الفوائد الاجتماعية
ومن أمثلة هذه الفوائد ما يلي:
1ـ الشعور بالأخوّة الإيمانية الموالية
يقول السيد محمد الشيرازي وهو يتحدث عن أبعاد القضية الاجتماعية وظروفها للإنسان من خلال مشاعر الأخوة الإنسانية والإيمانية التي يحملها في نفسه تجاه الآخرين: «الإنسان بفطرته مدني بالطبع وتميل نفسه إلى الاجتماعات والتآلف مع الآخرين والركون إلى الجماعة والاختلاف بها وهذا سبب تكوين المدنية وإنشاء المدن والمجتمعات الكبيرة. وهذا الميل عبارة عن غريزة فطرية موجودة في الإنسان الساعي سعياً دائباً مستمراً لإشباع غرائزه، فميله نحو التوطن ضمن مجموعة من الناس والعيش معهم عبارة عن إشباع لغريزته هذه وتكوين الأسرة أيضاً صورة أخرى من صور إشباع الغريزة الاجتماعية وغريزة الاجتماع تؤمن للإنسان حسن الألفة والاختلاط البشري ومنافع أخرى».
ولا شك أن مثل هذه المشاعر الاجتماعية التي يشعر بها الإنسان تجاه أخيه الإنسان أيّاً كان، تزداد وتكبر في ظل أجواء الإيمان والعلاقات الدينية، ولاشك ولا ريب أن السائرين في درب الحسين عليه السلام يعيشون هذه الأحاسيس بأعلى صورها وأشكالها حيث الود والأمن والأمان والسلام وكلمات الأخوة المعبرة عن عمق القضية الإيمانية في نفوسهم، ومثل هذا الأمر مطلوب ومراد من قبل الشارع المقدس لأن فيه نمو وزيادة وتطور عُرى التآلف والمحبة فيما بين أبناء المسلمين فضلاً عن الموالين لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام.
وقد أشارت جملة من الروايات إلى ضرورة شعور المؤمن بأخوته الإيمانية للآخرين وسأذكر بعض هذه الروايات تيمناً وتبركاً وإلا فالروايات في هذه المجال كثيرة جداً منها:
أ) عن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي فقال: «نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت عليه هذه لأنّها منها»([119]).
ب) عن علي بن رئاب عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه
[119]الأصول من الكافي للكليني: 166.
السلام يقول: «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة: وإن روح المؤمن لأشد اتصالاً من اتصال شعاع الشمس بها»([120]).
ج) عن حفص بن البحتري قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ودخل عليه رجل فقال لي: أتحبه؟ فقلت: نعم. فقال لي: ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك»([121]).
2ـ الشعور بالإعزاز بالانتماء إلى الحسين عليه السلام
وأنت تسير إلى جانب الملايين من الناس متجهين إلى الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تشعر بالفخر والاعتزاز- بأنك تنتمي إلى المدرسة الربانية التي من أئمتها ومدرسيها أبو عبد الله الحسين عليه السلام،- وتنتابك مشاعر جليلة القدر تفقه من خلالها لماذا تمشي في هذا الطريق مبتهجاً؟ ولماذا ترفع الأقدام وتضعها سروراً؟، ولسان حالك مع الآخرين يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}([122]).
ولا شك ولا ريب أن مثل هذا الاهتداء نعمة كبيرة يتوجب على المؤمنين شكرها ليلاً ونهاراً بل وأن يبالغوا في شكر هذه النعمة، بأن خصَّهم
[120]الأصول من الكافي للكليني: 166.
[121]نفس المصدر.
[122]الأعراف/ 43.
الله دون غيرهم أن صاروا من الحازنين على الحسين عليه السلام والباكين عليه والمواسين له بكل شيء والمتقربين إلى جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في مودة أهل بيته عليهم السلام كما أرادها يقول الله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}([123]).
وقد نقل الهيثمي في مجمع الزوائد عن أحمد بن حنبل في مسنده وعن أبي يعلى والبزاز والطبراني وصرّح بأن رجال الحديث ثقات، في بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سيجري عليه وتألمه لذلك([124]).
وقد روى العلامة المجلسي في بحاره عن بعض المؤلفات لأحد ثقات معاصريه: «أنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة عليها السلام بقتل الحسين عليه السلام وما يجري عليه من المحن بكت فاطمة عليها السلام بكاءً شديداً وقالت: يا أبت متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خالٍ مني ومنك ومن عليّ عليه السلام فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبت فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي عليهم السلام ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي عليهم السلام ويجحدون العزاء جيلاً بعد جيل في كل سنة، فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من بكى منهم على مصاب الحسين عليه السلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة»([125]).
[123]الشورى/ 23.
[124]انظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 187.
[125]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 44 / 292.
3ـ التكافل الاجتماعي وزيارة الأربعين
ربما لا يحتاج المرء كثيراً للحديث عن الآثار العظيمة والكبيرة التي تتركها زيارة الأربعين لاسيما عند الماشين إلى الحسين عليه السلام، من تحويل قلوبهم - الخاشعة والخاضعة والمتيّمة بحب الله ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته - إلى قلوب ملؤها العزم والإرادة - وبأعلى صورها وأشكالها - لرفع مشاكل المؤمنين من زائري سيد الشهداء بل وحتى من غيرهم، والصور التي رأيناها بأم أعيننا جميعاً وسمعنا وقرأنا عنها كثيرة جداً بحيث تحتاج إلى دراسة خاصة مستقلة لجمع مفرداتها ودراستها والاستفادة منها.
