بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 184

وهذا المعنى نقرأه عند الزمخشري إذ ذهب إلى أنَّ موسى عليه السلام عندما نسب قتل الكافر إلى عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟ لأنّه قتل قبل أنَّ يؤذن له في القتل فكان ذنباً يستغفر منه، ثم أنّه يؤيد ما ذهب إليه بقول ابن جريح من أنّه ليس لنبي أنَّ يقتل ما لم يُؤمر([416]).

وأما الفخر الرازي فنقل أنَّهُ قد احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه([417]):

(أحدها):إنّ ذلك القبطي أمّا أنَّ يقال إنّه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص/15) ولم قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} (القصص/16) ولِمَ قال في سورة أخرى {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ} (الشعراء / 20)، وإن كان الثانيَ وهو أنَّ ذلك القبطي لم يستحق القتلِ كان قتله معصية وذنباً.

(ثانيها):إنَّ قوله: {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} (القصص/15) يدل على أنّه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلِمَ استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز لأنّه يوهم في المباح كونه حراماً.

(ثالثها):إنّ الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً فكان ذلك القتل قتل خطأ، فلِمَ استغفر منه.

وأجاب الرازي عن ذلك:

أمّا الأول: فلا يجوز أنَّ يقال إنّه كان لكفره مباح الدم، أما قوله: {هَذَا

[415]الكشاف 3: 402، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 7: 170.

[416]عصمة الأنبياء ص 89.


صفحه 185

مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص/15) ففيه وجوه: أحدها: لعلّ الله تعالى وأن أباح قتل الكافر إلاّ أنّه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلمّا ترك المندوب من عمل الشيطان([418]).

وهذا الوجه ضعيف سواء بصيغة الرازي أم ما نقل عن ابن جريج، لأنّه مبني على كون القتل عمداً وهو لم يثبت وعلى فرض العمد فالعدو كان مستحقاً للقتل وليس في الآيات أيُّ إشارة إلى أنّه عليه السلام قد عمل في ذلك ليكون الاستعمال من عمل الشيطان كما أنّه على فرض استحقاق القتل فهذا يعني أنَّ الأمر موجود فكيف ذهبوا إلى أنّه لم يؤمر بذلك.

الخامس: النَّبي الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم

وكما هي الحال مع باقي الأنبياء عليهم السلام نجد هؤلاء المفسرين يستندون إلى كثير من الآيات القرآنية يستدلون بها على أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاز عليه الخطأ والسهو والنسيان والذنب الصغير، ومن تلك الآيات:

(الآية الأولى) قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال / 67-68).

قالوا: إنّ الآية تدل على عتاب الله لنبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وتكون على استبقاء الأسرى وأخذ الفداء بدلاً عن قتلهم، واعتبروا ذلك من أخطائه صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرونه إخلالاً في العصمة المطلقة له.

[417]مفاتيح الغيب 24: 200 – 201، ظ: الفخر الرازي عصمة الأنبياء 89، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الايجي (ت 656 هـ) المواقف: 8: 297، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.


صفحه 186

ذكر البغوي في تفسيره حديثاً عن عمر بن ميمون قوله: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما: إذْنُه للمنافقين، وأخذه الفدية من أسارى بدر؛ فعاتبه الله([419]).

ويبدو أنَّ هذا مخالفاً لقوله تعالى في حق نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى} (النجم/3) أما الزمخشري فيرى أنَّ ذلك خطأً في الاجتهاد؛ لأنهم نظروا في أنَّ استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله وخفي عليهم أنَّ قتلهم أعز للإسلام واهيب لمن وراءهم وأقل لشوكتهم([420]).

وهنا الزمخشري لم ينزّه في هذه القضية غير أبي بكر وسعد بن معاذ كما هو في تفسيره الكشّاف، فخطّئ النَّبي كأحد الصحابة ثم أنّه أبلغ في تخطئة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (فخفي عليهم) وهل يخفى على رسول الله خافية وهو مسدد بروح القدس في كل آن.

ويرى الفخر الرازي أنّهم تمسكوا بالاستدلال على خطأ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم من ثلاث أوجه:

(الأول) قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} (الأنفال/67) وذلك يقتضي استبقاء الأسرى محرماً.

(الثاني) قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) وذلك مذكور

[418]ظ: أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي (ت514 هـ) تفسير البغوي أو معالم التنزيل 2: 251، ظ: أبو بكر جابر الجزائري أيسر التفاسير 4: 329، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1، 1416هـ - 1995م، ظ: الصابوني صفوة التفاسير 1: 477.

[419]ظ: الكشاف 2: 225.


صفحه 187

في معرض الذم.

(الثالث) قوله تعالى: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال/68).

وفي معرض الرد يرى الرازي أنَّ العتاب كما يأتي على ترك الواجب فقد يأتي على ترك الأولى أيضاً والأولى في ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء قطعاً للاطماع وحسماً للنزاع ولولا أنَّ ذلك من باب الأولى لما فوض النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك على الأصحاب، وهذا هو العذر عن قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}(الأنفال/67).

فأما قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال، وأما قوله: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ} (الأنفال/68) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذّبكم بسبب أخذكم هذا الفداء([421]).

وبعد أنَّ يرى القرطبي أنَّ الآية نزلت عتاباً وتوبيخاً لأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ويرى أنَّ ذكر النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها جاء نتيجة ترك تنبيهه عن ذلك في حين كره ذلك سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحه، ولكنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء([422]).

ويبدو لنا أنَّ هذا تجنياً سافراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ

[420]ظ: عصمة الأنبياء 105 – 106.

[421]ظ: الجامع لأحكام القرآن 4: 62.


