بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 43

وخصوصاً عند قوله تعالى:{يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} (طه / 86).

قال الرازي فخر الدين (ت606 هـ) في بيان ذلك: (ثم أنّ الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنَّهُ عاتبهم بعد رجوعه إليهم)([80]).

(ج) عتاب نبي الله لوط عليه السلام لقومه

عاتب لوط عليه السلام قومه في بعض آيات الذكر الحكيم كما هو في سورة هود إذ قال تعالى حاكياً على لسان نبيه عليه السلام:{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (هود /78).

قال في صفوة التفاسير إنّ الاستفهام (استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع عني القبيح)([81]).

وفي قوله تعالى:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} (النمل / 54).

قال فيها الفخر الرازي: (فهو على وجه التكبّر وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ يمثل هذا اللفظ أبلغ)([82]).

وفي معرض قوله تعالى:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (النمل/55).

يرى صاحب الميزان أنّ الاستفهام للإنكار قال فيها (أي مستمرون على الجهل لا فائدة في توبيخكم والإنكار عليكم فلستم بمرتدعين)([83]).

[80]مفاتيح الغيب 22: 88 مصدر سابق.

[81]محمد علي الصابوني 2: 42، دار الفكر بيروت – لبنان، ط3 1420 هـ - 2000 م.

[82]مفاتيح الغيب 23: 175.

[83]الطباطبائي 15: 376.


صفحه 44

ثانياً: ما ورد عن النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

للنبي عليه الصلاة والسلام وقفة من العتاب مع أهله، ولاسيما لبعض أزواجه إذ بدر منه صلى الله عليه وآله وسلم العتاب بأجلى صورة تجاه عائشة وحفصة حينما تعاونا على إيذائه والتظاهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم، مما تطلب الأمر إلى إبداء التوبة منهما وترك العود إلى مثل هذا الإيذاء المقصود، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحدث في قوله تبارك وتعالى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/4) وكذا{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} (التحريم/4) وكذلك قوله تعالى:{فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم/3).

ورد في التسهيل في بيان عتاب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض نسائه عند مروره بالآية الكريمة{عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم/3)، أي عاتب حفصة على بعض وأعرض عن بعض حياءً وتكرماً([84]).

وكذا في صفوة التفاسير، (أي أعلمها وأخبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الحديث الذي أفشته معاتباً لها ولم يخبرها بجميع ما حصل منها)([85]).

فكان سياق الخطاب لهما إذ بدا ذلك جلياً عند قوله سبحانه وتعالى:{إِنْ

[84]أبو القاسم محمد بن أحمد الكلبي (ت471) 2: 463 تحقيق محمد سالم هاشم ط 1، 1415 هـ - 995 م، ظ: مجمع البيان 1: 40، ظ: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت302 هـ)، سنن النسائي 578، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، أبو عبد الله إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) صحيح البخاري: 967 دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1، 1422 هـ - 2001 م، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي (ت 676 هـ) شرح صحيح مسلم 5: 71 دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1421 هـ - 2000 م.

[85]محمد علي الصابوني 3: 383.


صفحه 45

تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/ 4) وكذا قوله تعالى:{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} (التحريم/4) أي حفصة وعائشة([86]).

وقال الزمخشري في بيان عتاب النَّبي لحفصة حين أفشت سره إلى عائشة إذ روي أنَّهُ قال لحفصة: ألم أقل لكِ أكتمي عليّ؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي([87]).

ومن عتابه لعائشة في سورة التحريم وغيرها ما أكده الطبري في خروج عائشة لقتال علي عليه السلام إذ أنّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم عاتبها ذات يوم وأنبأها بلزوم حصيرها وترك مغادرة البيت إذ قال جل ذكره:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (الأحزاب/33).

وفي هذا ما ذكره ابن سعد بسنده عن عطاء بن يسار، أنّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأزواجه: (أيتكن اتقت الله ولم تأتِ بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة)([88]).

وقالت أم سلمة لعائشة، حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه من الانحراف عن الصراط، فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك، فضرب على ظهرك فقال: إياك أنَّ تكونيها يا حميراء)([89]).

[86]هاشم البحراني ت: (1107 هـ) البرهان في تفسير القرآن 9: 567 تحقيق قسم الدراسات الإسلامية ط1، 1421 هـ - 2000 م، ظ: محمد حسين الطباطبائي، الميزان 19: 232 الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان ط 2، 1390 هـ - 1971 م، مجمع البيان 9: 101.

