تنبيه :
لا يخفى أنّ الخطيب البغدادي لم يتكلّم على سند هذا الحديث ، بل سياق كلامه - حين سكت عن الطعن فيه بشيء ، بل ذكر المتابعة - اعتقاده بصحّته ، وتأكيده على ذلك .
والخطيب البغدادي قال الذهبي بترجمته : « الخطيب ، الإمام الأوحد ، العلاّمة المفتي ، الحافظ الناقد ، محدّث الوقت ، وخاتمة الحفّاظ . . . كتب الكثير ، وتقدّم في هذا الشأن ، وبذّ الأقران ، وجمع وصنّف ، وصحّح وعلّل ، وجرّح وعدّل ، وأرّخ وأوضح ، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق » . . ثمّ ذكر كلمات الأئمّة في مدحه وإطرائه والثناء الجميل عليه بما يطول ذِكره[1].
3 - رواية ابن عساكر رواه بطرق ، فأخرج بسنده عن أبي بكر الخطيب ، كما تقدّم عن تاريخ بغداد حرفاً بحرف . . . ثمّ قال :
« أخبرناه عالياً أبو بكر ابن المزرفي ، أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدي ، أنبأنا عمر بن أحمد ، أنبأنا أحمد بن عبد اللّه بن أحمد ، أنبأنا عليّ بن سعيد الرقّي ، أنبأنا ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن
[1]سير أعلام النبلاء 18 / 270 - 297 .
شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة . . . » .
قال : « وأخبرناه أبو القاسم ابن السمرقندي ، أنبأنا أبو الحسين ابن النقور ، أنبأنا محمّد بن عبد اللّه بن الحسين الدقّاق ، أنبأنا أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن العبّاس بن سالم بن مهران المعروف بابن النيري . . . »[1].
الطريق الأوّل * أمّا « أبو بكر ابن المزرفي » ، المتوفّى سنة 527 :
قال ابن الجوزي : « سمعت منه الحديث ، وكان ثقة ثبتاً عالماً ، حسن العقيدة »[2].
وقال الذهبي : « كان ثقة متقناً »[3].
* وأمّا « أبو الحسين ابن المهتدي » ، المتوفّى سنة 465 :
قال الخطيب : « كان ثقة نبيلا » .
وقال السمعاني : « كان ثقة حجّة ، نبيلا ، مكثراً » .
وقال أُبيّ النرسي : « كان ثقة يقرأ للناس » .
[1]تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنين - الجزء الثاني ، الأحاديث رقم : 575 - 578 و 585 .
[2]المنتظم 17 / 281 .
[3]سير أعلام النبلاء 19 / 631 .
وقال الذهبي : « الإمام العالم الخطيب ، المحدّث ، الحجّة ، مسند العراق ، أبو الحسين محمّد بن عليّ بن محمّد . . . سيّد بني هاشم في عصره . . . »[1].
* وأمّا « عمر بن أحمد » ، فهو ابن شاهين ، المتوفّى سنة 385 :
قال الخطيب : « كان ثقة أميناً » .
وقال ابن ماكولا : « هو الثقة الأمين » .
وقال حمزة السهمي عن الدارقطني : « هو ثقة » .
وقال أبو الوليد الباجي : « هو ثقة » .
وقال الأزهري : « كان ثقة » .
وقال الذهبي : « ابن شاهين الشيخ الصدوق ، الحافظ ، العالم ، شيخ العراق ، وصاحب التفسير الكبير ، أبو حفص عمر بن أحمد . . . »[2].
* وأمّا « أحمد بن عبد اللّه بن أحمد » ، فهو ابن النيري المتقدّم .
* وأمّا سائر رجال السند . فسيأتي الكلام عليهم .
[1]هذه الكلمات كلّها في سير أعلام النبلاء 18 / 241 .
[2]هذه الكلمات كلّها في سير أعلام النبلاء 16 / 431 .
الطريق الثاني :
* أمّا « أبو القاسم ابن السمرقندي » ، المتوفّى سنة 536 :
قال ابن عساكر : « كان ثقة مكثراً » .
وقال السلفي : « هو ثقة » .
وقال الذهبي : « الشيخ الإمام ، المحدّث ، المفيد ، المسند ، أبو القاسم إسماعيل بن أحمد . . . »[1].
* وأمّا « أبو الحسين ابن النقور » ، المتوفّى سنة 470 :
قال الخطيب : « كان صدوقاً » .
وقال ابن خيرون : « ثقة » .
وقال الذهبي : « ابن النقور ، الشيخ الجليل الصدوق ، مسند العراق ، أبو الحسين أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد اللّه بن النقور البغدادي البزّاز . . . »[2].
* وأمّا « محمّد بن عبد اللّه بن الحسين الدقّاق » ، فهو ابن أخي ميمي المتقدّم .
[1]هذه الكلمات كلّها في سير أعلام النبلاء 20 / 28 .
