف الأمر، وكان أحدنا يطبخ الطعام والآخر يهيء الشاي وهكذا كل واحد منا له وظيفته المعينة في السفر إلا السيد الشاهرودي فكان يقول: عليَّ أن أدخل السرور على قلوبكم خلال المسير وأهّون عليكم مشاقّ الطريق»([113]).

4ـ الفقيه والعارف السيد عبد الأعلى السبزواري

جاء في ترجمته: «فالسيد السبزواري وهو في سن العشرين من عمره خرج ماشياً من أرض النجف الأشرف إلى أرض كربلاء المقدسة لزيارة جده سيد الشهداء»([114]).

5ـ الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله

والسيد الشهيد الصدر وإن لم يشارك بنفسه الشريفة لظروف خاصة كان

[113]قبسات من حياة السيد المرعشي للسيد عادل العلوي: 24.

[114]كتاب العارف ذو الثفنات للسيد عدنان الجناز: 59.


صفحه 84

يعيشها، فقد كان من أشد الداعمين لهذه المسيرات الراجلة لسيد الشهداء، حيث جاء في ترجمة الشهيد الصدر الأول: «كان يقدم المال لزوار الحسين عليه السلام من المشاة وكان منهم (أي المشاة) السيد محمود الهاشمي وكان طلابه يذهبون إلى الزيارة مشياً وكان ذلك تحت مرآه، وكان قدس سره يشجع على زيارة الأربعين والذهاب إلى الحرم الحسيني المطهر مشياً على الأقدام وكان هو يتمنى ذلك ولكن الظروف المحيطة به لم تسمح له بذلك أبداً»([115]).

6ـ سماحة آية الله السيد النجفي القوجاني

يقول هذا السيد الجليل - وهو أحد أبرز تلامذة صاحب الكفاية وصاحب الكتابين الشهيرين سياحة في الغرب وسياحة في الشرق: «قررنا نحن الاثنين الذهاب إلى كربلاء، إلا أن حمى شديدة أصابتني فتناولت العشاء، وكالعادة التحفت بعباءتي ونمت فبدأ الألم يتصاعد في عظامي بشدة وانشغلت في عالم الفكر والخيال والمناجاة القلبية والمحادثة الروحية مع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قائلاً: لقد قطعت الفيافي والقفار تاركاً الأدوية التي كنت أستعين بها في حفظ صحتي، فلم يصبني أي بلاء ومرض، والآن وصلت تواً إلى تقبيل قدميك والوقوف تحت رايتك ودخلت حصن ديارك الحصين واسترحت من العناء وأمنت من الخوف والرعب في ديار الغربة هذه، مع ملازمتي للفقر والبؤس والسير على الأقدام غداً، فعلاوة على أنك لم تخفف

[115]محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة تأليف أحمد عبد الله أبو زيد العاملي: 2/ 280.


صفحه 85

شيئاً من أعباء قلبي، تضيف على أحمالها حمل هذا الألم، فديتك لقد أحسنت ضيافتك لنا، ولو لم تكن لي نية قطع ستة فراسخ من السير على الأقدام غداً، لم أعبأ بشيء من الألم والحمى ولم أتفوه بكلمة اعتراض وأنت تعلم مدى قدرتي على التحمل والصبر على الشدائد، ولكن ما الحيلة في الفراسخ الستة التي ينبغي أن أمشيها غداً إضافة إلى تمريض الميرزا حسن، فكّر أنت في أي ظروف أصابتني هذه الحمى؟

وبينما كنت غارقاً في أفكاري تصبب العرق مني فارتحت لذلك واستولى النوم عليّ، وفي الصباح نهضنا وبعد الزيارة شربنا الشاي وودعنا السيد الخطيب الذي غادر إلى سامراء بينما نحن اتجهنا إلى كربلاء وكنت لخفة روحي ونشاطي أحس كأنني لم أكن مصاباً بالحمى»([116]).

7ـ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم

شارك السيد المرجع بنفسه في المشي إلى الحسين عليه السلام من النجف إلى كربلاء في زيارة الأربعين وشارك معه جملة من طلابه وتلامذته في هذه المسيرة التي يحييها الملايين من الموالين والمحبين للإمام الحسين عليه السلام من داخل العراق وخارجه وقد نقلت هذه الأخبار على موقع السيد الحكيم في الأنترنيت وأجهزة التلفاز المختلفة إضافة إلى بعض الجرائد والمجلات وذلك في سنة 1434 هـ.

[116]سياحة في الشرق للسيد أحمد النجفي القوچاني: 189 - 190.


صفحه 86

وهكذا الكثير الكثير، ولو أردنا أن نستقصي أسماء العلماء والشخصيات الإسلامية الكبيرة في سالف الزمان وحاضره لاحتاج الأمر إلى كتاب مستقل لكثرتهم وذكرياتهم وكراماتهم في هذا الطريق، ولكن فيما ذكرناه مثالاً لا حصراً لمجموعة من مراجعنا الدينية كفاية {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}([117]).

[117]سورة ق/ 37.