صفحه 188

إنَّ الصحابة ترى الصواب في الأمر ولا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه شغله النصر وزهوه من دونهم سفدفعه زهو الدنيا أنَّ ينسى ما به حياة أمته وبقاؤها.

(الآية الثانية) قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43).

استدلوا بهذه الآية المباركة على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يصدر منه الذنب لما كان هناك نوع من العفو الذي أشار إليه قوله تعالى:{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) فهو ظاهر في العتاب([423]).

ونقل الطوسيرحمه الله عن أبي علي الجبائي قوله: (إنّ في الآية دلالة على أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان وقع منه ذنب في هذا الإذن..)([424]).

ويرى البيضاوي أنَّ العفو في الآية المباركة كناية عن خطائه صلى الله عليه وآله وسلم في الإذن، فإنّ العفو من روادفه ثم أنَّهُ يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى عاتب نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم صراحة في قوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) بيان لما كنى عنه بالعفو ومعاتبته عليه([425]).

ويرى الرازي أنَّ هذا تلطفاً في المخاطبة بعد أنَّ يَعْرض استدلال المخطئون للأنبياء عليهم السلام بأنّ العفو في {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) لا يكون

[422]ظ: تفسير البغوي 2: 251.

[423]ظ: التبيان 2: 226 - 227.

[424]تفسير البيضاوي 3: 148.


صفحه 189

إلاّ بعد الذنب([426]).

ثانياً: الأدلة النقلية من السنة للقول بالعصمة الجزئية

يختلف أصحاب المذاهب الأُخَر عن الشيعة الأمامية في عصمة الأنبياء فترى أنَّ الشيعة قاطبة تذهب إلى عصمتهم عليهم السلام وأنّهم منزهون عن الصغائر والكبائر منذ الصغر وهذا ما أثبتوه في كتبهم المعتبرة نقلاً وعقلاً([427])، في حين نرى أتباع المذاهب والفرق الأخرى اتجهوا اتجاهاً معاكساً لمذهب أهل البيت عليهم السلام بالقول بنفي عصمة الأنبياء عندهم وتجويز الخطأ والسهو والنسيان وغيرها من صغائر الذنوب مما جاء في صحاحهم وكتبهم المعتبرة من روايات عدة نشير هنا إلى بعض منها تماشياً مع استيعاب الدراسة لذلك.

الأول: تكذيب الأنبياء عليهم السلام

إنّ ما أخرجته الصحاح من أنَّ الأنبياء عليهم السلام يكذبون فهو ثابت عندهم، فهذا شيخ الحديث البخاري، وإمام الحديث مسلم في كتابيهما وهما أصحّ الكتب بعد القرآن عندهم، واللفظ للبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتين منها في ذات الله عزّ وجلّ قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصافات/89) وقوله: ((بل فعله كبيرهم هذا وأن هذا سألني فأخبرته بأنّك أختي فلا تكذبيني))([428]) ومما يروى من أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: في صفة الخلق يوم القيامة: وإنهم يأتون آدم عليه السلام يسألونه الشفاعة فيعتذر إليهم، فيأتون نوحاً عليه السلام

[425]عصمة الأنبياء 106 – 107.

[426]ظ: الصدوق محمد بن علي بن بابويه (ت 381 هـ) الإعتقادات في دين الإمامية 2: 96 تحقيق، عصام محمد حسين، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، ط2، 1414 هـ - 1993 م.

[427]ظ: البخاري 597، صحيح مسلم شرح النووي 8: 104.


صفحه 190

فيعتذر إليهم، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله اشفع لنا إلى ربّك، أما ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم إنَّ ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله وإنّي قد كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري)([429]).

وهذا دليل على أنَّ الأنبياء عليهم السلام في معتقدهم يكذبون والذي يصدر منه الكذب لا يكون معصوماً، فكيف يجوز على الله تعالى أنَّ يرسل رسلاً كذابين، وروى الفخر الرازي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قوله: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لساره: إنّكِ أختي وهو كذب))([430]).

ولهذا ورد في الجامع الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لم يكذب إبراهيم عليه السلام في شيء قط إلا ثلاث: قوله: (إني سقيم) ولم يكن سقيماً، وقوله لساره (أختي) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)([431]).

ومما يدل على كذب الأنبياء عليهم السلام عندهم أيضاً ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: (((مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء، فقالوا يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله صلى الله عليه

[428]نهج الحق وكشف الصدق 152 – 153.

[429]ظ: عصمة الأنبياء 71.

[430]ظ: الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سور (ت 279 هـ)، الجامع الصحيح 5: 301 نشر دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1408 هـ - 1979م.


صفحه 191

وآله وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني الا ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عزّ وجلّ([432]).

والذي يبدو في ذلك أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم جائز أنَّ يكذب على غير الله عزّ وجلّ.

ولهذا أخذ منها القصاصون فانتشر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([433]).

الثاني: نسيان النَّبي للصلاة وصدور السب والشتم منه صلى الله عليه وآله وسلم

منها: روى المخطئون لعصمة الأنبياء عليهم السلام أنَّ النّبي ينسى ويسهو في صلاته، قال أبو هريرة؛ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلاتي العشيّ، قال فصلىّ بنا ركعتين ثم خرج سرعان الناس، وهم يقولون قصرت الصلاة وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أنَّ يكلمّاه، فقال رجل، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسميه ذو اليدين، فقال يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنسَ ولم تقصر الصلاة، قال: بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأوا أي نعم... فرجع إلى مقامه فصلّى الركعتين الباقيتين ثم

[431]ظ: مسلم 8: 98.

[432]ظ: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت1294) ينابيع المودة 1: 17، انتشارات الشريف الرضي قم، مكي بن برهان الدين الحلبي الشافعي (ت1044 هـ) السيرة الحلبية 3: 11.