ابن مهران الأعمش ، ولم يقطع بالمقدّر ، بأنّها مغسولةٌ ، بل احتمله والمسح فقال : وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة[1004].
وقد ذكرنا في فصل الجرّ والنصب تعليله وتوجيهه بأنّه عطف على الممسوح لا لتمسح ، بل للاقتصاد في صبّ الماء عليها للنهي عن الإسراف المنهيّ عنه .
فتردّده في الرّفع بين «مغسولة أو ممسوحة» يثبت الآن أنّ توجيهه في السابق إنّما كان لعطف القرآن على الرّأي وأنّه في غير محلّه .
ولو كان هو جازماً في تعليله السابق في فصل الجرّ والنصب ، لم يتردّد في التقدير في هذا الفصل ، بل كان له القطع بالتقدير وأنّه «مغسولة»[1005].
4 ـ ابن العربي (ت 543 هـ)
قال : فقرأها نافع ـ رحمه الله ـ وأرجلُكم برفع اللاّم ، وروي عنه في المشهور أنّه قرأها بفتح اللاّم كغيره من الجماعة[1006].
ثمّ قال : والرّفع مُفِيْدٌ حكم غسل الرّجلين[1007].
وزاد في «أحكام القرآن» أنّ الرَّفع عن نافع إنّما رواه الوليد بن مسلم ، وهي قراءة الأعمش والحسن[1008].
وفي تعبيره عن الضمّ بالرَّفع غرابة لا تخفى على الأديب النّحوي .
ثمّ إنّه ضعّف الرَّفع عن نافع ، وقال : المشهور عنه الفتح ، ومراده النّصب .
[1004]. الكشاف 1 : 646 -
[1005]. الكشّاف 1 : 646 -
[1006]. المحصول 1 : 96 -
[1007]. المحصول 1 : 97 -
[1008]. أحكام القرآن 2 : 70 -
وحكمه بأنّه مفيد للغسل تحكّم كما لا يخفى ، لأنّه ليس للرَّفع خصوصيّة تقتضي الدلالة على الغسل ولا لزوم بينهما ، كما هو واضح .
5 ـ ابن عطيّة الأندلسيّ (ت 546 هـ)
قال ابن عطيّة : وقرأ الحسن والأعمش : (وأرجلُكم) بالرَّفع ، المعنى : فاغسلوها[1009].
والجواب :
أنّ المتأمّل في كلامه لا يدري من أين جاء هذا التقدير وما هو الموجب له ؟ نعم الموجب له هو عطف القرآن على الهوى ولا دليل آخر عليه ، لأنّ القوم في القراءتين النّصب والجرّ لم يستطيعوا إثبات الغسل ، ولم تتّفق كلمتهم على ذلك ، فمن أين جاء القطع بهذا التقدير في الرّفع الشاذّ ، ولم يكن موجوداً في النصب والجرّ في القراءات المشهورة ؟!
6 ـ محمود بن أبي الحسن النيّسابوري (ت 553 هـ)
بالرفع على الابتداء المحذوف الخبر ، أي : وأرجلكم مغسولة[1010]ولكنّنا نقدر ممسوحة بالأدلة الّتي عندنا .
7 ـ أبو البقاء (ت 616 هـ)
حكم الرّجل بابتدائيّة «الأرجل» في هذه القراءة ، وقدّر الخبر مغسولة قائلاً :
[1009]. المحرّر الوجيز 2 : 164 -
[1010]. إيجاز البيان عن معاني القرآن 1 : 271 ، دار الغرب الإسلامي .
قراءة الرَّفع أيضاً محمولة على الغسل بتقدير : «وأرجلكم مغسولة»[1011].
ولم يذكر لأيّ سبب حكم بهذا التّقدير ؟ وما هو الدليل الذي أوجبه ؟ وما هو سبب الترجيح الذي ركن إليه ؟!
ونحن على فرض صحّة تلك القراءة نقدّر ممسوحة والتّرجيح يكون بسبب بالأدلّة السابقة .
وقال في إعرابه : «الرفع على الابتداء والخبر محذوف ، ودليل الحذف ـ أي : حذف الخبر ـ ما قبل هذا المبتدأ»[1012].
ولم يصرّح به ، كأنّه يميل إلى مغسولة ، ونحن نقدّر ممسوحة لأنّ المسح أيضاً ما قبل هذا المبتدأ ـ على حدّ تعبيره ـ بل ما قبله الحقيقيّ ليس إلاّ . وما المانع من أن يقدّر «ممسوحة» مع قربه ووضوحه ؟ على أنّه حكم بشذوذ قراءة الرفع وقال : ويقرء بالشذوذ بالرفع[1013].
