بها[1052].
أقول :
قد عرفت أنّه تناقض في كلامه صدراً وذيلاً ، حيث اعترف بأنّ جملة «وامسحوا برؤوسكم» أجنبيّة ، لكنّه قسّم الأجنبيّ إلى قسمين : المحضُ وغير المحض ، وأجاز الفصل بالأجنبي غير المحض .
وهذا خرق للإجماع أوّلاً ، لأنّ العلماء قبله قالوا : لا يجوز الفصل بالأجنبي ويظهر منهم أنّ الأجنبيّ لا يصلح للفصل بين المتعاطفين محضاً كان أو غيره بقانون : الإطلاق .
وثانياً : أنّ جملة «وامسحوا برؤوسكم» أجنبيّة محضة من ناحية المضمون ، وليست هي حالية ولا معترضة ، فلا يجوز الفصل بها أبداً .
وثالثاً : أنّ قوله : «لأنّ المجموع عمل واحد قصد الإعلام بترتيبه فحسن» عطف للقرآن والقواعد النحويّة على الرأي والهوى والمذهب ، والموضوع للدلالة على الترتيب الفاء وثمّ العاطفتان لا الفصل اللاّزم على قولهم .
ورابعاً : أنّه ذكر قاعدة لمعرفة الأجنبي من غيره في الأخير[1053]، وهذه القاعدة تحكم بأجنبيّة قوله تعالى : «وامسحوا برؤوسكم» عن جملة «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق» ، وتدلّ على أنّ «وأرجلكم» لو كانت عطفاً على «الوجوه والأيدي» للزم الفصل بالأجنبي على حدِّ ما ذكره من القاعدة في معرفة الأجنبي من غيره .
وتوضيح ذلك أنّه قال في القاعدة :
فلو جيء بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة لا يكون مضمونها جزء ما
[1052]و2 - شرح الكافية 1 : 514 -
توسّطت فيه ولا هي حالية ولا اعتراضيّة تمحّضت أجنبيّتها ولم يجز الفصل بها[1054].
أمّا كون «وامسحوا برؤوسكم» غير معترضة ، فقد بيّنّا في السابق أنّ الجمل الاعتراضيّة لها مواضع معيّنة وهي ليست منها .
وأمّا كونها حاليةً فواضح ، لأنّ لها أيضاً مواضع معيّنة وهي ليست من تلك المواضع .
فبقي احتمال أن تكون الجملة ـ «وامسحوا برؤوسكم» ـ جزءاً ما توسّطت فيه ، وهل تكون جزءه أو لا تكون ؟!
حيث إنّ المسح والغسل عملان متغايران شرعاً وعرفاً فالجزئيّة منتفية .
أمّا شرعاً فلأنّه ـ تعالى ـ أمر بالمسح والغسل ، فلو كانا غير متغايرين لم يكن للأمر بهما معنًى ; لأنّ الواحد لا يكون اثنين واستغني بأحدهما عن الآخر .
وأمّا عرفاً فلأنّ كلّ واحد غير الآخر عند أهل العرف .
وإن كان الغسل والمسح واحداً غير متغايرين فَلِمَ وقع هذا النزاع ؟ وأنّ الأرجل مغسولة أو ممسوحة ؟ ولكفى كلّ واحد عن الآخر ، فَلِمَ يُصِرُّ الجمهور على الغسل ويردّون المسح ، ولا يقولون به ؟ فالمغايرة ضروريّة وإلاّ لم يكن للنزاع معنىً .
فظهر من هذا كلّه أنّ تقسيم ابن مالك الأجنبي إلى قسمين لا أصل له ، وأنّ ما عدّه غير المحض وأجاز الفصل به ليس بشيء .
8 ـ موقف ابن الأنباريّ
تعرّض ابن الأنباري لردّ الجوار في «المسألة الرابعة والثمانين» من كتاب
[1054]. شرح الكافية 1 : 514 -
«الإنصاف في مسائل الخلاف» ، حيث استدلُّوا على الجوار :
1 ـ بقوله ـ تعالى ـ : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)[1055]. وقالوا : وجه الدليل أنّه قال : «والمشركين» بالخفض على الجوار ، وإن كان معطوفاً على «الذين» فهو مرفوع ، لأنّه اسم «يكن» .
2 ـ وقوله ـ تعالى ـ : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) بالخفض على الجوار ، وهي قراءة أبي عمرو ، وابن كثير ، وحمزة ، ويحيى عن عاصم ، وأبي جعفر ، وخلف ، وكان ينبغي أن يكون منصوباً ، لأنّه معطوف على قوله : (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) ـ كما في القراءة الأُخرى وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائيّ وحفص عن عاصم، ويعقوب ، ولو كان معطوفاً على قوله : «برؤوسكم» لكان ينبغي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة ، وهو مخالف لإجماع أئمّة الأُمّة من السَّلَف والخلف إلاّ فيما لا يعدّ خلافاً[1056].
