بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 112

بشكل مكتوب ، فرفضت ذلك بصراحةٍ ووقاحةٍ ! وقد روى البخاري هذه الحادثة في ست أماكن من صحيحه !! وروت المصادر أن عمر افتخر في خلافته ، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب !!

وغرضنا هنا أن نلفت الى أن ورود هذا التركيب في أكثر رواياتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة ، يخالف الأسلوب النبوي ، وتعبيره المبتكر في الوصية بهما معاً .. خاصةً وأن الترمذي رواهما معاً !

والنتيجة أن بشارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملأمته في حجة الوداع بالائمة الإثني عشر ، ووصيته بالثقلين ، وجعله عترته الطاهرين علياً وفاطمة والحسن والحسين عدلاً للقرآن في وجوب الإتباع ، أمرٌ ثابتٌ في مصادر جميع المسلمين .. لا ينكره إلا من يريد أن يتعصب لقبيلة قريش ، في مقابل الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس ( إعلان علي ولياً للأمة من بعده ) فهو صريح حديث الغدير ، ولا يتسع موضوعنا لذكر أسانيده ونصوصه ، ودلالتها على ذلك .. وقد تكفلت بذلك المصادر الحديثية والكلامية ، ومن أقدمها كتاب ( الولاية ) للطبري السني ، ومن أواخرها كتاب الغدير للعلامة الأميني.

وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس ( تأكيدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعلى أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر ) فقد تقدم ذكره في فقرات الأساس الثاني ، وقد اعترف الفخر الرازي وغيره في تفسير قوله تعالى(أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)بأن غير المعصوم لا يمكن أن يأمرنا الله تعالى بطاعته بدون شرط ، لأنه يكون بذلك أمرَ بالمعصية ! فلا بد أن يكون أولوا الأمر في الآية معصومين .. وكذلك الحديث النبوي الشريف في حجة الوداع ، وغيرها.

وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس ( تخليدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممكان تعاهد قريش على حصار بني هاشم ) فقد رواه البخاري في صحيحه : ٥ / ٩٢ قال :


صفحه 113

عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنهقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله ، الخيف ، حيث تقاسموا على الكفر. انتهى.

ورواه في : ٤ / ٢٤٦ و : ٨ / ١٩٤ ورواه في : ٢ / ١٥٨ ، بنص أوضح ، فقال :

عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنهقال قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى : نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر. يعني بذلك المحصب ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب ، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم !!. انتهى.

ورواه مسلم : ٤ / ٨٦ ، وأحمد : ٢ / ٣٢٢ و ٢٣٧ و ٢٦٣ و ٣٥٣ و ٥٤٠

ورواه البيهقي في سننه : ٥ / ١٦٠ ، بتفاوت وقال ( أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي ) وقد رواه مسلم عن الأوزاعي ، ولكن البخاري لم يروه عنه ، بل عن أبي هريرة ، ولم نجد في طريقه الأوزاعي ، فهو اشتباهٌ من البيهقي ، أو سقطٌ من نسخة البخاري التي بأيدينا.

وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة ( أن لا يناكحوهم ، ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

كما أن في رواياتهم تفاوتاً في وقت إعلان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمللمسلمين عن مكان نزوله في منى ، فرواية البخاري تذكر أنه أعلن ذلك في منى بعد عرفات ، بينما تذكر رواية الطبراني أنه أعلن ذلك في مكة قبل توجهه الى الحج .. وهذا أقرب الى اهتمامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبالموضوع ، وحرصه على تركيزه في أذهان المسلمين ، خاصةً أنه نزل في هذا المنزل ، وبات فيه ليلة عرفات ، وهو في طريقه اليها ، وقد تقدم ذلك في رواية الدارمي ، ثم نزل فيه طيلة أيام التشريق ! قال في مجمع الزوائد : ٣ / ٢٥٠ :

عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم : منزلنا غداً إن شاء الله بالخيف الأيمن ، حيث استقسم المشركون. رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله ثقات. انتهى.


صفحه 114

والمسألة المهمة هنا : هي هدف الرسول أن يذكِّر قريشاً والمسلمين بحادثةٍ عظيمة وقعت فيهذا المكان ، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلك اليوم فقط ! هذه الحادثة التي تريد قريش أن تدفنها وأن ينساها الناس ، ويريد الله ورسوله أن تخلد في ذاكرة المسلمين والتاريخ ، وكلها عارٌ على قريش ، وفخرٌ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموبني هاشم .. وهي صورةٌ عن جهود فراعنة قريش ، حيث استطاعوا أن يحققو إجماع قبائلهم ، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بتنفيذ مقاطعة تامة على بني هاشم !!

