لشخص آخر ، أو ينكر ولاءه وسيده الذي أعتقه ، ويدعي أن ولاءه لشخص آخر !
فهذا هو معنى ( من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه ) !
والجواب : أن مقصود النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبالأبوة في هذه الأحاديث الشريفة : أبوته هو المعنوية للأمة ، وبالولاء : ولايته وولاية أهل بيته عليها ، وليس مراده الأبوة النسبية وولاء المالك لعبده !
والدليل على ذلك : لو أن ولداً هرب من أبيه ، وسجل نفسه باسم والدٍ آخر ، ثم تاب من فعلته وصحح هويته ، واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء جميعاً يفتون بأن توبته تقبل !
ولو أن عبداً مملوكاً هرب من سيده ولجأ الى شخص ، وادعى أنه سيده ، وبعد مدة رجع الى سيده واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء يفتون بأن توبته تقبل.
بينما الشخص الملعون في كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلممصبوبٌ عليه الغضب الالهي الى الأبد ! ( فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ). والصرف هو التوبة ، والعدل الفدية ، وقد فسرتهما الأحاديث الشريفة بذلك.
فهذه العقوبة الإلهية المذكورة في خطب حجة الوداع ، إنما تصح لحالات الخيانة العظمى ، مثل الإرتداد وشبهه ، ولا يعقل أن تكون لولدٍ جاهلٍ يدعو نفسه لغير أبيه ، أو لعبدٍ مملوكٍ أو مظلومٍ يدعو نفسه لغير سيده !
ويؤيد ذلك أن بعض رواياتها صرحت بكفر من يفعل ذلك ، وخروجه من الإسلام ! كما في سنن البيهقي : ٨ / ٢٦ ، ومجمع الزوائد : ١ / ٩٧ ، وكنز العمال : ٥ / ٨٧٢. وفي كنز العمال : ١٠ / ٣٢٤ ( من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. أحمد عن جابر ).
ـ وفي / ٣٢٦ ( من تولى غير مواليه فليتبوأ بيتاً في النار. ابن جرير عن عائشة )
ـ وفي / ٣٢٧ ( من تولى غير مواليه فقد كفر. ابن جرير عن أنس ).
ـ وفي : ١٦ / ٢٥٥ ( ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على رسوله. ش )
ولا نحتاج الى تتبع هذه الأحاديث في مصادرها وأسانيدها ، لأنها مؤيداتٌ لحكم العقل القطعي بأن مقصودهصلىاللهعليهوآلهوسلملا يمكن أن يكون الأب النسبي ، ومالك العبد.
ويؤيد ذلك أيضاً : أن بعض رواياته كالتي مرت آنفاً وغيرها من روايات أحمد ، ليس فيها ذكر للولد والوالد ، بل اقتصرت على ذكر العبد الذي هو أقل جرماً من الولد ومع ذلك زادت العقوبة واللعنة عليه ، ولم تخففها !
ويؤيد ذلك أيضاً : أن هذه اللعنة وردت في بعض روايات الخطب الشريفة ، بعد ذكر ما ميز به الله تعالى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل بيتهعليهمالسلاممن مالية خاصة هي الخمس ، وحرم عليهم الصدقات والزكوات !
ـ ففي مسند أحمد : ٤ / ١٨٦
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فقال : ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، وأخذ وبرةً من كاهل ناقته ، فقال : ولا ما يساوي هذه ، أو ما يزن هذه. لعن الله من ادعى الى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه. انتهى.
ورواه في كنز العمال : ٥ / ٢٩٣ ، وفي كنز العمال : ١٠ / ٢٣٥ ( ومن تولى غير مواليه ، فليتبوأ بيتاً في النار. ابن عساكر عن عائشة ) انتهى.
أما في مصادر أهل البيتعليهمالسلامفالحديث ثابتٌ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي خطب حجة الوداع في المناسك .. وهو أيضاً جزءٌ من حديث الغدير ..
ـ ففي بحار الأنوار : ٣٧ / ١٢٣
عن أمالي المفيد ، عن علي بن أحمد القلانسي ، عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرحمان بن صالح ، عن موسى بن عمران ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن زيد بن أرقم قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبغدير خم يقول : إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، لعن الله من ادعى الى غير أبيه ، لعن من تولى الى غير مواليه ، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر ، وليس لوارث وصية.
ألا وقد سمعتم مني ، ورأيتموني .. ألا من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
ألا وإني فرطكم على الحوض ومكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة ، فلا تسودوا وجهي.
ألا لأستنقذن رجالاً من النار ، وليستنقذن من يدي أقوامٌ.
إن الله مولاي ، وأنا مولى كل مؤمن ومؤمنة.
ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. انتهى.
وروى نحوه في / ١٨٦ ، عن بشارة الإسلام.
ـ وقال ابن البطريق الشيعي في كتابه العمدة / ٣٤٤
وأما الأخبار التي تكررت من الصحاح من قول النبىصلىاللهعليهوآلهوسلم: لعن الله من انتمى الى غير أبيه ، أو توالى غير مواليه ، فهي من أدل على الحث على اتباع أمير المؤمنينعليهالسلاموالأمر بولائه دون غيره ، يريد بقوله : من تولى غير مواليه يعني نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلموعلياًعليهالسلامبعده ، بدليل ما تقدم من الصحاح من غير طريق ، في فصل مفرد مستوفى ، وهو قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه ، ثم قال مؤكداً لذلك : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله.
فمن كان النبىصلىاللهعليهوآلهوسلممولاه فعلي مولاه ، ومن كان مؤمناً فعلي مولاه أيضاً ، بدليل ما تقدم من قول عمر بن الخطاب لعلي لما قال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال له عمر : بخٍ بخٍ لك يا علي ، أصبحت مولى كل مؤمن و مؤمنة. وفي رواية : مولاي ومولى كل مؤمنة ومؤمن.
