بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 229

أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس /5 -7) ففيه عتاب وتوبيخ أشد من قوله {عَبَسَ وَتَوَلَّى} (عبس/1) لأن الاستغناء من الغنى ووفرة المال، والمعنى: إنّ من كان غنياً تقبل عليه وتلاطفه وتحادثه وتترك الفقير وهذا كلّه إغراء بترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبيه كما قال الفخر الرازي([510]).

ويرى المجلسي رحمه الله في البحار أنَّ الآية جاءت بلسان العتاب على ترك الأولى.. ([511]).

والذي يظهر مما سبق أنَّ منهج الإماميّة تنزيهي لساحة الأنبياء عليهم السلام عن كثير من المعاني والشبهات التي تسيء لهم عليهم السلام إساءات بالغة إذ إن مما ينسب لهم مخجل أنَّ يصدر عن مؤمن عادي فكيف بمن اصطفوا لهداية العباد وهذا منحى منهجي يعد من أهم الثوابت في مذهب الإماميّة.

المطلب الثاني: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة الجزئية

مدخل

ذهب المفسرون وعلماء الكلام من غير الإمامية إلى تجويز القدح والمس بعصمة الأنبياء عليهم السلام حتى أنّهم انتحلوا في ذلك مذاهب شتى بين الأخذ والرد إلى أنَّ وصل الأمر عندهم بارتكاب الأنبياء للصغائر وغيرها علناً ومن دون تحفظ وهذا ما سبقت الإشارة إليه سابقاً.

فإذا كان الأنبياء والرسل عليهم السلام يعملون بوحي من الله وهو سبحانه

[509]الفخر الرازي، عصمة الأنبياء 108.

[510]محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 17: 78.


صفحه 230

المسدد لهم والمشرف على تربيتهم وهم صفوة عباد، كيف يمكن له سبحانه أنَّ يخطئ نبيّه أو رسوله بنفسه، ثم بعد كل ذلك يعتب عليه ويلومه على ما فعل؟

ولأنّ الله سبحانه وتعالى أراد فعلاً أنَّ يخطئه فإنّ من عدالته أنَّ لا يعتب عليه، لأنّ الله هو العدل في حكمه، ولا يمكن أنَّ يفعل ما يناقض ذلك، وهو عزّ وجلّ لا يأمر بشيء ويعاقب على طاعته فيه.

وفي ما يأتي نورد لبعض الآيات من الذكر الحكيم تحمل في ظاهرها ما يفهم منه بعض المفسرين أنَّهُ نوع من العتاب أمر اللوم لهم عليهم السلام:

الأول: توجيه ما يتعلق بنبي الله آدم عليه السلام

ذهب القائلون بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام إلى تخطئة آدم عليه السلام وأنّه قال قسطاً من العتاب واللوم لما مرّ به من الاختبار من النهي عن الأكل من الشجرة، في العتاب كما يرون من دلالة قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الأعراف / 22).

إذ يرى الزمخشري أنَّ آدم عليه السلام قد نال اللوم والتوبيخ لأنّه لم يعبأ بكلام البارئ عزّ وجلّ واتبع إبليس ونسي تحذير الله له من عداوة إبليس فقال موجهاً ذلك بأنَّهُ (عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ إذ لم يتحذر مما حذرهما الله من عداوة إبليس، وروي أنَّهُ قال لآدم عليه السلام ألم يكن لك فيما منعتك من شجرة الجنة مندوحة عن هذه الجرة؟ فقال بلى وعزتك ولكن ما ظننت أنَّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، قال: بعزتي لأهبطنّك إلى الأرض ثم لا تنال


صفحه 231

العيش إلا نكدا)([512]).

وللفخر الرازي توجيه آخر لهذه الآية المباركة إذ يرى أنَّ النّهي قد يكون للتحريم وقد يكون تنزيهاً غير ملام عليه، قال: (لا تسلم أنَّ النّهي للتحريم فقط، بل هو مشترك بين التحريم والتنزيه، وتفسيره أنَّ النهي يفيد أنّ جانب الترك راجح على جانب الفعل) ([513]).