وقد نفذوها لسنين طويلة وضيقوا عليهم اقتصادياً واجتماعياً تضييقاً تاماً ، حتى يتراجع محمد عن نبوته ، أو يسلمه بنو هاشم الى قريش ليقتلوه !!

وقد اعتبر الفراعنة يومذاك أنهم نجحوا نجاحاً كبيراً وحققوا إجماع قريش وكنانة على هذا الهدف الشيطاني ، وكان مؤتمرهم لذلك في المحصب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا باللات والعزى على هدفهم ، وبدؤوا من اليوم الثاني بتنفيذه ، واستمر حصارهم ومقاطتهم نحو أربع سنوات الى قبيل هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن مكة !!

وقد تضامن بنو هاشم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممسلمهم وكافرهم وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذى والإهانة ، في شعب أبي طالب ، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين .. حتى فرج الله عنهم بمعجزة !

لقد أراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن يوعي المسلمين الجدد على تاريخ الإسلام ، وتكاليف الوحي ، ليعرفوا قيمته .. ويوعيهم على معدن الإسلام ومعدن الكفر ليعرفوهما !

كما أراد أن يبعث بذلك رسالةً الى بقية الفراعنة ، الذين ما زالوا أحياء من زعماء قريش ، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار ، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه ، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم في فتح مكة تحت سيوف الأنصار وسيوف بني هاشم ، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل .. وها هم اليوم يخططون لوراثة دولة الإسلام التي بناها الله تعالى ورسوله ، وهم كارهون !!

لقد أهلك الله تعالى عدداً قليلاً من أبطال ذلك الحلف الشيطاني ، من سادة


صفحه 115

مؤتمر خيف المحصب ، بالموت ، وبسيف علي بن أبي طالب .. ولكن العديد مثل سهيل بن عمرو ، وأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ، وغيرهم من زعماء قريش وكنانة .. مازالو أحياءً ينظرون ، وكانوا حاضرين مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي حجة الوداع يسمعون كلامه ويذكرون ماضيهم بالأمس القريب جيداً ، ويتعجبون من عفوه عنهم واكتفائه بإقامة الحجة الدامغة عليهم !

وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية ، ومنطق الأمور ، وشهادة أهل البيت ، ومجرى التاريخ .. تدل على فرحهم بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلميعلن قرب موته ورحيله عنهم ، وأنهم يعدون العدة لما بعده لحصار بني هاشم الجديد !!

فأراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن يذكرهم بخطتهم في حصارهم القديم ، وكيف أحبطه الله تعالى ! وأنه سيحبط حصارهم الجديد أيضاً !!

وأما المبدأ السابع من هذا الأساس ( تحذيره قريشاً أن تطغى من بعده وتفسد ) فقد ذكرته أحاديث مصادرنا ، وذكرته رواية الهيثمي المتقدمة في مجمع الزوائد عن فهد بن البحيري ، الذي استمع على مايبدو الى خطبة يوم عرفة ونقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقوله ( يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة ، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً ) انتهى.

ونشكر الله تعالى أن فهدا البحيري هذا كان بدوياً ، ولم يكن قرشياً ولا كنانياً ، وإلا لوضع هذه الرواية في رقبة بني هاشم ، وأبعدها عن قريش ، كما فعل الرواة القرشيون ! فجعلونا نقرأ في مصادر إخواننا السنيين عشرات الأحاديث ( الصحيحة ) في تحذير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملبني هاشم وبني عبد المطلب وذمهم !! وعشرات الأحاديث في مدح قريش ووجوب أن تكون القيادة فيهم !! ولا تجد فيها حديثاً في ذم قريش إلا وقد أحبطوا معناه بحديث آخر ، أو حولوه الى مدحٍ لقريش !!


صفحه 116

وحديث ابن البحيري في حجة الوداع تحذيرٌ نبويٌّ لقريش في محله تماماً .. لأن قريشاً ذات موقع مميزٍ في العرب .. وهي المتصدية لقيادة عرب الجزيرة في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمومن بعده .. فالخطر على أهل بيته من قريش وحدها .. والتحريف الذي يخشى على الإسلام .. والظلم الذي يخشى على المسلمين إنما هو من قريش وحدها .. وبقية الناس تبعٌ لها !

والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمإنما هو مبلغٌ عن ربه ، ومقيمٌ لحجة ربه ، وعليه أن يحذر وينذر ، ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة.

وأما المبدأ الثامن من هذا الأساس ( تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة ) فقد روته مصادر الجميع بصيغتين : مباشرة ، وغير مباشرة ..

أما غير المباشرة فهي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وقد تقدم في نصوص الخطب أن ابن ماجة عقد في سننه : ٢ / ١٣٠٠ باباً تحت هذا العنوان وقال فيه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم( استنصت الناس فقال ... ويحكم أو ويلكم ، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ... فلا تقتتلن بعدي ).

وهذا يعني أن ذلك سوف يقع منهم ، وقد أخبرهم أنهم سيفعلون ، ولكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلماستعمل كل بلاغته وكل عاطفته ، وكل موجبات الخوف والحذر .. ليقيم الحجة عليهم لربه عز وجل ، حتى إذا وافوه يوم القيامة لا يقولوا : لماذا لم تحذرنا !

والذين يحذرهم من الإقتتال ليسوا إلا الصحابة لا غير .. لا غير .. لا اليهود ولا القبائل العربية ، ولا حتى زعماء قريش بدون شركائهم من الصحابة ..

فالدولة الإسلامية كانت قائمة ، وقد حققت مركزيتها على كل الجزيرة ، والخوف من الإقتتال بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمليس من القبائل التي خضعت للاسلام طوعاً أو كرهاً ، مهما كانت كبيرةً وموحدةً مثل هوازن وعطفان .. فهي لا تستطيع أن تطمح الى قيادة هذه الدولة ، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح ، إلا بواسطة الصحابة ..


صفحه 117

واليهود قد انكسروا وأجلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقسماً منهم من الجزيرة ، ولم تبق لهم قوة عسكرية تذكر .. ومكائدهم وخططهم مهما كانت قويةً وخبيثةً ، فلا حظَّ لها في النجاح إلا .. بواسطة الصحابة ..

وزعماء قريش ، مع أنهم يملكون جمهور قبائل قريش ، فهم لا يستطيعون أن يدعوا حقاً في قيادة الدولة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملأنهم كلهم طلقاؤه ، يعني كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمالحق في أن يقتلهم ، أو يتخذهم عبيداً ، فاتخذهم عبيداً وأطلقهم .. فلا طريق لهم للقيادة إلا بواسطة العدد الضئيل من الصحابة ، من القرشيين المهاجرين ..

وبذلك يتضح أن تحذيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن الصراع بعده على السلطة ، ينحصر بالصحابة المهاجرين ، ثم بالأنصار فقط .. وفقط !!

وهنا يأتي دور التحذير المباشر ، الذي لا ينقصه إلا الأسماء الصريحة .. وقد جاء هذا الإعلان النبوي على شكل لوحةٍ من الغيب ، عن النتيجة والمصير الذي يمشي اليه هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرِّفون !

لوحةٌ أخبره بها جبرئيلعليه‌السلامعن الله تعالى ، يومَ يجعل الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمرئيس المحشر ، ويعطيه جبرئيل لواء الحمد ، فيدفعه النبي الى علي بن أبي طالب ، فهو حامل لوائه في الدنيا والآخرة ، ويكون جميع أهل المحشر تحت قيادة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.. ويفتخر به آدمعليه‌السلام، حتى يدعى أبا محمد ..صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ويعطي الله تعالى رسوله الشفاعة وحوض الكوثر ، فيفد عليه الوافدون من الأمم فيشفع لهم ويعطيهم بطاقة للشرب من حوض الكوثر ، ليتغير بذلك الكأس تركيبهم الفيزيائي ، وتصلح أجسادهم لدخول الجنة ، والخلود في نعيمها ..

وعندما يفد عليه أصحابه تحدث المفاجأة :

يأتي النداء الالهي بمنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن الشفاعة لهم ، ومنعهم من ورود الحوض ، ويؤمر ملائكة العذاب بأخذهم الى جهنم !!

هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة على لسان أصدق الخلق !!


صفحه 118

إنه صورةٌ رهيبةٌ ، جاء بها جبرئيل الأمين ، لكي يبلغها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمالى الأمة في حجة الوداع !!

