بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 234

والعتاب لأنّه اقترف ما يوجب ذلك فأصبح عمله معيباً، وهذا ما يؤيده القرطبي إذ وجه الآية بقوله: (أتى بما يلام عليه، فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أو لم يستحق ثم يقول – وقيل المليم المعيب، يقال: لام الرجل، إذا عمل شيئاً فصار معيباً بذلك العمل)([519]).

وهذا لا يليق بساحة الأنبياء المعصومين المطهّرين عليهم السلام فلا يتطرق إليهم العيب والنقص كي يعاتبوا ويلاموا وخير ما عبر عنه في ذلك هو السيد المرتضىرحمه الله الذي قال (أما أنّ يونس عليه السلام خرج مغاضباً لربّه من إذ لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الافتراء على الأنبياء عليهم السلام وسوء الظن بهم عن الحد وليس يجوز أنَّ يغاضب ربّه إلاّ من كان معادياً له وجاهلاً بأن الحكمة في سائر أفعاله)([520]).

الثالث: توجيه ما يتعلق بنبي الله موسى عليه السلام

وفيما يتعلق بنبي الله موسى عليه السلام من نسبة الخطأ إليه من بعض المفسرين والرواة يرون أنَّهُ قد عوتب عندما قام خطيباً في بني إسرائيل وذلك عندما سُئل عن أعلم الناس، فنسب العلم إلى نفسه ولم ينسبه إلى الله([521]) فعتب عليه، فنزل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} (الكهف/60) ومن هنا انطلق المخطئون متحاملين على نبي الله الكليم موسى لمحاولة الخدش في عصمته أثر عتاب البارئ له..

[518]الجامع لأحكام القرآن 8: 81، ظ: البيضاوي 5: 27.

[519]تنزيه الأنبياء ص 141.

[520]الطبرسي: مجمع البيان 6: 621، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 278.


صفحه 235

وهذا المعنى ما استقرّ عليه رأي الزمخشري إذ يرى أنَّ العتاب كان صريحاً في حقّه عليه السلام فقال: (روي أنَّهُ لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها أمره الله أنَّ يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال: إنَّ الله اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له قد علمنا هذا فأي الناس أعلم؟ قال: أنا: فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إلى الله، فأوحى الله، بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر)([522]).

ويؤيد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن هذا الاتجاه في فهم تلك الروايات إذ إنّه جعل سبب إلتقاء موسى بالخضر عليه السلام هو بسبب عتاب الله له على ما قاله في نفسه عليه السلام من أنَّهُ الأعلم فأراد الله أنَّ يعطيه درساً عملياً في ذلك([523]).

الرابع: توجيه ما يتعلق بنبينا الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم

ذكر المفسرون باختلاف مذاهبهم – عدا الإمامية – عدداً من الآيات التي دوّنوها في تفاسيرهم وكتبهم الكلامية بأنّها وردت بلسان العتاب واللوم تجاه النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد تنوع الخطاب فيها بين الشدة والضعف.

فمن هذه الآيات التي وردت في هذا المضمار:

الآية الأولى

قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة: 43).

[521]الكشاف 2: 683.

[522]الجامع لأحكام القرآن 5: 278،ظ: تفسير أبي السعود 5، 322، الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل 3: 170.


صفحه 236

وللآيات المباركات سبب نزول، إذ إنّ جماعة من المنافقين جاؤوا إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أنَّ تذرعوا بحجج واهية مختلفة طالبين من النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ ينصرفوا عن المشاركة في معركة تبوك، فإذن لهم النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بالانصراف([524]).

فعتب الله تعالى على النَّبي كما في الآية محل البحث وللمفسرين مذاهب في فهم معنى العتاب المشفوع بالعفو، أهو دليل على أنَّ إذن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مخالفة أم هو من باب ترك الأولى، أم غيره.

فما نلاحظه من توجيه تفسير القشيري (ت465) لهذه الآية المباركة أنَّهُ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم قد خالف حداً وإنّما كان من باب ترك الأولى قال: (لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم خرق حدٍّ أو تعاطي محظور، إنّما ندر منه ترك ما هو أولى، قدّم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) أو في جواز الزلة على الأنبياء عليه السلام إذا لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع...)([525]).

