الموجز أنَّ (العتاب) يشير إلى أمرٍ فيه صعوبةٌ من كلامٍ أو غيره([23])، ويعبّر العرب بوساطة العتب، عن الوقوع في مشقة وتكرّر أو صار فيه عيب وغلظ([24]).
والعتوب هي الأرض الغليظة، وفي رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي يُطلق على تابع امرئ القيس (الجنيّ) اسم: عتيبة بن نوفل أخذاً من معنى (العتوب) وهو الصعوبة في شق طريق الشعر إذْ إنّه أول من بكى واستبكى ووقف على الديار([25]).
ونلحظ أنَّ مفردة العتاب ومشتقاتها وردت بكثرة بالصيغ المسبوقة بالأداة (لا) أو (ما) مما يدل على أنَّ العتاب فيه نوع من التلطف والامتنان في أحيان كثيرة.
ثانياًَ: المفردات اللغوية لـ(العتاب)
للمفردة العربية مرادفاتها التي ذكرها علماء اللغة في مصنفاتهم سواءً أكانت المفردة قرآنية([26]) أم مفردة من العربية لم ترد في السياق القرآني([27]) فقد كان جميُعها
[23]ظ: أبو الحسن أحمد بن فارس زكريا (ت395 هـ) مقاييس اللغة 2: مادة (عتب) تحقيق عبد السلام هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1404 هـ.
[24]ابن القطاع: (ت515 هـ)، الأفعال: مادة (عتب) دار الكتب العلمية بيروت 1424 هـ.
[25]بطرس البستاني، رسالة التوابع والزوابع بيروت 1960.
[26]ظ: الفراء (ت204 هـ) معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف بخاتي، دار الكتب القاهرة 1995، إسماعيل بن أحمد النيسابوري (ت421 هـ) وجوه القرآن تحقيق د. نجف عوش، مطبعة الاستانة الرضوية، مشهد – 1422هـ، الراغب الأصفهاني (ت425 هـ)، مفردات ألفاظ القرآن تحقيق صفوان داودي، دار القلم، دمشق (د.ت).
[27]ظ: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق، عبد السلام هارون (د.ت).
محل عنايتهم واستقصائهم لدلالاتها الثابتة والمتحركة، وقد خصصوا لهذا البحث كتباً، وعقدوا له فصولاً طوالاً.
ومفردة العتاب واحدة من تلك المفردات التي نالت عناية الباحثين القُدماء وحظيت باهتمامهم الملحوظ. وكشف صاحب كتاب (الألفاظ الكتابية) مرادفات هذه اللفظة في مقدمة مفرداته في باب (اللوم) إذ قال([28]): (يقال لُمتُ الرّجُلَ لَوْماً وعذلته عذلاً، وأنبتهُ تأنيباً، وقرّعتُهُ تقريعاً، وفندتُهُ تفنيداً، ووبختُهُ توبيخاً، وبكيتهُ تبكيتاً، ولحيتُهُ لحياً وعنفتُهُ تعنيفاً، فهي المعاتبة ثم اللوم ثم التقريع ثم التوبيخ ثم التأنيب).
بيد أنَّ هذه المفردات، وان كانت تنتمي إلى فعل دلالي واحد هو (اللوم)، لكن كل مرادف له معنىً دقيق يوميء إلى دلالة تبتعد قليلاً أو كثيراً عن مركز الدلالة (اللوم) فاللوم غير العذل، وكلاهما غير التأنيب، وهذه تختلف في دلالتها عن مدلول لفظة (التقريع)، و(التفنيد)، و(التوبيخ)، و(التبكيت)، و(اللّحو) واعلاها كلها (التعنيف).
نستطيع أنَّ نرصد (التصاعدية في المعاني – إن جاز التعبير – لأن ثمّة فوارق دلاليةً لابد من تحريها واعتمارها أساساً في تحليل النصوص ودراستها والحكم عليها ورصد ارتباطها بمفردة (اللوم).
ومِنْ ثَمَّ (العتاب) موضوع البحث. ولا تعدم الدراسة أنَّ تجد في لغة العرب مفردات تنتمي إلى الحقل الدلالي نفسه (اللوم) وتوميء إلى معانيه التصاعدية على سبيل المثال كمفردة (الذمو) وهو اللوم والحض معاً، والذم وهو اللوم في الإساءة.
[28]عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، الألفاظ الكتابية ص 7 – 8، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان 1400 هـ - 1890 م.
ونلحظ فرقاً في دلالات الألفاظ المنتمية إلى حقل (العتاب) فالتثريب شبيه بالتقريع والتوبيخ ولا يكون إلاّ على فعل قبيح ومعناه الأصلي الأخذ على الذنب.
أما اللوم فيكون على الفعل الحسن([29])، والعتاب غلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره كما قال الراغب الأصفهاني (ت502 هـ)([30]).