إنها أعظم كارثةٍ على صحابةِ أعظم رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.. ولا بد أن سببها أنهم سوف يوقعون في أمته من بعده أعظم ... كارثة !!

ولا ينجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل ( همل النعم ) كما في روايات محبيهم الصحيحة بأشد شروط الصحة .. وهو تعبيرٌ نبويٌّ عجيب ، لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل الفالتة من القطيع ، الخارجة على راعيه ! وهو يدل على أن قطيع الصحابة في النار ، وهملهم الذي يفلت منهم ، يفلت من النار الى الجنة !!

بل ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن الصحابة الجهنميين زمرتان ، مما يدل على أنهم خطان من صحابته لاخطٌ واحد ، وتقدم قول الحاكم عن حديثه : صحيحٌ على شرط الشيخين ، وفيه ( ثم أقبلت زمرةٌ أخرى ، ففعل بهم كذلك ، فلم يفلت إلا كمثل النعم !! )

إنها مسألةٌ مذهلةٌ .. صعبةُ التصور والتصديق ، خاصةً على المسلم الذي تربى على حب كل الصحابة ، وخير القرون ، والجيل الفريد ، وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .. وعلى الصور واللوحات الرائعة للصحابة ، التي كبر معها وكبرت معه .. فإذا به يفاجأ بهذه الصورة الشيطانية المخيفة عنهم !!

لو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملقالوا عنه إنه عدوٌّ للإسلام ولرسوله يريد أن يكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول ..صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولكن المتكلم هو .. الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.. بعينه .. بنفسه .. وكلامه ليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه ، حتى تقول قريش إنه يتكلم في الرضا والغضب ، وكلامه في الغضب ليس حجة .. بل هو وحيٌ نزل عليه من رب العالمين !!

إنها حقيقةٌ مرةٌ .. ولكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوةً كما نشتهي .. وأن يكون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا ، مطابقاً لموروثاتنا ؟!

وماذا نصنع إذا كانت أحاديث الصحابة المطرودين ، المرفوضين ، الممنوعين من


صفحه 119

ورود الحوض مستفيضةٌ في الصحاح ، وهي في غير الصحاح أكثر .. وهي تصرح بأنه لا ينجو منهم إلا مثل الهمل !!

ـ قال الجوهري في الصحاح : ٥ / ١٨٥٤

والهمل بالتحريك : الإبل التي ترعى بلا راع ، مثل النفش ، إلا أن النفش لا يكون إلا ليلاً ، والهمل يكون ليلاً ونهاراً. يقال : إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل.

وتركتها هملاً أي سدى ، إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهاراً بلا راع.

وفي المثل : اختلط المرعي بالهمل. والمرعي الذي له راع. انتهى.

ولكن السؤال هو : لماذا طرح الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمموضوعهم في حجة الوداع ؟!

الجواب : لأن الله تعالى أمره بذلك ، فهو لا ينطق عن الهوى ، ولا علم له من نفسه بما سيفعله أصحابه من بعده ، ولا بما سيجري له معهم يوم القيامة !!

والسؤال الآخر : وماذا فعل الصحابة بعد الرسول ؟ هل كفروا وارتدوا كما يقول الحديث ؟ هل حرفوا الدين ؟ هل اقتتلوا على السلطة والحكم ؟!

والجواب : إقبل ما يقوله لك نبيكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، واسكت ، ولا تصر رافضياً !

والسؤال الآخر : لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب في التحذير ، ولم يهلك هؤلاء الصحابة ، الذين سينحرفون ، أو يأمر رسوله بقتلهم ، أو يكشفهم للمسلمين ليحذروهم !

والجواب : هذه سياسته سبحانه وتعالى في إقامة الحجة كاملة على العباد ، وترك الحرية لهم .. ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة .. ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون .. فهو سبحانه مالكهم له حق سؤالهم ، وهو لا يفعل الخطأ حتى يحاسب عليه .. وهو أعلم ، وغير الأعلم لا يمكنه أن يحاسب الأعلم ويسأله !

والسؤال الآخر : ماذا كان وقع ذلك على الصحابة والمسلمين ؟! ألم يهرعوا الى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمليحدد لهم الطريق أكثر ، ويعين لهم من يتبعونه بعده ، حتى لا يضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون ؟!