ابن أبي حاتم والثعلبي وأمثالهما من المفسّرين والمحدّثين من أهل السُنّة في تفسيرها وبيان سبب نزولها ، يقول : « فمن ادّعى أنّ القرآن يدلّ على أنّ إمامة عليّ ممّا أُمر بتبليغه فقد افترى على القرآن »[1].
مع أنّ استدلال الإمامية بأحاديث القوم مطابق للقاعدة المقرّرة في البحث والمناظرة ; لأنّهم ملزَمون بما يروونه ، بخلاف استدلالاتهم في مقابلة الإمامية ; لأنّ أحاديثهم ليست بحجّة عند الإماميّة حتّى لو كانت مخرّجة في ما يسمّونه بالصحيح .
فانظر من المفتري ؟ !
محاولات يائسة وبما ذكرنا يظهر سقوط تمحّلات المتعصّبين لصرف الآية المباركة عن الدلالة على ولاية أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام .
وهناك محاولاتٌ عمدتها :
1 - الأخذ بالسياق .
2 - الأحاديث المروية في قبال حديث نزولها في أمير المؤمنين يوم الغدير .
ولا بُدّ قبل الدخول في البحث من أن نعلم بأنّ الآية المباركة من
[1]منهاج السُنّة 7 / 47 .
سورة المائدة ، وأنّ هذه السورة هي آخر ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم باتّفاق الفريقين .
فلاحظ : تفسير القرطبي ، وتفسير الخازن ، والإتقان في علوم القرآن 1 / 26 - 52 ، وغيرها من كتب العامّة .
وفي تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي - بسند صحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّها نزلت قبل أن يقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشهرين أو ثلاثة[1].
وقال العيّاشي في تفسيره : إنّها أخر ما نزل من القرآن .
وحينئذ نقول : كما جعل الأوّلون آية التطهير ضمن آيات زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، واتّخذ أتباعهم ذلك أساساً للقول بنزولها في الزوجات ، كذلك الحال في آية التبليغ فقد وضعت في سياق آيات الكلام مع اليهود والنصارى ، ثمّ جاء اللاحقون واستندوا إلى سياق الآية فراراً من الإذعان للحقيقة :
قال الرازي : « اعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت ، إلاّ أنّ الأَولى حمله على أنّه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأنّ ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير ،
[1]تهذيب الأحكام 1 / 361 .
لمّا كان كلاماً مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها »[1].
وكأنّ الرازي قد غفل عن أنّ الآية في سورة المائدة ، وهي إنّما نزلت في أُخريات حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حين لم يكن يهاب اليهود ولا النصارى ولا قريشاً ، وأنّ السياق إنّما يكون قرينةً إذا لم يكن في مقابله نصّ معتبر ، وقد صرّح الفخر الرازي نفسه بأنّ نزول الآية في فصل أمير المؤمنين عليه السلام هو قول ابن عبّاس والبَراء بن عازب والإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام ، في حين أنّه لم يعضّد القول الذي حمل الآية عليه - ولا غيره من الأقوال التي ذكرها - بقول أيّ أحد من الصحابة .
وأمّا الأحاديث التي يروونها في المقام في مقابلة حديث نزول الآية المباركة في الإمام عليه السلام ، فإن شئت الوقوف عليها فراجع تفسير الطبري والدرّ المنثور للسيوطي - ولعلّ الثاني هو أجمع الكتب لها - وستجدها متناقضة فيما بينها ، فضلا عن كونها مردودة بإجماع الفريقين على نزول سورة المائدة في الأيّام الأخيرة من حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل
[1]تفسير الرازي 12 / 50 .
وابن مردويه وابن عساكر ، عن ابن عبّاس ، قال : « كان النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يُحرس ، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه .
فقال : يا عمّ ! إنّ قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث » .
أورده السيوطي في ذيل الآية المباركة ، وهو - إن كان له علاقة بنزول الآية المباركة - خبر مكذوب ; لأنّه يفيد نزولها في مكّة ، وهو قول مردود بالإجماع .
وما أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عبّاس ، قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : أيّ آية أُنزلت من السماء أشدّ عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيّام موسم ، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم ، فنزل علَيَّ جبرئيل فقال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .
قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيّها الناس ! من ينصرني على أن أُبلّغ رسالة ربّي ولكم الجنّة ؟
أيّها الناس ! قولوا : لا إله إلاّ اللّه وأنا رسول اللّه إليكم ، تنجحوا ولكم الجنّة .
قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلاّ يرمون علَيّ بالتراب
والحجارة ، ويبصقون في وجهي ، ويقولون : كذّاب صابئ ! فعرض علَيّ عارض فقال : يا محمّد ! إن كنت رسول اللّه فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك .
فقال النبي صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : اللّهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك .
فجاء العبّاس عمّه فأنقذه منهم وطردهم عنه .
قال الأعمش : فبذلك تفتخر بنو العبّاس ، ويقولون : فيهم نزلت ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) هوى النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم أبا طالب ، وشاء اللّه عبّاس بن عبد المطّلب » .
قلت :
وآيات الكذب على هذا الحديث لائحة .
ومن الأحاديث المذكورة في ذيل الآية : أحاديث أنّ أصحابه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانوا دائماً يحرسونه ، حتّى نزلت الآية المباركة ففرّقهم :
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير ، قال : « لمّا نزلت ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) إلى قوله : ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : لا تحرسوني ! إنّ ربّي قد عصمني » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن عبد اللّه بن شقيق ، قال : « إنّ
رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم كان يتعقّبه ناس من أصحابه ، فلمّا نزلت ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فخرج فقال : أيّها الناس ! الحقوا بملاحقكم ، فإنّ اللّه قد عصمني من الناس » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ ، عن محمّد بن كعب القرظي ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ما زال يُحرس ، يحارسه أصحابه ، حتّى أنزل اللّه ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فترك الحرس حين أخبره أنّه سيعصمه من الناس .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل ، عن أبي ذرّ ، قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم لا ينام إلاّ ونحن حوله من مخافة الغوائل ، حتّى نزلت آية العصمة : ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن عصمة بن مالك الخطمي ، قال : « كنّا نحرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بالليل حتّى نزلت ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فترك الحرس » .
قلت :
وهذه الأحاديث ليس فيها ذكر سبب نزول الآية ، ولا تعارض حديث نزولها يوم الغدير في عليٍّ عليه السّلام .
وبهذه الأحاديث يردّ ما زعموا من نزولها في أعرابي أراد قتله وهو نائم تحت شجرة ، ورووا فيه حديثاً عن محمّد بن كعب القرظي ، مع ما
هنالك من قرائن الكذب !
وممّا ذكره القوم في ذيل الآية ما جاء في تفسير الإمام أبي الحسن الواحدي : « وقال الأنباري : كان النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يجاهر ببعض القرآن أيّام كان يمكّة ، ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من شرّ المشركين إليه وإلى أصحابه »[1].
وهذا كذب بلا شك ولا ريب ! لكنّ العجيب أن ينسب هذا القول إلى الإماميّة ، كما في تفسير القرطبي ، حيث قال : « وقبّح اللّه الروافض حيث قالوا : إنّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم كتم شيئاً - ممّا أوحى اللّه إليه - كان بالناس حاجة إليه »[2]، وكما في شرح القسطلاني : « قالت الشيعة : إنّه قد كتم أشياء على سبيل التقيّة »[3].
فانظر كيف يفترون على اللّه والرسول ، ثمّ لمّا التفتوا إلى قبحه نسبوه زوراً وبهتاناً إلى غيرهم . . وكم له من نظير ! ! وإلى اللّه المشتكى ، وهو المستعان .
قلت :
وثمّة أحاديث يروونها بتفسير الآية المباركة غير منافية للصحيح
[1]التفسير الوسيط 2 / 208 .
[2]تفسير القرطبي 6 / 157 .
[3]إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 10 / 210 .
في سبب نزولها إ لم نقل بجواز الاستدلال بها كذلك ، باحتمال أنّ الراوي لم تسمح له الظروف بالتصريح بنزولها في يوم الغدير ، أو صرّح وحُرّف لفظه ، كالحديث التالي :
أخرج أبو الشيخ ، عن الحسن : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، قال : إنّ اللّه بعثني برسالة ، فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي ، فوعدني لأُبلغنّ أو ليعذّبني ، فأنزل : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) » .
والحديث : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد ، قال : « لمّا نزلت : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) ، قال : يا ربّ ! إنّما أنا واحد كيف أصنع ؟ ! يجتمع عليّ الناس ! فنزلت : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) » .
هذا موجز الكلام على هذه الآية ، وبه الكفاية لمن أراد الهداية ، واللّه وليّ التوفيق .