[2]هذه الكلمات كلّها في سير أعلام النبلاء 18 / 372 .
* وأمّا « أحمد بن عبد اللّه . . . ابن النيري » فقد تقدّم أيضاً .
* وأمّا سائر رجال السند . فسيأتي الكلام عليهم .
مع ابن تيميّة الحرّاني :
واستدلّ العلاّمة الحلّي بالآية المباركة ، فقال :
« البرهان الثالث : قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) .
روى أبو نعيم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم دعا الناس إلى غدير خمّ . . . » .
فأجاب ابن تيميّة مكرّراً ما قاله في الآية السابقة :
إنّ مجرّد عزوه إلى رواية أبي نعيم لا تفيد الصحّة !
وإنّ هذا الحديث من الكذب الموضوع باتّفاق أهل المعرفة بالموضوعات !
وهذا لا يعرفه أهل العلم بالحديث ، والمرجع إليهم في ذلك .
وإنّ هذه الآية ليس فيها دلالة على عليٍّ ولا إمامته بوجه من الوجوه ، بل فيها إخبار اللّه بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين ، ورضا الإسلام ديناً .
فدعوى المدّعي أنّ القرآن يدلّ على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر .
قال : « وإن قال : الحديث يدلّ على ذلك .
فيقال : الحديث إن كان صحيحاً فتكون الحجّة من الحديث لا من الآية ، وإن لم يكن صحيحاً فلا حجّة في هذا ولا في هذا ، فعلى التقديرين لا دلالة في الآية على ذلك . . . »[1].
أقول :
إنّ الاستدلال بالآية المباركة المفسَّرة بالحديث الصحيح . . . فالاستدلال إنّما هو بالقرآن لا بالحديث ، والحديث المفسّر للآية صحيح وليس بموضوع . . . فما ذكره كذب وتعصّب وتناقض .
مع ابن كثير الدمشقي في تاريخه :
وأمّا تلميذه ابن كثير الدمشقي . فقد زاد ضغثاً على إبالة ، فقال :
« فأمّا الحديث الذي رواه ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : لمّا أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بيد عليٍّ قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ; فأنزل اللّه عزّ وجلّ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) . قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خمّ ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً .
[1]منهاج السُنّة 7 / 52 - 55 .
فإنّه حديث منكر جدّاً ، بل كذب ، لمخالفته لِما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطّاب أنّ هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم واقف بها كما قدّمنا .
وكذا قوله : إنّ صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو يوم غدير خمّ ، يعدل صيام ستّين شهراً ; لا يصحّ ; لأنّه قد ثبت ما معناه في الصحيح أنّ صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستّين شهراً ؟ ! منكَر باطل .
وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي - بعد إيراده هذا الحديث - هذا حديث منكر جدّاً .
ورواه حبشون الخلاّل وأحمد بن عبد اللّه بن أحمد النيري - وهما صدوقان - عن عليّ بن سعيد الرملي ، عن ضمرة .
قال : ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطّاب ، ومالك ابن الحويرث ، وأنس بن مالك ، وأبي سعيد ، وغيرهم ، بأسانيد واهية .
قال : وصدر الحديث متواتر ، أتيقّن أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم قاله .
وأمّا : اللّهمّ وال من والاه ; فزيادة قويّة الإسناد .
وأمّا هذا الصوم فليس بصحيح .
ولا واللّه ما نزلت هذه الآية إلاّ يوم عرفة قبل غدير خمّ بأيّام . واللّه
تعالى أعلم »[1].
أقول :
أوّلا : هذا الحديث قد عرفت رواته وثقة رجاله ، وبقي منهم :
* عليّ بن سعيد الرملي ، وقد نصّ الذهبي على ثقته وإنّه لم يتكلّم فيه أحد ، فقد قال :
« ما علمت به بأساً ، ولا رأيت أحداً إلى الآن تكلَّم فيه ، وهو صالح الأمر ، ولم يخرّج له أحد من أصحاب الكتب الستّة مع ثقته »[2].
وقال الحافظ ابن حجر متعقّباً له : « وإذا كان ثقة ولم يتكلّم فيه أحد فكيف تذكره في الضعفاء . . . قال البخاري : مات سنة 216 »[3].
* ضمرة بن ربيعة ، المتوفّى سنة 202 ، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد ، والأربعة :
« قال عبد اللّه بن أحمد ، عن أبيه : رجل صالح ، صالح الحديث ، من الثقات المأمونين ، لم يكن بالشام رجل يشبهه ، وهو أحبُّ إلينا من بقية ، بقية كان لا يبالي عن من حدّث .
وقال عثمان بن سعيد الدارمي ، عن يحيى بن معين ، والنسائي : ثقة .
[1]البداية والنهاية 5 / 213 - 214 .
[2]ميزان الاعتدال 4 / 125 .
[3]لسان الميزان 4 / 227 .