فيكون نهياً إرشادياً لا يعاقب على تركه فيكون من باب ترك الأولى، ثم أنَّهُ – رأي الرازي – يفرض أنَّهُ مع التسليم بأن النهي كان محرماً لكن آدم فعل ناسياً لقوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طه/115) وحينئذٍ لم يكن ذنباً لأنّ التكليف مرتفع عن الناسي، ثم يوجه الآية حتى مع احتمال نفي النسيان، فحتى مع أنَّهُ لقائل أنَّ يقول: إنّ آدم لم يكن ناسياً، بدليل هذه الآية {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ} (الأعراف/20) إذ إنه عوتب على ذلك وإنّه لو كان ناسياً لما عوتب على الفعل، فحيث عوتب دلّ على أنَّهُ ما كان ناسياً، ثم يجيب الرازي على هذا الاحتمال – بانا نسلّم أنَّهُ لم يكن ناسياً ولكنه أخطأ في الاجتهاد، وذلك لأنّ كلمة (هذه) في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف/19) قد يراد بها الإشارة إلى الشخص، وقد يراد بها الإشارة إلى النوع كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به) فآدم عليه الصلاة والسلام اشتبه الأمر عليه فظن أنَّ المراد هو الشخص فعدل عنه إلى شخص آخر، إلاّ أنَّ المجتهد إذا

[511]الكشاف 2: 99.

[512]عصمة الأنبياء 19.


صفحه 232

اخطأ في الفروع لم يكن صاحب كبيرة([514]).

إلاّ أنَّ البيضاوي يحدد دلالة الآية بأنّ النّهي هنا للتحريم استحق على أثره آدم عليه السلام التوبيخ واللوم لأنّه ركن إلى قول إبليس وترك قول ربّه. فيرى الآية: (عتاب على مخالفة المنهي عنه وتوبيخ على الاغترار بقول العدو وفيه دليل على أنَّ مطلق النّهي للتحريم)([515]).

ويبدو لنا أنَّ البيضاوي قد أفرط فيما ذهب إليه في حدود عصمة آدم عليه السلام الذي اختاره تعالى واصطفاه لنفسه، وهل يعقل أنَّ آدم عليه السلام وهو بهذه المنزلة أنَّ يكون بسيطاً لدرجة أنَّهُ يغترّ بإبليس ويرتكب ذنباً يعاتب على فعله ويلام على إتيانه وهو النَّبي المعصوم الذي أمضى الله له ذلك بسجود الملائكة لله ولا يكاد ولا يختلف مُحَمَّد رشيد رضا عن سابقيه في الاشتراك في تحميل آدم عليه السلام تبعات اللوم والعتاب والتوبيخ، فيصرح بوقوع ما يوجب العتاب من آدم عليه السلام، لانّ الاستفهام في قوله تعالى {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} (الأعراف/22) للعتاب والتوبيخ، أي وقال لهما ربهما الذي يربيهما في طور المخالفة، كما يربيهما في حال الطاعة والإذعان، {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ}([516]) (الأعراف/22) الآية.

الثاني: توجيه ما يتعلق بنبي الله يونس عليه السلام

ولم يترك المخطئون للأنبياء عليهم السلام نبيّ الله يونس عليه السلام بل

[513]عصمة الأنبياء 19 – 20.

[514]تفسير البيضاوي 2: 73.

[515]تفسير المنار 8: 350.


صفحه 233

وقفوا عنده مطلقين أقلامهم بغْية ارتكاب خطأ استحق على أثره لوم البارئ وعتابه وهذا ما فهموه من قوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات/142).

إذ تعاملوا مع هذه الآية بأنّها تدل على مخالفة يونس لربه وخروجه عن عصمته، وذلك عندما ترك قومه وخرج مغاضباً من دون إذن من ربه فلامه الله على ذلك...

فالطبري يرى أنَّ يونس عليه السلام استحق اللوم وهذا الاستنتاج إثر تفسير الطبري لمفردة اللوم، باعتبار أنّ النَّبي عليه السلام اقترف ما يلام عليه، قال: {وَهُوَ مُلِيمٌ} مكتسب للوم، يقال ألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه من الأمر وأن لم يُلم كما يقال: أصبحت محمقاً معطشاً أي عندك الحمق والعطش، ثم يستشهد بعد ذلك بقول لبيد:

سفهاً عذلت ولمت غير مليم

وهداك قبل اليوم غير حكيم

فأمّا اللوم فهو الذي يلام باللسان ويعذل بالقول([517]).

ويقترب الزمخشري من الطبري في تحديد معنى اللوم ليستفيد منه أنَّ يونس عليه السلام (أخل في الملامة، يقال ربّ لائم لئيم، أي يلوم غيره، وهو أحق منه باللوم)([518]).

فالظاهر أنّهما يريان أنَّ النَّبي يونس عليه السلام مستحق لذلك اللوم

[516]ظ: ديوان لبيد بن ربيعة تحقيق د. احسان عباس، دار صادر بيروت، ظ تاج العروس، الزبيدي ج17، ص 662.

[517]الكشاف 4: 63.


صفحه 234

والعتاب لأنّه اقترف ما يوجب ذلك فأصبح عمله معيباً، وهذا ما يؤيده القرطبي إذ وجه الآية بقوله: (أتى بما يلام عليه، فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أو لم يستحق ثم يقول – وقيل المليم المعيب، يقال: لام الرجل، إذا عمل شيئاً فصار معيباً بذلك العمل)([519]).

