قال : « وإن قال : الحديث يدلّ على ذلك .
فيقال : الحديث إن كان صحيحاً فتكون الحجّة من الحديث لا من الآية ، وإن لم يكن صحيحاً فلا حجّة في هذا ولا في هذا ، فعلى التقديرين لا دلالة في الآية على ذلك . . . »[1].
أقول :
إنّ الاستدلال بالآية المباركة المفسَّرة بالحديث الصحيح . . . فالاستدلال إنّما هو بالقرآن لا بالحديث ، والحديث المفسّر للآية صحيح وليس بموضوع . . . فما ذكره كذب وتعصّب وتناقض .
مع ابن كثير الدمشقي في تاريخه :
وأمّا تلميذه ابن كثير الدمشقي . فقد زاد ضغثاً على إبالة ، فقال :
« فأمّا الحديث الذي رواه ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : لمّا أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بيد عليٍّ قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ; فأنزل اللّه عزّ وجلّ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) . قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خمّ ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً .
[1]منهاج السُنّة 7 / 52 - 55 .
فإنّه حديث منكر جدّاً ، بل كذب ، لمخالفته لِما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطّاب أنّ هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم واقف بها كما قدّمنا .
وكذا قوله : إنّ صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو يوم غدير خمّ ، يعدل صيام ستّين شهراً ; لا يصحّ ; لأنّه قد ثبت ما معناه في الصحيح أنّ صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستّين شهراً ؟ ! منكَر باطل .
وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي - بعد إيراده هذا الحديث - هذا حديث منكر جدّاً .
ورواه حبشون الخلاّل وأحمد بن عبد اللّه بن أحمد النيري - وهما صدوقان - عن عليّ بن سعيد الرملي ، عن ضمرة .
قال : ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطّاب ، ومالك ابن الحويرث ، وأنس بن مالك ، وأبي سعيد ، وغيرهم ، بأسانيد واهية .
قال : وصدر الحديث متواتر ، أتيقّن أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم قاله .
وأمّا : اللّهمّ وال من والاه ; فزيادة قويّة الإسناد .
وأمّا هذا الصوم فليس بصحيح .
ولا واللّه ما نزلت هذه الآية إلاّ يوم عرفة قبل غدير خمّ بأيّام . واللّه
تعالى أعلم »[1].
أقول :
أوّلا : هذا الحديث قد عرفت رواته وثقة رجاله ، وبقي منهم :
* عليّ بن سعيد الرملي ، وقد نصّ الذهبي على ثقته وإنّه لم يتكلّم فيه أحد ، فقد قال :
« ما علمت به بأساً ، ولا رأيت أحداً إلى الآن تكلَّم فيه ، وهو صالح الأمر ، ولم يخرّج له أحد من أصحاب الكتب الستّة مع ثقته »[2].
وقال الحافظ ابن حجر متعقّباً له : « وإذا كان ثقة ولم يتكلّم فيه أحد فكيف تذكره في الضعفاء . . . قال البخاري : مات سنة 216 »[3].
* ضمرة بن ربيعة ، المتوفّى سنة 202 ، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد ، والأربعة :
« قال عبد اللّه بن أحمد ، عن أبيه : رجل صالح ، صالح الحديث ، من الثقات المأمونين ، لم يكن بالشام رجل يشبهه ، وهو أحبُّ إلينا من بقية ، بقية كان لا يبالي عن من حدّث .
وقال عثمان بن سعيد الدارمي ، عن يحيى بن معين ، والنسائي : ثقة .
[1]البداية والنهاية 5 / 213 - 214 .
[2]ميزان الاعتدال 4 / 125 .
[3]لسان الميزان 4 / 227 .
وقال أبو حاتم : صالح .
وقال محمّد بن سعد : كان ثقة مأموناً خيّراً ، لم يكن هناك أفضل منه »[1].
* عبد اللّه بن شوذب ، المتوفّى سنة 156 ، وهو من رجال أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة :
قال الذهبي : « وثّقه جماعة ، كان إذا رُئي ذُكِرت الملائكة »[2].
وقال ابن حجر : « صدوق عابد »[3].
وقال أيضاً : « قال سفيان : كان ابن شوذب من ثقات مشايخنا .
وقال ابن معين وابن عمّار والنسائي : ثقة .
وقال أبو حاتم : لا بأس به .
وذكره ابن حبّان في الثقات . . . »[4].
* مطر الورّاق ، المتوفّى سنة 129 ، ويكفي كونه من رجال البخاري في باب التجارة في البحر من الجامع ، ومن رجال مسلم والأربعة[5].
[1]تهذيب الكمال 13 / 319 - 320 ، ولاحظ سائر الكلمات في هامشه .