وروى قراءة الرَّفع عن الحسن البصريّ وهو متأخّر عن عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)بأكثر من عقدين ، ثمّ اعترف بأنّ هذه القرآءة لا تصلح أن تكون دليلاً للفريقين ، إذ لكلّ أن يقدّر ما شاء ، ومن ثَمّ قال الزمخشريّ فيها : إنّها على معنى «وأرجلكم مغسولة» أو «ممسوحة»[1014].
8 ـ بيان الحق النيسابوري (ت 555 هـ)
قال بيان الحقّ إنّ قرأ «وأرجلكم» بالرّفع على الإبتداء المحذوف الخبر ، أي
[1011]. التبيان 1 : 422 ، أملاء ما من به الرحمن 1 : 209 -
[1012]. التبيان 1 : 422 ، أملاء ما من به الرحمن 1 : 209. .
[1013]. التبيان 1 : 422 ، وأملاء ما من به الرحمن 1 : 209 -
[1014]. التبيان 1 : 422 -
وأرجلكم مغسولة لئلاّ يحتاج إلى اعتبار المجاز توقّي العطف عما يليه .
ولكنّه رجع عن قراءة النصب والرّفع وقال : فالأولى أن يكون معطوفاً على مسح الرّأس في اللّفظ والمعنى ثمّ نسخ بدليل السنة وبدليل التّحديد
والجواب :
أوّلاً : أنّا قد قلنا في أوّل قراءة الرّفع أنّ هذه القراءة شاذّة بتصريح غير واحد من المفسرين والأدباء وأصحاب القراءات .
وثانياً : لو سلّمنا هذه القراءة فمن اين نعلم أنّ المحذوف هو الغسل ، بل نقول نحن إنّه المسح ، فتعيين الغسل هو أوّل الكلام ، ولهذا قال ابن سيدة : أي اغسلوها إلى الكعبين ، على تأويل من يغسل ، أو ممسوحة على تأويل من يمسح وكذا لم يقطع الزّمخشري إذ قال وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة فتراهم شاكيّن فيه .
وثالثاً : كيف يلزم المجاز والحال أنّ العطف على «برؤوسكم» جائز سواء على لفظه أو محلّه ؟
9 ـ القرطبيّ (ت 671 هـ)
رواه عن الوليد بن مسلم عن نافع ، وقال : هي قراءة الحسن ـ البصري ـ والأعمش سليمان[1015].
واكتفى بهذا القدر ، وأنت تعرف أنّ التقدير مرجوح لا يصار إليه إلاّ مع الحاجة ويكتفى بقدرها .
وهاهنا لا حاجة إلى التقدير ، لأنّ الآية تدلّ على المراد من دونه ، وهي محكمة
[1015]. تفسير القرطبي 6 : 94 -
لا تحتاج إلى التقدير والتأويل ، وأكثر التقدير إنّما يتطرّق إلى الآيات للتأويل ، فهذا ليس موضعه .
ثمّ إنّه علم أنّ الرَّفع لا يساعده على مراده ، فلم يذكر المقدّر المزعوم ما هو ؟ ولو ذكر «مغسولة» لذكرنا «ممسوحة» ، ثمّ نطلب منه ترجيح الغسل والمرجّح مفقود .
فيؤول الأمر إلى المسح ومعه المرجّحات المذكورة في الفصلين السابقين .
10 ـ البيضاوي (ت 682 هـ)
قال : وقُرئ بالرَّفع على : وأرجلكم مغسولة[1016].
ولا يخفى لطف التعبير ، فإنّ مراده أنّ الرَّفع إنّما قرؤوا به على أن يفيد الغسل ; ولكن الرّفع أيضاً خيّب آمالهم ، حيث لم يفد الغرض بل ربّما أفاده المسح ، وهو خلاف مقصودهم تماماً .
11 ـ أبو حيّان (ت 745 هـ)
لم يثبت عند أبي حيّان أنّ الرَّفع يدلّ على الغسل ويساعده ، ولذا لم يرجّح واحداً . وقال ـ بعد أن نقل الرَّفع عن الحسن ـ : وهو مبتدأ محذوف الخبر ، أي : اغسلوها إلى الكعبين على تأويل من يغسل ، أو ممسوحة إلى الكعبين على تأويل من يمسح[1017].
