بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 55

المبحث الأول: نماذج من عتاب الأنبياء والرُّسل عليهم السلام

نماذج من عتاب الرسل أولي العزم عليهم السلام

توطئة

ذهب الإمامية إلى أنّ هناك فرقاً بين النبيّ والرسول، إذ إنّ النبيّ أعمّ من الرسول أيّ إنّ كلّ رسول نبيّ وليس كلّ نبيّ رسولاً.

وفي هذا الصدد يقول الشيخ المفيد رحمه الله: (النبيّ هو الإنسان المخبر عن الله بغير واسطة أحد من البشر، وهو أعمّ من أنَّ يكون مأموراً من الله بتبليغ الأوامر والنواهي إلى قوم أم لا، والرسولُ هو الإنسان المخبرُ عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر مأموراً من الله بتبليغ الأوامر والنواهي إلى قوم)([105]).

وليس بنا حاجة إلى أنَّ نذكر مزيداً من آراء الإمامية أو سواهم إذْ إنَّ هذا الأمر ليس فيه اختلافٌ كبيرٌ بينهم.

فالنبي أو الرسول هو الذي اختاره الله واصطفاه لمهمة كبرى تتطلب منه أنَّ

[105]محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت413 هـ)، أوائل المقالات 47 (د.ت).


صفحه 56

يكون متصفاً بصفات تفوق صفات سائر البشر لأنَّ من يتلقى أخبار السماء ويرويها للناس لابد أنَّ يكون أميناً صادقاً مأمون الجانب مبتعداً عن الزلل لا يفعل المعصية – آية معصية – وهذا ما أطلق عليه علماء الكلام اسم (العصمة).

إذن الرسول والنبي كلاهما يعمل بوحي من الله تبارك وتعالى والله هو المسدد لأفعاله وأقواله.

فالعلاقة بينهما كما يقول المناطقة علاقة عموم وخصوص مطلق كما بينَّا آنفاً.

ويمكن أنَّ يستدل له بما: ((روي عن أبي ذر رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت له: كم النبيون؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، قلت كم المرسلون منهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثمئة وثلاثة عشر))([106]).

وهو واضح الدلالة على المقصود لكون المرسلين جزءاً من الأنبياء عليهم السلام.

وقد يطول بنا المقام لو تعرضنا لعصمة الأنبياء ووقفنا على حدودها وسعتها من خلال القرآن الكريم، فقد كتب الباحثون القدماء والمحدثون كتباً وعقدوا فصولاً بينوا ماهية العصمة، وهل العصمة تسلب الاختيار أم هي إرادية بوساطتها يكون المعصوم مُنزّهاً عن الخطأ قادراً على السلوك السويّ في كل حين وقد أفردنا ما يفصل ذلك.

[106]الشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت 1405 هـ) مستدرك سفينة البحار 9: 511، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ط 1419 هـ.


صفحه 57

عتاب الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام

عندما نتأمل قصة نوح عليه السلام مع ولده الذي هلك مع مَن هلك بمناشدة النبيّ عليه السلام ربّه بإنقاذ ولده من الغرق لاعتبار الأبوّة وأنّه أحد أفراد أُسرته فيُجاب النَّبي نوحٌ عليه السلام بذلك الجواب الإلهيّ القاطع لتلك الرابطة لتحلّ محلّها رابطة العقيدة والإيمان وفي هذا الحدث يرى بعض المفسرين أنّ النبيّ نوح عليه السلام عوتب على سؤاله هذا وقوله مخاطباً ربه:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (هود/45).

ويرى هؤلاء أنّ ظاهر صدور السؤال منه غير لائق بمقام النبوة؛ لأنّ تغليب العاطفة على الحق والعدل أمر لا يُنتظر من النبيين وهم الصفوة المختارة ولأجل ذلك كلّه – كما يرى المفسرون – خُوطب بالعتاب وهو ظاهر قوله تعالى:{فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود /46).

إذ ذهب غير الإمامية إلى تحليل دلالات الآية الكريمة وما تتضمنه من حوار بين نوح عليه السلام وربّه سبحانه وتعالى على أنّه كان عتاباً، فهذا الزمخشري يتأمل العتاب في الآية قائلاً:

((إنّ الله عزّ وعلا قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أنَّ يعتقد أنّ في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأنّ كلّهم ليس بناجين، أنّ لا تخالجه شُبهة حين شارف ولده على الغرق في أنّه من المستثنيين لا من المستثنى منهم فعوتب على أنَّ اشتبه عليه ما يجب إلاّ يشتبه))([107]).