[87]الكشاف 4: 507.

[88]ظ: محمد بن سعد بن منيع الزهري (ت230 هـ) الطبقات الكبرى 8: 150، تحقيق رياض عبد الله عبد الهادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط 1، 1417 هـ - 1996 م.

[89]ظ: عز الدين ابي حامد عبد الحميد بن هبة الله مدائني الشهير بابن أبي الحديد (ت656 هـ) شرح نهج البلاغة 9: 237، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، العراق – بغداد، ط 1، 1426 هـ، 2005 م، أبو عبدالله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت626 هـ) معجم البلدان 3: 324، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.


صفحه 46

وشاهد ثانٍ على العتاب النبوي هو ما ذكره المفسرون ومؤرخو الأحداث من أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد غضب لما أبداه بعض صحابته من عصيان في حملة أسامة بن زيد عندما أمرّه النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وامتعض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتمردهم ولما صدر منهم من قيل وقال في زعامة أسامة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عصّب رأسه بعصابة وصعد المنبر وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

((أيها الناس مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله أنَّ طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله لقد كان للإمارة خليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق للامارة))([90]).

وفي كلامه (صلوات الله عليه) عتاب واضح لأولئك الطاعنين في الإمارة([91]).

كما عاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عتبه بن أبي

[90]ظ: ابن الأثير علي بن إبراهيم بن أبي الكرم الشيباني، الكامل في التأريخ: دار صادر بيروت – لبنان ط 1965، المقريزي (ت 485 هـ) امتاع الأسماع 2: 123، تحقيق محمد عبد الحميد الميس، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ط1، 1420 هـ - 1999 م، علي بن برهان الدين الحلبي (ت 1044 هـ) السيرة الحلبية 3: 207، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط 1، البخاري، صحيح البخاري 876 مصدر سابق.

[91]ظ: محمد بن عمر الواقدي (ت212 هـ) المغازي: 2: 118، دار المعرفة الإسلامية ط 1405هـ.


صفحه 47

معيط، ثم سمّاه الله بعد ذلك بالفاسق ونزل فيه الذكر الحكيم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات / 6)([92]).

كما عاتب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم انس بن مالك في حديث الطائر المشوي([93]).

ولذا روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه يقول: (عاتبوا أرقّاءكم على قدر عقولهم)([94]).

واستعار النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لفظ (تثريب) الواردة في سورة يوسف عليه السلام في حديثه عن قريش بعد فتح مكة عند وقوفه على باب الكعبة مخاطباً لهم.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا معشر قريش ماذا تقولون؟ وماذا تظنون؟ قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أذهبوا فأنتم الطلقاء)([95]).

[92]ظ: محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم (ت 405 هـ)، مستدرك الحاكم 3: 122، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان (د.ت)، شمس الدين الذهبي (ت 478 هـ) سير أعلام النبلاء 16: 352 انتشارات مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان (د.ت).

[93]ظ: النيسابوري مستدرك الحاكم 3: 142، مجمع البيان 1: 316.

[94]محمد بن درّام، تنبيه الخواطر، مجموعة درّام، 1: 58 (د.ت).

[95]أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، الصدوق (ت 381 هـ) من لا يحضره الفقيه 2: 240 – 246، انتشارات الإمام المهدي، إيران – قم (د.ت)، أحمد زيني دحلان (ت 1304 هـ) السيرة النبوية (سيرة ابن دحلان) دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان (د.ت).


صفحه 48

فدّلَ استعمال النَّبي عليه السلام لمفردة التثريب أنها من صيغ العتاب ومرادفاته التي وردت في لسان النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كما هي في القرآن في سورة يوسف عليه السلام.

ثالثاً: العتاب في حديث أهل البيت عليهم السلام (نهج البلاغة أنموذجاً)

يدرس في هذا المطلب العتاب مقتطفاً ثماره من كلام سيد البلغاء والفصحاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مكتفياً به، لأن كلامه عليه السلام هو الكلام الذي عليه مسحة العلم الإلهي وفيه عبق من الكلام النبوي والجامع المانع.

فقد وردت عنه عليه السلام في نهج البلاغة معاتبات عدة وقفنا على بعض منها رعاية لتحمّل البحث فمنها ما ورد في هذا الصدد معاتباً القوم بعد مقتل عثمان بن عفان قائلاً:

[وَاعْلَمُوا أَنِّي إنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ; وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً] ([96]).