وهذا لا يليق بساحة الأنبياء المعصومين المطهّرين عليهم السلام فلا يتطرق إليهم العيب والنقص كي يعاتبوا ويلاموا وخير ما عبر عنه في ذلك هو السيد المرتضىرحمه الله الذي قال (أما أنّ يونس عليه السلام خرج مغاضباً لربّه من إذ لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الافتراء على الأنبياء عليهم السلام وسوء الظن بهم عن الحد وليس يجوز أنَّ يغاضب ربّه إلاّ من كان معادياً له وجاهلاً بأن الحكمة في سائر أفعاله)([520]).

الثالث: توجيه ما يتعلق بنبي الله موسى عليه السلام

وفيما يتعلق بنبي الله موسى عليه السلام من نسبة الخطأ إليه من بعض المفسرين والرواة يرون أنَّهُ قد عوتب عندما قام خطيباً في بني إسرائيل وذلك عندما سُئل عن أعلم الناس، فنسب العلم إلى نفسه ولم ينسبه إلى الله([521]) فعتب عليه، فنزل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} (الكهف/60) ومن هنا انطلق المخطئون متحاملين على نبي الله الكليم موسى لمحاولة الخدش في عصمته أثر عتاب البارئ له..

[518]الجامع لأحكام القرآن 8: 81، ظ: البيضاوي 5: 27.

[519]تنزيه الأنبياء ص 141.

[520]الطبرسي: مجمع البيان 6: 621، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 278.


صفحه 235

وهذا المعنى ما استقرّ عليه رأي الزمخشري إذ يرى أنَّ العتاب كان صريحاً في حقّه عليه السلام فقال: (روي أنَّهُ لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها أمره الله أنَّ يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال: إنَّ الله اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له قد علمنا هذا فأي الناس أعلم؟ قال: أنا: فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إلى الله، فأوحى الله، بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر)([522]).

ويؤيد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن هذا الاتجاه في فهم تلك الروايات إذ إنّه جعل سبب إلتقاء موسى بالخضر عليه السلام هو بسبب عتاب الله له على ما قاله في نفسه عليه السلام من أنَّهُ الأعلم فأراد الله أنَّ يعطيه درساً عملياً في ذلك([523]).

الرابع: توجيه ما يتعلق بنبينا الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم

ذكر المفسرون باختلاف مذاهبهم – عدا الإمامية – عدداً من الآيات التي دوّنوها في تفاسيرهم وكتبهم الكلامية بأنّها وردت بلسان العتاب واللوم تجاه النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد تنوع الخطاب فيها بين الشدة والضعف.

فمن هذه الآيات التي وردت في هذا المضمار:

الآية الأولى

قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة: 43).

[521]الكشاف 2: 683.

[522]الجامع لأحكام القرآن 5: 278،ظ: تفسير أبي السعود 5، 322، الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل 3: 170.


صفحه 236

وللآيات المباركات سبب نزول، إذ إنّ جماعة من المنافقين جاؤوا إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أنَّ تذرعوا بحجج واهية مختلفة طالبين من النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ ينصرفوا عن المشاركة في معركة تبوك، فإذن لهم النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بالانصراف([524]).

فعتب الله تعالى على النَّبي كما في الآية محل البحث وللمفسرين مذاهب في فهم معنى العتاب المشفوع بالعفو، أهو دليل على أنَّ إذن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مخالفة أم هو من باب ترك الأولى، أم غيره.

فما نلاحظه من توجيه تفسير القشيري (ت465) لهذه الآية المباركة أنَّهُ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم قد خالف حداً وإنّما كان من باب ترك الأولى قال: (لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم خرق حدٍّ أو تعاطي محظور، إنّما ندر منه ترك ما هو أولى، قدّم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) أو في جواز الزلة على الأنبياء عليه السلام إذا لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع...)([525]).

ويستند البغوي (ت514) في توجيه الآيات المباركات إلى ما ينقله عمر بن ميمون من أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل ما أوجب عتابه، إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من أسارى بدر، ويروي كذلك عن سفيان بن عيينه كيف أنَّ الله تلطف بنبيه إذ ذكر العفو قبل أنَّ يعيّره بالذنب الذي استجلب العتاب، وبعد هذا يردف القول بما وقرّ الله به نبيّه ورفع محلّه بافتتاح الدعاء له كما يقال:

[523]ظ: ابن كثير، مختصر ابن كثير 2: 149، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المحلّى 11: 311، دار الآفاق الجديدة،تحقيق لجنة إحياء التراث العربي.

[524]أبو القاسم عبد الكريم القشيري 1: 242.