[107]الكشاف 2: 379.


صفحه 58

بيد أنّ الفخر الرازي في تفسيره يوردُ وجوهاً لمن قدح في عصمة الأنبياء فيما يتعلق بخطابه سبحانه لنبيه نوح عليه السلام:{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود /46) ومن هذه الوجوه المتضمنة قدحاً بالعصمة قوله: ((يدلّ على أنّ ذلك السؤال كان محض الجهل وهذا يدل غاية التقريع ونهاية الزجر))([108]).

نرى في الآية الكريمة عتاباً واضحاً إذ إنّ نوحاً عليه السلام كان في نزاع نفسي بين وجوب طاعة الله تبارك وتعالى في هذا الحدث الكوني – حدث الطوفان – وهو حدث فاصلٌ بين فئتين فئة ناجية تركب سفينة النجاة التي أعدت بأمر الله وتكليف نوح عليه السلام، وبين فئة هالكة غرقاً لا محالة، أقول بين وجوب هذه الطاعة وبين تفكيره بمصير ابنه الذي رفض الركوب في السفينة، تنازعت العاطفة مع قوة العقيدة فكانت العقيدة هي الغالبة ولم يكن هناك خروج عن الطاعة في مناشدة نوح عليه السلام لربه أنَّ يستثنى ابنه من القرار الحاكم العادل فكان أنَّ جاء ردّه سبحانه وتعالى عتاباً لنوح عليه السلام {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود: 46).

عتاب الله لنبيه موسىعليه السلام

من نماذج الآيات الواردة في عتاب الأنبياء عليهم السلام – كما يراها مفسرون كُثُر وبعض متكلمي المذاهب الإسلامية آيات عتاب النَّبي موسى عليه السلام حينما عوتب لمّا قام خطيباً في بني إسرائيل وسُئل عن أعلم الناس فرأى عليه السلام أنّه الأعلم كما في إحدى الروايات التي تناقلها المفسرون منه في المصادر المعتبرة.

[108]فخر الدين محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب 18: 4.


صفحه 59

فقد جاء في صحيح البخاري وغيره ((حدثنا الحميري حدثنا سفيان حدثنا عمر بن دينار قال أخبرني سعيد بن جبير قال: قلتُ لابن عباس إنّ نوف البكالي يزعمُ أنّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس كذب عدو الله حدّثني أبي بن كعب أنّه سَمِع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أنّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فَسُئِل أيّ الناس أعلم؟

فقال أنا: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أنّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك...))([109]).

وقال الزمخشري ما نصُّه ((وروي أنّه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أنَّ يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال: إنّه اصطفى نبيّكم وكلمة فقالوا له قد علمنا هذا، فأيّ الناس أعلم؟ قال أنا: فَعَتَب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: (بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر)([110]).

أما القرطبي فقد علّق على الآية الكريمة{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} (الكهف/60) موعزاً سبب العتاب الموجه من الباريعزّ وجلّ إلى نبيه موسى عليه السلام قائلاً: ((وسبب هذه القصة ما

[109]ظ: صحيح البخاري: باب حديث الخضر مع موسى (عليه السلام) ص607، وأنظر كذلك: مجمع البيان في تفسير القرآن: الطبرسي 6: 621،القاضي أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الخيفي (ت982 هـ) تفسير أبي السعود أو أرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 5: 332، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ط 12، 1419 هـ - 1999 م، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء اليعقوبي الشافعي (ت514)، تفسير اليعقوبي أو معالم التنزيل 3: 17، دار الكتب العلمية 1414 هـ - 1993 م.

[110]الكشاف: 2: 683.


صفحه 60

أخرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنّ موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فَسُئِلَ أيّ الناس أعلم؟ فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى الله إليه: أنّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك...))([111]).