وهذه منزلة لم تكن إلا لله سبحانه وتعالى ، ثم جعلها الله لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلمولعليعليهالسلامبدليل قوله تعالى :إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون...
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: من انتمى الى غير أبيه فالمراد به : من انتمى الى غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلامفي الولاء ، مأخوذٌ من قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملعليعليهالسلام: أنا وأنت أبوا هذه الأمة ، فعلى عاق والديه لعنة الله. انتهى.
كما ورد في مصادر الفريقين أن هذا الحديث جزءٌ مما كان مكتوباً في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالذي ورَّثه لعليعليهالسلام.. فقد رواه البخاري في صحيحه : ٤ / ٦٧ ، ومسلم : ٤ / ١١٥ ، و ٢١٦ ، بعدة روايات ، والترمذي : ٣ / ٢٩٧ .. ورواه غيرهم أيضاً ، وأكثروا من روايته ، لأن الراوي ادعى فيه على لسان عليعليهالسلامأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملم يورث أهل بيته شيئاً من العلم ، إلا القرآن وتلك الصحيفة المعلقة في ذؤابة السيف !!
وقد وجدنا أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأطلق هذه اللعنة في مناسبة رابعة ، عندما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وتصاعد عملهم مع المنافقين ضد أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلموقالوا : ( إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا ، أي مزبلة ) فبلغ ذلك النبي فغضب ، وأمر علياً أن يصعد المنبر ويجيبهم !!
ـ فقد روى في بحار الأنوار : ٣٨ / ٢٠٤
عن أمالي المفيد ، عن محمد بن عمر الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن موسى بن يوسف القطان ، عن محمد بن سليمان المقري ، عن عبد الصمد بن علي النوفلي ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الأصبغ بن نباتة قال :
لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة ، وجماعة معنا ، فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال : يقول لكم أميرالمؤمنين : انصرفوا الى منازلكم ، فانصرف القوم غيري فاشتد البكاء من منزله فبكيت ، وخرج الحسن وقال : ألم أقل لكم : انصرفوا ؟ فقلت : لا والله ياابن رسول الله لا تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أنصرف حتى أرى أمير المؤمنينعليهالسلام.
قال : فبكيت ، ودخل فلم يلبث أن خرج فقال لي : أدخل ، فدخلت على أميرالمؤمنينعليهالسلامفإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته وبكيت.
فقال لي : لا تبك يا أصبغ ، فإنها والله الجنة.
فقلت له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير الى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين. جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله ، فإني أراك لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً ، قال :
نعم يا أصبغ : دعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلميوماً فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ، ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي عليَّ صلاةً كثيرة ، ثم تقول :
أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى الى غير أبيه أو ادعى الى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره.
فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمصلاةً كثيرةً ، ثم قلت :
أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي ، على من انتمى الى غير أبيه ، أو ادعى الى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره.
قال : فلم يتكلم أحدٌ من القوم إلا عمر بن الخطاب ، فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ، ولكنك جئت بكلامٍ غير مفسر ، فقلت : أُبْلِغُ ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فرجعت الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفأخبرته الخبر ، فقال : إرجع الى مسجدي حتى تصعد منبري ، فاحمد الله وأثن عليه وصل علي ، ثم قل :
أيها الناس ، ما كنا لنجيئكم بشيء إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم. انتهى.
وقد وجدنا لهذا الحديث مناسبة خامسة أيضاً ، فقد روى فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره / ٣٩٢ قال : حدثنا عبد السلام بن مالك قال : حدثنا محمد بن موسى بن
أحمد قال : حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال : حدثنا الحكم بن سنان الباهلي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث ، واحتج به على الناس.
قالت : نعم ، أخبرني أبي أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلموقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك.
قال : فأطرق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطويلاً ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشيء ، وإن أمرت به أعلمتكم.
قال : فنزل جبرئيلعليهالسلامفقال : يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة :قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى.
قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء ، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد الطلب.
قال : فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمالى علي بن أبي طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى الى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار.
قال : فقام رجلٌ وقال : يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم. فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفأخبره ، فقال رسول الله : ويلٌ لقريشٍ من تأويلهن ، ثلاث مرات ! ثم قال : يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين. انتهى.
* *
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الرابعحاجة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ رسالاتهم الى حماية الناس
ارتكب المنظرون للخلافة القرشية من المحدثين والمفسرين ، خطأين أساسيين في تفسير آية التبليغ ، فشوهوا بذلك معناها :
الخطأ الأول ، في مفهوم تبليغ الأنبياءعليهمالسلامومنهم نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم.
والخطأ الثاني ، محاولتهم إخفاء واقع قريش بعد الفتح ، وإبعاد الآية عنها ، وأن يصوروا للمسلمين أن قريشاً المشركة منجم الفراعنة وأتباعهم ، قد تحولت بين عشية وضحاها ، الى قبيلة مسلمةٍ مؤمنةٍ تقيةٍ ، تقود الناس بالإسلام والهدى !
معنى التبليغ في القرآن
مفهوم التبليغ في القرآن مفهومٌ بسيط ، فتبليغ الرسل يعني بيانهم الرسالة الإلهية للناس .. ثم الناس بعد ذلك مختارون في أن يقبلوا ، أو يتولوا ، وحسابهم على الله تعالى ، وليس على أنبيائه !
ومن هذا الأساس العميق تتفرع عدة مبادئ :
أولاً : أن النبي يحتاج الى ضمان حرية التعبير عن الرأي ، لكي يتمكن من إيصال رسالة ربه الى العباد وإبلاغهم إياها. وقد كان ذلك مطلب الأنبياءعليهمالسلامالأول من أممهم.