وابن مردويه وابن عساكر ، عن ابن عبّاس ، قال : « كان النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يُحرس ، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه .
فقال : يا عمّ ! إنّ قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث » .
أورده السيوطي في ذيل الآية المباركة ، وهو - إن كان له علاقة بنزول الآية المباركة - خبر مكذوب ; لأنّه يفيد نزولها في مكّة ، وهو قول مردود بالإجماع .
وما أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عبّاس ، قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : أيّ آية أُنزلت من السماء أشدّ عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيّام موسم ، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم ، فنزل علَيَّ جبرئيل فقال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .
قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيّها الناس ! من ينصرني على أن أُبلّغ رسالة ربّي ولكم الجنّة ؟
أيّها الناس ! قولوا : لا إله إلاّ اللّه وأنا رسول اللّه إليكم ، تنجحوا ولكم الجنّة .
قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلاّ يرمون علَيّ بالتراب
والحجارة ، ويبصقون في وجهي ، ويقولون : كذّاب صابئ ! فعرض علَيّ عارض فقال : يا محمّد ! إن كنت رسول اللّه فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك .
فقال النبي صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : اللّهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك .
فجاء العبّاس عمّه فأنقذه منهم وطردهم عنه .
قال الأعمش : فبذلك تفتخر بنو العبّاس ، ويقولون : فيهم نزلت ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) هوى النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم أبا طالب ، وشاء اللّه عبّاس بن عبد المطّلب » .
قلت :
وآيات الكذب على هذا الحديث لائحة .
ومن الأحاديث المذكورة في ذيل الآية : أحاديث أنّ أصحابه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانوا دائماً يحرسونه ، حتّى نزلت الآية المباركة ففرّقهم :
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير ، قال : « لمّا نزلت ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) إلى قوله : ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : لا تحرسوني ! إنّ ربّي قد عصمني » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن عبد اللّه بن شقيق ، قال : « إنّ
رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم كان يتعقّبه ناس من أصحابه ، فلمّا نزلت ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فخرج فقال : أيّها الناس ! الحقوا بملاحقكم ، فإنّ اللّه قد عصمني من الناس » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ ، عن محمّد بن كعب القرظي ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ما زال يُحرس ، يحارسه أصحابه ، حتّى أنزل اللّه ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فترك الحرس حين أخبره أنّه سيعصمه من الناس .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل ، عن أبي ذرّ ، قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم لا ينام إلاّ ونحن حوله من مخافة الغوائل ، حتّى نزلت آية العصمة : ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن عصمة بن مالك الخطمي ، قال : « كنّا نحرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بالليل حتّى نزلت ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فترك الحرس » .
قلت :
وهذه الأحاديث ليس فيها ذكر سبب نزول الآية ، ولا تعارض حديث نزولها يوم الغدير في عليٍّ عليه السّلام .
وبهذه الأحاديث يردّ ما زعموا من نزولها في أعرابي أراد قتله وهو نائم تحت شجرة ، ورووا فيه حديثاً عن محمّد بن كعب القرظي ، مع ما
هنالك من قرائن الكذب !
وممّا ذكره القوم في ذيل الآية ما جاء في تفسير الإمام أبي الحسن الواحدي : « وقال الأنباري : كان النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يجاهر ببعض القرآن أيّام كان يمكّة ، ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من شرّ المشركين إليه وإلى أصحابه »[1].
وهذا كذب بلا شك ولا ريب ! لكنّ العجيب أن ينسب هذا القول إلى الإماميّة ، كما في تفسير القرطبي ، حيث قال : « وقبّح اللّه الروافض حيث قالوا : إنّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم كتم شيئاً - ممّا أوحى اللّه إليه - كان بالناس حاجة إليه »[2]، وكما في شرح القسطلاني : « قالت الشيعة : إنّه قد كتم أشياء على سبيل التقيّة »[3].
فانظر كيف يفترون على اللّه والرسول ، ثمّ لمّا التفتوا إلى قبحه نسبوه زوراً وبهتاناً إلى غيرهم . . وكم له من نظير ! ! وإلى اللّه المشتكى ، وهو المستعان .