[1016]. تفسير البيضاوي 2 : 300 -
[1017]. البحر المحيط 3 : 452 -
فهو عارف بعدم جدوى أيّ تقدير في ترجيح نظريّة الغسل على نظريّة المسح ولذا لم يقتنع بواحد ولم يحكم بحكم . بل ذكر الاحتمالين ، إذ ما من دليل على الغسل إلاّ وقبله دليل أقوى منه على المسح ، كما عرفت في الأبحاث المتقدّمة .
12 ـ السّمين الحلبي (ت 756 هـ)
قال السّمين : وأمّا الرّفع فعلى الإبتداء والخبر محذوف ، أي «وأرجلكم» مغسولة أو ممسوحة على ما تقدّم في حكمها[1018](من العطف على المنصوب فالحكم الغسل أو على المجرور فالحكم المسح ولكنّه منسوخ فالواجب الغسل) .
والجواب :ما ذكرناه في قراءة الجر والنّصب ومناقشاتنا معه في القراءتين .
13 ـ الدّمشقي الحنبلي (ت بعد 880 هـ)
قال الدّمشقي في قراءة الرفع ما قاله السّمين الحلبي[1019].
والجواب :هو الجواب عنه .
14 ـ السّيوطيّ (ت911هـ )
قال : وقرئ بالرّفع على الابتداء والخبر محذوف دلّ عليه ما
[1018]. الدّر المصون 2 : 497 -
[1019]. اللّباب في علم الكتاب 7 : 228 -
قبله[1020].
يقال له : وما قبله شيئان : الغسل والمسح ، وأيّهما يدلّ على الخبر المحذوف ؟ ولعلّه لهذا لم يصرّح بالمحذوف أهو «مغسولة» أم «ممسوحة» ؟
15 ـ أبو السّعود (ت 951 هـ)
قال : وقرئ بالرَّفع ، أي : وأرجلكم مغسولة[1021].
هذا التقدير بناءً على أمر مفروغ منه بينهم وهو الغسل ، وقد عرفت أنّه غير صحيح ، ولقائل أن يقدّر : «وأرجلكم ممسوحة» ، ويرجّح هذا التقدير بما سبق من الأدلّة ، وليس واحد منها يدعم الغسل كما بيّنّا .
16 ـ صاحب الإتحاف (ت 1117 هـ)
نقل الرَّفع عن الحسن ـ البصري ـ وقال : على الابتداء والخبر محذوف ، أي : «مغسولة»[1022].
وهذا مبنيّ على أمر مفروغ مِنْهُ فيما بينهم وهو الغسل ، وقد عرفت ردّه ، وأنّ التقدير لو صحّ لم لا يجوز أن يكون ممسوحة وهو المتّفق بين المسلمين ؟! والغسل مختلف فيه بين أهل الغسل ، ولا يدلّ عليه القرآن بما يسمّيه أهل العلم دلالة في كلام العرب .
[1020]. الإتقان 1 : 544 -
[1021]. تفسير أبي السّعود 3 : 11 -
[1022]. إتحاف الفضلاء 1 : 251 -
17 ـ الميرزا محمد المشهدي القمّي (ت 1125 هـ)
قال المشهدي القمّي : وقرئ بالرّفع على تقدير «وأرجلكم ممسوحة»[1023].
18 ـ الشنقيطيّ (ت 1393 هـ)
وصف الرّفع بالشّذوذ ، وأنّه قراءة الحسن ـ البصري ـ ولم يزد على ذلك بأن يبيّن المقدَّر في حال الرَّفع ، لأنّه لم يره مجدياً في إفادة المقصود[1024].
19 ـ الدّكتور ياسين جاسم[1025]
قال الدّكتور ياسين : وقرأ الحسن : «وأرجلكم» بالرّفع ، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي أغسلوها إلى الكعبين أو ممسوحة إلى الكعبين[1026].
أقول :فهو مردّد بين الحكمين ولا يرجح أحدهما على الآخر .
20 ـ الدّكتور عبداللّطيف الخطيب[1027]
قال الدّكتور عبداللّطيف : وقرأ الوليد بن مسلم عن نافع ، وعمرو عن الحسن ، وسليمان الأعمش «وأرجلكم» بالرّفع ، وهو مبتدأ محذوف الخبر ، والتقدير
[1023]. تفسير كنز الدّقائق 3 : 29 -
[1024]. أضواء البيان 1 : 330 -
[1025]. الأستاد المشارك بجامعة الإيمان معاصر .
[1026]. الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط للدّكتور ياسين 2 : 263 -
[1027]. معاصر .