[2]الكاشف 1 / 356 .
[3]تقريب التهذيب 1 / 423 .
[4]تهذيب التهذيب 5 / 255 - 261 .
[5]تهذيب الكمال 28 / 551 ، تقريب التهذيب 2 / 252 .
* شهر بن حوشب ، المتوفّى سنة 112 أو 111 أو 100 أو 98 ، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد ، ومسلم ، والأربعة . وهذا كاف في ثقته[1].
وثانياً : اعتراف الحافظ الذهبي بتواتر صدر الحديث ، وهو قوله صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : « من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » وكذا بقوّة سند قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللّهمّ وال من والاه » وتقرير ابن كثير وقبوله له ، ردُّ لتشكيكات المبطلين ، ومكابرات الضالّين ، فالحمد للّه الذي أجرى الحقّ على لسانيهما . . .
وثالثاً : حكمه بالبطلان على رواية صيام الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو يوم غدير خمّ ; هو الباطل ، وقد أجبنا عنه بالتفصيل في كتابنا الكبير[2].
ويبقى الكلام حول دعوى مخالفة الحديث لِما في الصحيحين ، وسنتعرّض له عند الكلام :
مع ابن كثير في تفسيره :
فقد قال في تفسيره : « وقوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
[1]تهذيب الكمال 12 / 578 ، تقريب التهذيب 1 / 355 .
[2]نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 8 / 277 - 284 .
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) هذه أكبر نعم اللّه تعالى على هذه الأُمة حيث أكمل لهم دينهم . . . » ثمّ روى أحاديث وأقوالا ، منها :
« قال أسباط ، عن السدّي ، نزلت هذه الآية يوم عرفة ، ولم ينزل بعدها حلال ولاحرام ، ورجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم فمات » .
« وقال ابن جرير وغير واحد : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً » .
« وقال الإمام أحمد : حدّثنا جعفر بن عون ، حدّثنا أبو العميس ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطّاب . . . ، فقال عمر : واللّه إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول اللّه ، والساعة التي نزلت فيها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، عشية عرفة في يوم جمعة .
ورواه البخاري . . . ورواه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي أيضاً من طرق عن قيس بن مسلم ، به .
ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس ، عن طارق ، قال : « قالت اليهود لعمر : إنّكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتّخذناها عيداً . فقال عمر : إنّي لأعلم حين أُنزلت ؟ وأين أُنزلت ؟ وأين رسول اللّه حيث أُنزلت ، يوم عرفة ، وأنا - واللّه - بعرفة .
قال سفيان : وأشكُّ كان يوم الجمعة أم لا » .
« وقال ابن مردويه : حدّثنا أحمد بن كامل ، حدّثنا موسى بن هارون ، حدّثنا : يحيى الحماني ، حدّثنا قيس بن الربيع ، عن إسماعيل ابن سليمان ، عن أبي عمر البزّار ، عن أبي[1]الحنفيّة ، عن عليٍّ ، قال : نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم وهو قائم عشية عرفة ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) » .
« فأمّا ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حنش بن عبد اللّه الصغاني ، عن ابن عبّاس ، قال :
ولد نبيّكم يوم الاثنين ، وخرج من مكّة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وفتح بدراً يوم الاثنين ، وأُنزلت سورة المائدة يوم الاثنين ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، ورفع الذِكر يوم الاثنين .
فإنّه أثر غريب وإسناده ضعيف » .
« وقال ابن جرير : وقد قيل : ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس .
ثمّ روى من طريق العوفي ، عن ابن عبّاس في قوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يقول : ليس بيوم معلوم عند الناس .
[1]كذا ، والصحيح : ابن .
قال : وقد قيل : إنّها نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم في مسيره إلى حجّة الوداع . ثمّ رواه من طريق أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس » .
« قلت : وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، أنّها نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يوم غدير خمّ حين قال لعليٍّ : « من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » . ثمّ رواه عن أبي هريرة وفيه : إنّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، يعني مرجعه عليه السلام من حجّة الوداع .
ولا يصحّ لا هذا ولا هذا .
بل الصواب الذي لا شكّ فيه ولامرية ، أنّها أُنزلت يوم عرفة ، وكان يوم جمعة ، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ! ! وعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأوّل ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان ، وترجمان القرآن عبد اللّه بن عبّاس ، ومسرة بن جندب . وأرسله الشعبي ، وقتادة بن دعامة ، وشهر بن حوشب ، وغير واحد من الأئمّة والعلماء ، واختاره ابن جرير الطبري رحمة اللّه »[1].
أقول :
أوّلا : إذا كان لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولاحرام ، فكيف جاءت
[1]تفسير ابن كثير 2 / 14 - 15 .