ويستند البغوي (ت514) في توجيه الآيات المباركات إلى ما ينقله عمر بن ميمون من أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل ما أوجب عتابه، إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من أسارى بدر، ويروي كذلك عن سفيان بن عيينه كيف أنَّ الله تلطف بنبيه إذ ذكر العفو قبل أنَّ يعيّره بالذنب الذي استجلب العتاب، وبعد هذا يردف القول بما وقرّ الله به نبيّه ورفع محلّه بافتتاح الدعاء له كما يقال:

[523]ظ: ابن كثير، مختصر ابن كثير 2: 149، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المحلّى 11: 311، دار الآفاق الجديدة،تحقيق لجنة إحياء التراث العربي.

[524]أبو القاسم عبد الكريم القشيري 1: 242.


صفحه 237

(عفا الله عنك ما صنعت بحاجتي)([526]) وهذا كأنما جاري في المخاطبة.

وقد أفرط بعضهم في تجاوزه على مقام النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى درجة الإساءة بزعم أنَّ الآيات دليل على أمكان صدور المعصية منه، وهذا ما نلاحظه عند الزمخشري الذي أفرط في الإساءة إليه صلى الله عليه وآله وسلم مما دعا صاحب الحاشية (أحمد بن المنير الاسكندري (ت683 هـ) إلى ردّه وتوجيه كلامه.

إذ قال الزمخشري (({عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها، ومعناه أخطأت وبأس ما فعلت. و{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) بيان لما كني عنه بالعفو، ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالأذن {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ} (التوبة/43) من صدق في عذره ممن كذب فيه.

وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى فعاتبه الله تعالى))([527]).

وهذا ما دفع صاحب الحاشية على الكشاف أنَّ يحتج على الزمخشري إذ قال: (ليس له أنَّ يفسّر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين: إما أنَّ لا يكون هو المراد وإمّا أنَّ يكون هو المراد ولكن أجل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب، وخصوصاً في حقّ المصطفى عليه الصلاة والسلام، فالزمخشري على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقّه عليه الصلاة والسلام.

[525]معالم التنزيل 20: 251.

[526]الزمخشري 2: 261 – 262.


صفحه 238

ولقد أحسن من قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيّه أنَّ بدأ بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداءً: لِمَ أذنت لهم؟ لتفطر قلبه عليه الصلاة والسلام مثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام)([528]).

وكل هذا في الواقع قليل بحق المصطفى الذي جعله الله مثلاً في الخلق العظيم إذ قال تعالى مخاطباً لنبيّه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم/4).

وبعد أنَّ يورد السمر قندي سبب النزول من استئذان المنافقين بالتخلف وأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم، يرى أنَّ الخطاب في قوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويذكر بعد ذلك ما يرويه عن بن عبد الله من أنَّ الله أخبره بالعفو قبل أنَّ يخبره بالذنب، ثم يصرح على مسألة العتاب فيرى أنَّ منشأهُ فعلان فعلهما رسول الله، الفداءه من أسارى بدر وإذنه للمنافقين بالتخلّف([529]).

ويوجه القرطبي الآية المباركة فيراها (افتتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قول {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) حكاه مكي المهدوي والنحاس وأخبره العفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقاً، وقيل المعنى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} ما كان من ذنبك في أنَّ أذنت لهم فلا يحسن الوقف على قوله {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} على هذا التقدير، حكاه المهداوي واختاره النحاس، ثم قيل في الإذن قولان، الأول لِمَ أذنت لهم في

[527]المصدر نفسه حاشية 2: 261.

[528]ظ: نصر الدين محمد بن أحمد أبو الليث السمر قندي، من أعلام القرن الرابع الهجري، بحر الغرائب 2: 62، تح. د. محمود مطربي ط 1، 1418 هـ - 1997 م.


صفحه 239

الخروج معك وفي خروجهم وخروجهم بلا عدّة ونيّة صادقة، الثاني لِمَ أذنت لهم في القعود لمّا اعتلوا بأعذار ذكرهما القشيري. قال وهذا عتاب تلطّف إذا قال عفا الله عنك وكان عليه السلام أذِن من غير وصي نزل فيه، فقال قتاده وعمر بن ميمون ثنتان فعلهما النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما...)([530]).