ومن الجدير بالذكر أنَّ لكل دلالة من تلك المفردات المرادفة للفظة (اللوم) معنىً دقيقاً تنفرد به في المعجمات العربية أو في سياق الكلام النثري أو الشعري كما يجب الانتباه إلى أنّ هذه الكلمات كلّها لا تعبّر بدقة عن معنى (العتاب) فالعتاب نوع من أنواع اللوم.
ويبقى للتأويل دوره الرئيس في إدارة هذا المعنى أو سواه من معاني ألفاظ المفردات اللغوية في كثير من الأحيان، مثلما يأخذ السياق دورهُ في التنوع الدلالي لكن التأويل في – حد نفسه – تابع من السياق والسياق هو الذي يوجه المعنى ويدفع به إلى جهات معينة يكشف عنها المؤول في إطار قدراته الخاصة ومؤهلاته.
ولذا يورد عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني هذه المفردات في تدرج تصاعدي يبدأ باللوم وينتهي بالتأنيب فيقول:
(قرضتهُ بعض القرض، وعذمته بعض العذم واستبطأته، ويقال استذم الرجل واستلام والأم إذا فعل فعلاً يلام عليه فهو، مليم، ولا زلت أتجرع فيك الملائم والملاوم واللوائم أيضاً.
[29]ظ: مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة (ألام).
[30]ظ: مفردات الراغب مادة (عتب).
ويقال: لام فلان غير مليم، وذم غير ذميم، وأنحى فلان على فلان باللائمة وأحال عليه بالتعنيف، وتقول لمتُه وقبحّت فعله وقبلت رأيه، وذممتُ إليه رأيه وفي الأمثال (ربّ لائم مليم ورب ملوم لا ذنب له)([31]).
ثالثاً: الصيغ المجازية للعتاب
المجاز في العربية – وفي غيرها – باب وسيع في التعبير عمّا يحتاج إليه الإنسان في إغراضه المختلفة إذ تقصر اللغة بألفاظها المعجمية ومفرداتها المعياريّة عن بلوغ المراد، فتتفتح الألفاظ والتعابير المجازية عن معانٍ لا حصر لها، لتتكامل دائرة التعبير المفضّل، وليس أدل على ذلك من اعتماد المجاز أسلوباً للتعبير في كتاب الله العزيز، فالمجاز – فضلاً عن كونه يُثري المعنى ويعمقه ويحيط بالمعاني المتشعبة التي لا تؤديها ألفاظ القاموس – أبلغ من الحقيقة، وأقدر على التأثير في المتلقي وتأسيساً على هذا يدخل المجاز ساحة التعبير عن العتاب ومضامينه في أنَّ أساليب خبريّة أو إنشائية أو بهما معاً حين يخرج الخبر إلى أغراض إنشائية تعطي الدلالات الواضحة على هذا المعنى، وقد تحدث علماء البلاغة واللغويون عن المجاز وعقدوا له فصولاً في مؤلفاتهم عن فاعلية المجاز سواء في القرآن الكريم أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو في كلام الفصحاء، وليس بنا حاجة هنا إلى التفصيل في أمر مفروغ منه ولا بأس أنَّ نذكر ما هو وطيد الصلة بهذا الأمر من مؤلفات القدماء، وفي طليعة هذه المؤلفات يقف (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت209هـ)، وفي مجال الحديث الشريف نجد (المجازات النبوية) للشريف الرضي الموسويرحمه الله (ت406 هـ) واحداً من المصادر التي عالجت هذا الأمر.
[31]الألفاظ الكتابية، مصدر سابق ص 8 وما بعدها.
المبحث الثاني: دلالات العتاب في ضوء المنهج القرآني
توطئة
وردت مفردة العتاب بصيغتها اللغوية والصريحة في ثلاث مواضع في القرآن الكريم كما وردت مرادفاتها دالة على معان تنتمي إلى معاني العتاب في سياقات الآيات القرآنية.
الدلالة الأولى: الاستعمال القرآني لمفردة العتاب
جاء لفظ العتاب في التنزيل في ثلاثة معان ظاهرة هي:
أولاً:ما ورد صراحة بلفظ العتاب.
ثانياً:ما ورد بلفظ اللوم.
ثالثاً:ما ورد بلفظ التثريب.
وهناك مرادفات أخرى وردت يفهم من سياقاتها لحن العتاب كالتي تدخل في إطار الاستفهام.
ولغرض الإحاطة بسياقات هذه الألفاظ لابد من معرفة معانيها ودلالاتها اللغوية وموقعها في القرآن، لذا ستتوقف عندها الدراسة تباعاً.
(1) بيان ما يتعلق بمفردة العتاب
ذكر أصحاب المعجمات العتاب في كتبهم ضمن مادة (عتب) وتعمق كثير منهم في جذر هذه المفردة ونحن هنا نأخذ موضع الحاجة إلى الضرورة الدراسة فقط.