3 ـ وبقول زهير :
لعِب الرّياح بها وغيّرها***بعدي سوافي المُوْرِ والقطرِ[1057]
فخفض «القطر» على الجوار ، وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً لأنّه معطوف على «سوافي» ، ولا يكون معطوفاً على «المُوْر» وهو الغبار ، لأنّه ليس للقطر سواف كالمور حتّى يعطفه عليه .
4 ـ وبقول ذي الرُّمَةِ :
[1055]. البيّنة : 1 -
[1056]. الإنصاف 2 : 126 -
[1057]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام ابن عبدالبّر ، والقرطبي ، والتفتازاني ، والفقيه يوسف في قراءة الجرّ .
[1058]
فخفض «محلوج» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون : «مَحْلوجاً» ; كونه وصفاً لقوله : «قُطْناً» ; ولكنّه خفض على الجوار .
5 ـ وبقول العجّاج وهو من شواهد سيبويه :[1059]
* كأنّ نسج العنكبوت المرمل *
فخفض «المرمل» على الجوار ، وكان ينبغي أن يقول : «المرملا» لكونه وصفاً للنسج ، لا للعنكبوت .
6 ـ وبقولهم : «جحر ضبّ خرب» . فخفضوا «خرباً» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون مرفوعاً ، لكونه في الحقيقة صفة للجُحْر لا للضبّ .
أجاب ابن الأنباريّ في الجواب عن أدلّتهم المتقدّمة واحداً بعد واحد .
فقال في الجواب عن الدليل الأوّل : لا حجّة لهم فيه ، لأنّ قوله : «المشركين» ليس معطوفاً على «الذين كفروا» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «من أهل الكتاب» فدخله الجرّ ، لأنّه معطوف على مجرور ، لا على الجوار .
وقال في الجواب عن الدليل الثاني : لا حجّة لهم فيه أيضاً ، لأنّه على قراءة من قرأ بالجرّ ليس معطوفاً على قوله : «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «برؤوسكم»[1060].
أقول : والظاهر من ذلك هو المسح ، وهو لمّا كان منافياً لرأيه حمله على الغسل مستدلاًّ بما روي عن أبي زيد والتحديد «إلى الكعبين» ، وقد مرّ الجواب عنهما
[1058]. البيت في ديوانه : 995 - والشاهد فيه قوله : «محلوج» ، حيث جرّه للمجاورة ; أي المجاورة اسم مجرور والأصل أن ينصب ، لأنّه نعت اسم منصوب وهو قوله : «قطناً» .
[1059]. وقد تقدم ذكره عند عرضنا لموقف سيبويه .
[1060]. الانصاف 2 : 131 -
مفصّلاً .
وقال في الجواب عن بيت زهير بن أبي سُلْمى الْمُزَنِيّ :
لا حجّة لهم فيه ، لأنّه معطوف على «المور» ، وقولهم : «لاَ يكون معطوفاً على «المور» ، لأنّه ليس للقطر سواف»[1061].
قلنا : يجوز أن يكون قد سمّى ما تسفيه الرّيح منه وقت نزوله سوافي ، كما يسمّى ما تسفيه الريح من الغبار «سوافي» .
وقال في الجواب عن قول العَجِّاج :
الرواية : المرمِل ـ بكسر الميم ـ فيكون من وصف العنكبوت لا النسج . قال : وعلى تقدير صحّة الرواية التي ذكرتم وأنّه مجرور على الجوار ، فلا حجّة فيه أيضاً ، لأنّ الحمل على الجوار من الشاذّ الذي لا يعرج عليه .
وقال في الجواب عن قول ذي الرمة بمثل هذا الجواب .
وقال في الجواب عن قول العرب : وقولهم : «جحر ضبّ خرب» محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلّته ولا يقاس عليه ; لأنّه ليس كلّ ما حكي عنهم يقاس عليه ، ألا ترى أنّ اللحياني حكى أنّ من العرب من يجزم بـ «لن» وينصب بـ «لم» . إلى غير ذلك من الشواذّ التي لا يلتفت إليها ولا يقاس عليها ، فكذلك هاهنا . والله أعلم[1062].
وأمّا استدلال ابن الأنباري لإثبات الغسل ـ على قراءة الجرّ ـ بقول الرّاعي النميري :
إذا ما الغانيات برزن يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا
[1061]. الانصاف 2 : 131 -
[1062]. الإنصاف 2 : 129 ـ 133 -
حيث عطف العيون على الحواجب وهي غير مزجّجة ، فقد تقدّم جوابه في المباحث السابقة .
وأمّا الاستدلال بقول الزبرقان بن بدر أو خالد بن طيفان :[1063]
تراه كأنّ الله يجدع أنفه***وعينيه إن مولاه ثاب له وَفْرُ
حيث عطف عينيه على أنفه والعينان لا توصفان بالجدع ، فمردود بمثل ما تقدّم ، وأنّ التقدير : «يقلع عينيه» ، وهو من عطف الجملة على الجملة مع القرينة القائمة من غير التباس ، وليست الآية كذلك .