قلت :
وثمّة أحاديث يروونها بتفسير الآية المباركة غير منافية للصحيح
[1]التفسير الوسيط 2 / 208 .
[2]تفسير القرطبي 6 / 157 .
[3]إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 10 / 210 .
في سبب نزولها إ لم نقل بجواز الاستدلال بها كذلك ، باحتمال أنّ الراوي لم تسمح له الظروف بالتصريح بنزولها في يوم الغدير ، أو صرّح وحُرّف لفظه ، كالحديث التالي :
أخرج أبو الشيخ ، عن الحسن : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، قال : إنّ اللّه بعثني برسالة ، فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي ، فوعدني لأُبلغنّ أو ليعذّبني ، فأنزل : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) » .
والحديث : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد ، قال : « لمّا نزلت : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) ، قال : يا ربّ ! إنّما أنا واحد كيف أصنع ؟ ! يجتمع عليّ الناس ! فنزلت : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) » .
هذا موجز الكلام على هذه الآية ، وبه الكفاية لمن أراد الهداية ، واللّه وليّ التوفيق .
( 2 ) آية إكمال الدين قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ( 1 ) .
وإنّ رواة حديث نزول هذه الآية المباركة في يوم الغدير - من كبار الأئمّة والحفّاظ الأعلام من العامّة - كثيرون جدّاً ، نذكر هنا بعضهم :
1 - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ، المتوفّى سنة 310 .
2 - أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني المتوفّى سنة 385 .
3 - أبو حفص ابن شاهين ، المتوفّى سنة 385 .
4 - أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري ، المتوفّى سنة 405 .
( 1 ) سورة المائدة 5 : 3 .
5 - أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني ، المتوفّى سنة 410 .
6 - أبو نعيم الأصفهاني ، المتوفّى سنة 430 .
7 - أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، المتوفّى سنة 458 .
8 - أبو بكر الخطيب البغدادي ، المتوفّى سنة 463 .
9 - أبو الحسين ابن النقور ، المتوفّى سنة 470 .
10 - أبو سعيد السجستاني ، المتوفّى سنة 477 .
11 - أبو الحسن أبو المغازلي الواسطي ، المتوفّى سنة 483 .
12 - أبو القاسم الحاكم الحسكاني .
13 - الحسن بن أحمد الحدّاد الأصفهاني ، المتوفّى سنة 515 .
14 - أبو بكر ابن المزرفي ، المتوفّى سنة 527 .
15 - أبو الحسن ابن قبيس ، المتوفّى سنة 530 .
16 - أبو القاسم ابن السمرقندي ، المتوفّى سنة 536 .
17 - أبو الفتح النطنزي ، المتوفّى حدود سنة 550 .
18 - أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ، المتوفّى سنة 558 .
19 - الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي ، المتوفّى سنة 568 .
20 - أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي ، المتوفّي سنة 571 .
21 - أبو حامد سعد الدين الصالحاني .
22 - أبو المظفّر سبط ابن الجوزي ، المتوفّى سنة 654 .
23 - عبد الرزّاق الرسعني ، المتوفّى سنة 661 .
24 - شيخ الإسلام الحمويني الجويني ، المتوفّى سنة 722 .
25 - عماد الدين ابن كثير الدمشقي ، المتوفّى سنة 774 .
26 - جلال الدين السيوطي ، المتوفّى سنة 911 .
فهؤلاء أئمّة القوم وكبار حفّاظهم في مختلف القرون ، قد أخرجوا هذا الحديث في كتبهم ، ورووه بأسانيدهم . . . ونحن نذكر عدّة من تلك الأسانيد ونوضّح صحّتها :
1 - رواية أبي نعيم الأصفهاني قال : « حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن مخلّد ، قال : حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدّثني يحيى الحماني ، قال : حدّثنا قيس بن الربيع ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم دعا الناس إلى عليٍّ عليه السلام في غدير خمّ ، وأمر بما تحت الشجر من الشوك فقمّ ، وذلك يوم الخميس ، فدعا عليّاً ، فأخذ بضبعيه فرفعهما حتّى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزلت هذه الآية : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي وبالولاية