ذكر صاحب المجمع الوسيط معنى العتاب فقال: (عتب عليه عتباً وعتياناً ومعتباً، ومعتبةً، لامه وخاطبهُ مخاطبة الإذلال طالباً حسن مراجعته ومذكراً إياه بما كرهه منه، وفلان عتبٌ وعتبانٌ، وتعاتبٌ)([32]).
(2) ما يتعلق بمفردة اللوم
أما اللوم: فأصله (ل. و. م) العذْل تقول (لامه) على كذا من باب قال و(لَوْمَهُ) أيضاً فهو (مَلومٌ) و(لوّمهُ) مشدّدة للمبالغة أيضاً و(اللوّمُ) جمع (لائم) كراكع وركّع و(اللائمةُ) الملامة يقال: ما زلت اتجرع فيك (اللوائم) و (الملاوم) جمع (ملامة) و(ألام) الرجل أتى بما يُلام عليه.
وفي المثل: رب لائم (مُليمَ) أبو عبيدة: (ألامهُ) بمعنى يلومه الناس و(لوَمه) بفتح الواو يلوم الناس. و(التلّوّم) الانتظار والتمكّث([33]).
(3) ما يتعلق بمفردة التثريب
التثريب يكون شبيه بالتقريع والتوبيخ ولا يكون إلاّ على فعل قبيح.
ومعناه: الأخذ على الذنب، والتثريب شحم قد غشي الكرش والأمعاء
[32]ظ: إنعام نوال، المجمع المفصل في علوم البلاغة (125) دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط2، 1417 هـ - 1996.
[33]محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت721 هـ) مختار الصحاح، باب اللوم 353، دار إحياء التراث العربي، تدقيق محمد علاق ط1، 1419، 1999 م.
رقيق([34]) والتثريب هو اللوم وقد جاء في الذكر الحكيم: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ} (يوسف/92).
ويقول أبو هلال العسكري: (إنَّ التثريب شبيه بالتقريع، والتوبيخ: تقول: وبّخه وقرّعه وثربه بما كان منه، واللوم قد يكون لما يفعله الإنسان في الحال.
ولا يقال لذلك تقريع وتثريب وتوبيخ، واللوم يكون على الفعل الحسن، ولا يكون التثريب إلا على قبيح، والتفنيد تعجيز الرأي: يُقال فنّده إذا عجز رأيه وضعه)([35]). والاسم الفند وأصل الكلمة اللفظ ومنه للقطعة من الجبل فِنْد، ويجوز أنَّ يقال: التثريب الاستقصاء في اللوم والتعنيف([36]) وأصله من الثرب وهو شحم الجوف([37]) لأنّ البلوغ إليه هو البلوغ إلى الموضع الأقصى من البدن.
ولقد أفاد أهل اللغة وأصحاب البلاغة والفصاحة من استعمالات الآيات القرآنية كثيراً من الأسرار البلاغية التي لا تحصى. وما يهمنا منها في هذه الدراسة هو (الاستفهام) إذ له الأثر في فهم سياق الآيات وتوجيه الصياغة الأدبية والتمثيل الفني فيها، فلذا نجد أنَّ معاني العتاب تنجلي في الاستفهام وهو باب واسع من أبواب الإنشاء ومنها:
[34]ظ: ابن فارس: المقاييس: مادة «ثرب».
[35]ظ: أبو هلال العسكري (ت395 هـ) الفروق اللغوية: 65،تعليق محمّد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 2، 2005 م – 1426 هـ.
[36]لسان العرب مادة (فند).
[37]المصدر نفسه مادة (ثرب).
(1) استفهام العتاب
وفي شأن هذا العتاب أشار السيوطي في حديثة إلى استفهام العتاب، متمثلاً بقوله جل ثناؤه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (الحديد/16) ففي هذه الآية الكريمة استفهام العتاب في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح.
ومن اللّطف ما عاتب به خير خلقه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43). ففي الآية عتاب الخالق لرسوله مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وكان أذن لجماعة في التخلّف عن الجهاد باجتهاد منه، فنزل عتاباً له، وقدمّ العفو تطميناً لقلبه([38]).
والعتاب خير من الحقد ولا يكون إلا على زلة فقد مدحه قوم فقالوا: العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة([39]).
(2) استفهام التبكيت
وهذا الاستفهام مما أشار إليه الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) في حديثه عن الاستفهام، ومثل له بقوله تعالى: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ} (المائدة /116).
وقد جعل السكاكي تمثيل الآية الكريمة من باب التقرير، وفيه تقصير
[38]ظ: جلال الدين السيوطي الشافعي (ت911 هـ)، الاتقان في علوم القرآن، 2: 410، دار الفكر، بيروت – لبنان 1426 – 2005.
[39]ظ: أحمد بن علي القلقشدي (ت821 هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 9: 189 تحق د. يوسف علي، دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1987 م.