والاستدلال بقول لبيد :[1064]
فعَلا فروعُ الأَيهُقانِ وأطفَلَتْ***بالجَهْلتين ظِباؤُها ونَعامها
حيث عطف «نعامها» على «ظباؤها» ، والنعام لا تُطْفِل وإنّما تبيض ، أيضاً قد تقدّم ردّه .
وكذا الاستدلال بقول القائل :[1065]
يا ليت بعلكِ في الوَغَى***متقلّداً سيفاً ورمحا
حيث عطف «رمحاً» على «سيفا» ، وإن كان الرمح لا يتقلّد ، أيضاً قد تقدّم الجواب عنه ، وأنّ الآية ليست من هذا القبيل .
ومثله الاستدلال بقول الرّاجز :[1066]
علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى شَتَتْ هَمَّالَةً عيناها
[1063]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الآلوسي .
[1064]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الثعلبي والجويني ، والكياهراسي ، والقرطبي في قراءة الجر ، وابن العربي في قراءة النّصب .
[1065]. تقدم ذكره عند عرض كلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1066]. تقدم ذكره عند عرض كلام الخازن في قراءة الجر .
حيث عطف «ماءً» على «تبناً» وإن كان الماء لا يعلف وكذا قول الراجز الآخر :[1067]
* شَرَّابُ ألبان وتمر وأقِطْ *
حيث عطف «تمراً» على «ألبان» وإن كان التّمر لا يشرب ، فكذلك عطف الأرجل على الرؤوس وإن كانت لا تمسح[1068]على ما زعم القوم .
وقد تقدّم أنّ الآية ليست من قبيل الأبيات ، لأن القرائن فيها موجودة وواضحة دون الآية ، لان الالتباس فيها بين المسح والغسل ، موجود على تقدير الجوار ، والقياس عليها قياس مع الفارق كما لا يخفى .
والاستدلال بقول الرَّاجز :
علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى غَدَتْ هَمَّالَةً عيناها
وقول الرّاعي النميريّ :
إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا
مردود أيضاً بما قاله ابن هشام في مبحث المفعول معه من «شرح الشذور»[1069]، قال :
وإنّما هي في المثالين لعطف جملة على جملة ، والتقدير : «وسقيتها ماءً» و«كحّلن العيونا» ، فحذف الفعل والفاعل وبقي المفعول . ولا جائز أن يكون الواو فيهما لعطف مفرد على مفرد ، لعدم تشارك ما قبلها وما بعدها في العامل ، لأنّ «علفت» لا يصحّ تسليطه على الماء ، و «زجّجن» لا يصحّ تسليطه على العيون ،
[1067]. تقدم عند عرض كلام القرطبي في قراءة الجر ، وكلام ابن العربي في قراءة النّصب ويأتي في قراءة الجر بالجوار عند عرض رأي ابن الأنباري .
[1068]. الإنصاف 2 : 129 ـ 132 -
[1069]. شرح شذور الذهب : 268 ـ 269 -
ولا تكون للمصاحبة لانتفائها في قوله : «علفتها تبناً وماءً بارداً» ، ولعدم فائدتها في «وزجّجن الحواجب والعيونا» ، إذ من المعلوم لكلّ أحد أنّ العيون مصاحبة للحواجب[1070].
والأصل الذي بنوا عليه كلامهم خطأ من أصله : وهو أنّ «الأرجل» معطوفة على الرأس في الظّاهر لا في المعنى ، وقد يعطف الشيء على الشيء والمعنى مختلف كما استدلّوا بهذه الأبيات .
فابن الأنباري يرى الجرّ بالجوار في الآية الكريمة خَطَأً ، وهو يقول بالغسل ، وأنّ الجرّ بالعطف على الرؤوس لا يفيد المسح[1071].
وأنت تعرف أنّ الجوار خطأ وإفادة الغسل مع العطف على الرؤوس خطأ آخر .
بل الجرّ للعطف على الرؤوس والمفاد المسح ليس إلاّ ، ولما قالوا بالغسل مخالفةً لأهل البيت ، ورأوا أنّ القرآن لا يساعدهم على الغسل ; ارتكبوا هذه التأويلات .
9 ـ موقف الفخرالرازي صاحب التفسير (ت 606 هـ)
لم يتردّد الفخر الرازيّ في الحكم ببطلان الجرّ بالمجاورة في القرآن ـ بل في كلام العرب ـ في حال السعة مستدلاً لذلك بأدلّة مرّ تفصيلها ، والحاصل :
1 ـ أنّ الجرّ على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمّل للضرورة الشعريّة ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .
وأنّ الكسر على الجوار إنّما يكون في مقام الأمن من الالتباس ، والأمن منه في
[1070]. وقد تقدم التفصيل فيه عند عرض كلام الآلوسي في قراءة الجرّ .
[1071]. الإنصاف 2 : 130 -