لقد ميز عليه السلام بين لونين من الناس «قائل» «عاتب» وهو فصل بين نوعين من الكلام صدرا عن نوعين من الناس نستشف من ظاهره أنَّ العتاب من محبيه والقول ربما ما كان من غيرهم وهم كثير.

وقوله أيضاً: [فَاللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الْدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بكُمْ عَلَى سَنَن، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَن، وَكَأَنَّهَا قَد جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى سِراطِهَا، وَكَأنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا، وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا،

[96]ظ: ابن أبي الحديد، شرح النهج 7: 27، مصدر سابق.


صفحه 49

وَأَخْرَجَتْهُمْ مَنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْم مَضَى وَشَهْر انْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً، وَسَمِينُهَا غَثّاً، فِي مَوْقِف ضَنْكِ الْمَقَامِ، وَأُمُور مُشْتَبِهَة عِظَام، ونَار شَدِيد كَلَبُهَا، عَال لَجَبُهَا، سَاطع لَهَبُهَا، مُتَغَيِّظ زَفِيرُهَا، مُتَأَجِّج سَعِيرهَا، بَعِيد خُمُودُهَا، ذَاك وُقُودُهَا، مَخُوف وعِيدُهَا، عُم قَرارُهَا، مُظْلِمَة أَقْطَارُهَا، حَامِيَة قُدُورُهَا، فَظِيعَة أُمُورُهَا، (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً)، قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدّارُ، وَرَضُوا المَثْوَى وَالْقَرَارَ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً وَاسْتِغفَاراً، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُشّاً وَانَقِطَاعاً، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ [مَآباً، وَالْجَزَاءَ] ثَوَاباً،(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَها) في مُلْك دَائِم، وَنَعِيم قَائِم] ([97]).

ومن كتاب له عليه السلام كَتَبهُ بين ربيعة واليمن: [هذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، وَرَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا: أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ، لاَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً، وَلاَ يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَتَرَكَهُ، أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْض، دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، لاَيَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِب، وَلاَ لِغَضَبِ غَاضِب، وَلاَ لاِسْتِذْلاَلِ قَوْم قَوْماً، وَلاَ لِمَسَبَّة قَوْم قَوْماً! عَلَى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، [وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ] وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، إنَّ عَهْدَ اللهِ كَانَ مسْؤولاً]([98]).

ومما جاء في حكمه عليه السلام قوله: [مَا كُلُّ مَفْتُون يُعَاتَبُ] ([99]).

[97]نهج البلاغة، تعليق د. صبحي الصالح، 208، انتشارات أنوار الهدى، إيران – قم، ط 2، 1424 هـ.

[98]المصدر نفسه: 463.

[99]ظ: عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، 2: 259، مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط 1، 1407 هـ - 1997 م.


صفحه 50

وقال عليه السلام: [عَاتِبْ أَخَاكَ بِالاِْحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالاِْنْعَامِ عَلَيْه]([100]).

وهنا اقتران ظاهر جلّي بين العتاب والأخوّة فهو الحبل الواصل بين الأخوّة والمرجع لما بينهما من ودٍ إن تقطعت بهم الضغائن والأحقاد.

ويرد الإمام عليه السلام في كلام له في نهج البلاغة على من عتب عليه في تسويته بالعطاء، إذْ قال: [أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ لَهُمْ].

ثمّ قال عليه السلام: [أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ، وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاَّ حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وَدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيل وَأَلاَْمُ خَدِين]([101]).

فنرى الإمام عليه السلام هنا يوّبخهم ويقرّعهم، وما ذنبه إلا أنَّهُ كان في سيرته كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قومه فقد ساوى في العطاء بين المسلمين سواء كان المال من الغنائم أو الزكاة أو غيرها، أما من جاء بعده ممن أدعى الخلافة فكانوا يتفاضلون، خلاف سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاء الإمام علي عليه السلام فأخذ في التسوية وذلك ممّا لم يرق للذين اعتادوا الفضل في أزمنة غيره عليه السلام، فعاتبوه بما فعل.

[100]ظ: صبحي الصالح، نهج البلاغة ص 500.

[101]ظ: ابن أبي الحديد، شرح النهج 8: 88، مصدر سابق.