ويكاد لا يبتعد ابن كثير عن أقرانه في أنَّ الآيات نزلت عتاباً له صلى الله عليه وآله وسلم بعد ان يروي من استحسن المعاتبة، بما ينتهي سنده إلى عون إذ قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) ثم يقول وقال قتادة عاتبه كما تسمعون([531]).

وللبيضاوي نصيب من توجيه العتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يرى أنَّ الآيات فيها نوع استفهام من النَّبي لو أنَّهُ توقف حتى يرى أمر الله لدرء ما قد يلام عليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيرى أنَّ النَّبي قد أخطأ قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} كناية عن خطئه في الإذن فإن العفو من روادفه {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبته عليه، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حتى استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت حتى يتبين، يؤمر بها أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليها)([532]).

ونرى أنَّهُ لا دليل في الآية على صدور أي ذنب أو معصية من النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى ظاهر الآية لا يدل على ذلك لأنّ القرائن جميعها تثبت

[529]الجامع لأحكام القرآن 4: 129 – 130.

[530]ظ: تفسير القرآن العظيم 2: 374.

[531]تفسير البيضاوي 3: 148.


صفحه 240

أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء أذن لهم أم لم يأذن، فإنّهم لا يجدون نفعاً في الجهاد وقد اثبت القرآن ذلك قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} (التوبة /47) ومعه لم يقعد المسلمون أي مصلحة في إذن النَّبي لهم بالانصراف.

وكيف يفعل النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يؤمر به والقرآن يصرّح بأنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم/ 3-4) فما هذا إلاّ تجني على النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يزن لكل عمل وزنه لأنّه مسدد بالوحي وبروح القدس.

الآية الثانية

قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس /1-2).

سبق أنَّ بيّنا أنَّ جمعاً من المفسرين تأثر بالسبب المروي لنزول هذه الآية واعتقدوا خطأً أنّها نزلت عتاباً لرسول الله وذلك عندما أقبل عليه ابن أم مكتوم وأعرض النَّبي عنه وأقبل إلى غيره.. فكان كلمّا رآه رسول الله يكرمه ويقول: مرحباً بمن عاتبني به ربّي([533]).

فالفخر الرازي بعد أنَّ يرى أنَّ القوم تمسكوا بأنّ عتاب الله لنبيه إثر إعراضه عن ابن أم مكتوم، فهو لا يسلم بأنّ الخطاب متوجه إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فعندها يرى الرواية معارضة بأمور([534]).

[532]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 701، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، البيضاوي 4: 382، تفسير ابن كثير 4: 471، تفسير ابن السعود 9: 107، زبدة التفاسير 7: 332، صفوة التفاسير 7: 334.

[533]عصمة الأنبياء 108.


صفحه 241

الأول:أنَّهُ وصفه بالعبوس وليس هذا في صفات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في قرآن ولا خبر مع الأعداء والمعاندين فضلاً عن المؤمنين والمسترشدين.

الثاني:وصفه بأنَّهُ تعدى للأغنياء وتلهى عن الفقراء وذلك غير لائق بأخلاقه.

الثالث:أنَّهُ لا يجوز أنَّ يقال للنّبي {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس/7).

فإن هذا الإغراء يترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبه([535]).

وعندما نطالع الجزائري نجده يرى أنَّ الآية فيها عتاب صريح ولطيف يعاتب الله سبحانه وتعالى به رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ([536]).

ولا يخفى على ذي لب أنَّ العبوس والتصدّي للأغنياء من دون الفقراء والتلّهي عمن جاء مسلماً لفقره أو عماه، وقوله تعالى {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس / 7) كل ذلك يتعارض مع خلق رسول الله وصفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

وهو مردود لأنه يعتمد روايات ضعيفة في أسباب النزول فضلاً عن أنَّهُ مخالف للكتاب في نصّه بوصف النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ على خُلُقٍ عظيم فكيف يستقيم هذا المعنى مع النص.

وبالتدبّر في الروايات واستحضار روايات أخرى صحيحة ترفع المعنى نجد أنَّ التفاسير أجمعت على أنَّ الأعمى هو ابن أمّ مكتوم لكنّها اختلفت فيمن خوطب بالسورة ووصفه الله بتلك الصفات فقال بعضهم: هو النَّبي صلى الله عليه وآله

[534]المصدر نفسه.

[535]ظ: أيسر التفاسير 5: 517.