فمع أن أعداد الزائرين قد وصلت إلى الملايين لاسيما في هذا العام (1435 هـ) حيث بلغت الأعداد إلى عشرين مليوناً حسب تصريحات رسمية لبعض المؤسسات، لم يكن هناك من ادعى من الزائرين أنه بقى بلا طعام أو شراب أو منام أو ما شاكل ذلك، بل أن بعض الزائرين كان يقول: إنّنا في مسيرة الحسين عليه السلام يوم الأربعين وقبل ذلك وبعده كنا نأكل ونشرب ونرتع بأنواع النعم والخيرات ما لم يتيسر لنا مثلها في سائر أيام وشهور السنّة.
ونتيجة لهذه الأموال التي يتم التبرع بها لزوار الحسين عليه السلام في مثل هذه المناسبة والسخاء المنقطع النظير فيها أنشئت مؤسسات خدمية ترعى شؤون المؤمنين المعوزين في نفس هذه الأيام العظيمة في شهر صفر وفي غيرها من خلال رعاية أيتامهم وتكفل بيوتات الفقراء منهم وإرسال المرضى إلى أماكن علاجية داخل وخارج العراق وتقديم المساعدات لهم وما إلى ذلك.
ولا ريب أن مثل هذا الأمر لم يكن لو لا هذه العواطف الجيّاشة التي يحملها الزائرون وهم يسيرون إلى أبي الأحرار تجاه عشاق الحسين عليه السلام ومحبيه والذين يعبر عنهم في روايات أهل البيت عليهم السلام أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الرواية التي يرويها الطبرسي في الاحتجاج بإسناده عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قال: حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه، يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى»([126]).
4ـ الشعور بالمساواة عند السائرين للحسين عليه السلام
وهذا الأمر نعيشه جميعاً حينما ننظر إلى يميننا وشمالنا ونحن نسير إلى الحسين عليه السلام، حين يكون معنا العالم المجتهد والخطيب البارع والطبيب المحب والمهندس والمدرس ورئيس القبيلة والفلاح والعامل وغيرهم كلهم سائرون في سمت وجهة واحدة على اختلاف أعمارهم وأجناسهم حيث الرجال والنساء والكهولة والشبيبة والطفولة يلهجون بكلمة واحدة «لبيك يا حسين».
لاشك أن هذا الشعور سوف يضفي على الإنسان الشعور بأهمية
[126]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 2 / 2.
إنسانيته، وأنّ الناس مهما تفاضلوا بالمال والجاه والمنزلة الاجتماعية وما إلى ذاك فإن التفاضل الحقيقي يبقى هو الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي يحملها الإنسان في قلبه ومشاعره وبالتالي يمشي ويسير إلى جانب أخيه المؤمن أيّاً كان ماله ومنزلته وشهادته العلمية فيكون هو الثابت الباقي وكل ما عدا ذلك يكون زائلاً منتقلاً.
5ـ الظهور صفاً واحداً أمام أعداء الحسين عليه السلام
إذا كان الله عز وجل قد دعانا أن نقف صفاً واحداً أمام أعداء الإسلام بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}([127])، فإن أبرز مظاهر ومصاديقِ هذا الصف المرصوص ما نراه من وقوف المؤمنين بعضهم إلى جانب بعض رجالهم ونسائهم وهم يسيرون إلى الحسين عليه السلام ولاشك أن مثل هذا التعبير يريد أن يشير إلى أن الجدار كما يصعب دفعه وكسره لأنه مكون من لبنات مفردة ولكنها متماسكة بقوة الاتحاد فيما بينها فاكتسبت قوة جديدة إلى قوتها: فهكذا الموالون السائرون إلى الحسين عليه السلام فهم كتلة واحدة لا يمكن ثنيها وتفتيتها لأنهم صاروا صفاً واحداً في حب الحسين عليه السلام كأنهم بنيان مرصوص وهذا هو سر من أسرار بقاء هذه الشعيرة عبر التاريخ رغم ما تعرضت له من ضربات شديدة من قبل الظالمين والناصبين، كما يصنعون في هذا العصر كآبائهم من خلال التفجيرات الإرهابية التي يتصورون جهلاً منهم أنهم قادرون من خلالها
[127]الصف/ 4.
على إنهاء هذه الظاهرة الربانية المؤيدة بكرامات الله ودماء المؤمنين.
6ـ تعارف الناس ولقاؤهم
لقد كانت واحدة، من جملة أهداف الإسلام التي سعى لها ودعى إليها هي التعارف بين الشعوب والقبائل ومد جسور التواصل النافع والتعاون على البر لا مع الموالفين فقط من المسلمين وحتى مع غيرهم ممن يخالفنا في الدين قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([128])، وذلك ضمن هذا الهدف السامي والنبيل الذي أراده الله سبحانه وتعالى لبني البشر قاطبة حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([129])، وإذا كان الله عز وجل قد ندبنا إلى هذا الهدف الكبير وهو التعارف فإن من مصاديقه التي يمكن للإنسان أن يراه بشكل واضح وصريح هي هذه المسيرات المليونية للناس إلى الحسين عليه السلام، التي يتخللهم فيها أبناء البلد ومئات الآلاف من خارج البلد من العرب كالكويت والبحرين ولبنان وسوريا وغيرها ومن غير العرب كإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها. ناهيك عن دول شرق آسيا كاندنوسيا فضلاً عن أوربا وأمريكا واستراليا.
[128]سورة الممتحنة:8
[129]سورة الحجرات:13