وعن ((أحمد بن مُحَمَّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا، لهم أمانة و صدق ووفاء، وأقوام يتولونكم، ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق؟ قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله، قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء؟! قال: نعم لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال، ألا تسمع لقول الله عزّ وجلّ: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة/ 257) يعني [ من ] ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (البقرة/ 257) إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلما أنَّ تولوا كل إمام جائر ليس من الله عزّ وجلّ خرجوا بولايتهم [ إيّاه ] من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار من الكفار، فـ{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة/ 257))) ([112]).

[111]أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت671 هـ) الجامع لأحكام القرآن 5: 278.

[112]ظ: ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت329 هـ) الكافي 1: 375 – 376، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط3، 1388 هـ، حجازي خسرو شاهي، درر الأخبار 466، انتشارات التأريخ والمعارف الإسلامية، قم ط 1، 1419 هـ.


صفحه 61

وعند التدبّر في دلالة الآية الكريمة المارة الذكر من سورة الكهف فيما يخصّ نبي الله موسى عليه السلام والعبد العالم الخضر عليه السلام باعتماد على ما ورد من روايات عن أهل البيت عليهم السلام نجد للأمر تحليلاً آخر.

فعن ((إسحق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام إنّ مَثل علي بن أبي طالب عليه السلام ومثلنا من بعده في هذه الأُمة كمثل موسى النبيّ والعالم عليهما السلام إذ لقيَه واستنطقه وسأله الصحبة فكان من أمرهما ما أقتصه الله لنبيه في كتابه، إلى أنَّ يقول عليه السلام: ((وكان موسى عليه السلام يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في نبوته وجميع العلم قد كُتب له في الألواح...)) ثم يقول عليه السلام بعد أسطر: ((ولا والله ما حسد موسى العالم وموسى نبي الله يُوحى إليه إذ لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم بل أقرّ له لعلمه ولم يحسده...))([113]).

قد يبدو هذا تعارضاً في توجيه مغزى الآية وسبب نزولها لكنّنا ننطلق من أنّ العتابَ قد يقع ضمن إطار الحكمة الموجه لسائر الناس من ذوي الأبصار كي يعلموا علم اليقين أنّ الله يريد لهم الخير فلا يشغلهم إلاّ السعي ليوم الحساب؛ ولذا أظهر لهم النبيّ المنزّه موسى عليه السلام وهو في اختبار إلهي وأصبح تلميذاً عند

[113]ظ: أبو النظر محمد بن مسعود ابن عباس السلمي السمر قندي المعروف بالعياشي (ت932) تفسير العياشي 2: 330، الأعلمي، بيروت – لبنان ط 1، 1411 هـ 1991 م وينظر الميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، 17: 265، المتوفى سنة 1320 ه‌ تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الثانية 1409 ه‌ - 1988 م، السيد هاشم البحراني الموسوي التوبلي 4: 321، تحقيق السيد علي عاشور.


صفحه 62

من هو ذو علم {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} (الكهف / 65) وإلاّ فالأنبياء معصومون منزهّون لا ينطقون عن هوىً بل عن وحيّ يُوحى.

نماذج من آيات (عتاب الله لنبيّه الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم )

من ذلك ما في سورة التوبة إذ قال تبارك وتعالى:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة / 43).

عند عرض آراء بعض المفسرين وتعليقاتهم على هذا النصّ القرآني نجد ضرورة الإفادة من سياق الآيات القرآنية في ضوء الوحدة القرآنية التي تنظم سور القرآن بأسرها من دون إغفال لعصمة الأنبياء وسموّ سلوكهم وعلوّ مكانتهم.

فقد ذهب الشريف المرتضى الموسويرحمه الله إلى أنّ ذلك السياق: ((فليس يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب، ولا يمتنع أنَّ يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة...))([114]) وأما قولهعزّ وجلّ:{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) فظاهره الاستفهام والمراد به التقريع واخراج ذكر علة إذْنَهُ وليس بواجب حمل ذلك على العتاب....))([115]).

ويرى المجلسي أنّ مضمون الآية الكريمة يدلّ على المبالغة في تعظيم النَّبي مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وزيادة في التعجيل والتعظيم ويرى أنّ قوله تعالى{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) محمول على ترك الأولى وأنَّ إذنه لهم

[114]أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف المرتضى (ت436 هـ)، تنزيه الأنبياء، 160.

[115]المصدر نفسه: 160.