بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 444

توسّطت فيه ولا هي حالية ولا اعتراضيّة تمحّضت أجنبيّتها ولم يجز الفصل بها[1054].

أمّا كون «وامسحوا برؤوسكم» غير معترضة ، فقد بيّنّا في السابق أنّ الجمل الاعتراضيّة لها مواضع معيّنة وهي ليست منها .

وأمّا كونها حاليةً فواضح ، لأنّ لها أيضاً مواضع معيّنة وهي ليست من تلك المواضع .

فبقي احتمال أن تكون الجملة ـ «وامسحوا برؤوسكم» ـ جزءاً ما توسّطت فيه ، وهل تكون جزءه أو لا تكون ؟!

حيث إنّ المسح والغسل عملان متغايران شرعاً وعرفاً فالجزئيّة منتفية .

أمّا شرعاً فلأنّه ـ تعالى ـ أمر بالمسح والغسل ، فلو كانا غير متغايرين لم يكن للأمر بهما معنًى ; لأنّ الواحد لا يكون اثنين واستغني بأحدهما عن الآخر .

وأمّا عرفاً فلأنّ كلّ واحد غير الآخر عند أهل العرف .

وإن كان الغسل والمسح واحداً غير متغايرين فَلِمَ وقع هذا النزاع ؟ وأنّ الأرجل مغسولة أو ممسوحة ؟ ولكفى كلّ واحد عن الآخر ، فَلِمَ يُصِرُّ الجمهور على الغسل ويردّون المسح ، ولا يقولون به ؟ فالمغايرة ضروريّة وإلاّ لم يكن للنزاع معنىً .

فظهر من هذا كلّه أنّ تقسيم ابن مالك الأجنبي إلى قسمين لا أصل له ، وأنّ ما عدّه غير المحض وأجاز الفصل به ليس بشيء .

8 ـ موقف ابن الأنباريّ

تعرّض ابن الأنباري لردّ الجوار في «المسألة الرابعة والثمانين» من كتاب

[1054]. شرح الكافية 1 : 514 -


صفحه 445

«الإنصاف في مسائل الخلاف» ، حيث استدلُّوا على الجوار :

1 ـ بقوله ـ تعالى ـ : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)[1055]. وقالوا : وجه الدليل أنّه قال : «والمشركين» بالخفض على الجوار ، وإن كان معطوفاً على «الذين» فهو مرفوع ، لأنّه اسم «يكن» .

2 ـ وقوله ـ تعالى ـ : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) بالخفض على الجوار ، وهي قراءة أبي عمرو ، وابن كثير ، وحمزة ، ويحيى عن عاصم ، وأبي جعفر ، وخلف ، وكان ينبغي أن يكون منصوباً ، لأنّه معطوف على قوله : (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) ـ كما في القراءة الأُخرى وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائيّ وحفص عن عاصم، ويعقوب ، ولو كان معطوفاً على قوله : «برؤوسكم» لكان ينبغي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة ، وهو مخالف لإجماع أئمّة الأُمّة من السَّلَف والخلف إلاّ فيما لا يعدّ خلافاً[1056].

3 ـ وبقول زهير :

لعِب الرّياح بها وغيّرها***بعدي سوافي المُوْرِ والقطرِ[1057]

فخفض «القطر» على الجوار ، وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً لأنّه معطوف على «سوافي» ، ولا يكون معطوفاً على «المُوْر» وهو الغبار ، لأنّه ليس للقطر سواف كالمور حتّى يعطفه عليه .

4 ـ وبقول ذي الرُّمَةِ :

[1055]. البيّنة : 1 -

[1056]. الإنصاف 2 : 126 -

[1057]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام ابن عبدالبّر ، والقرطبي ، والتفتازاني ، والفقيه يوسف في قراءة الجرّ .


صفحه 446
كأنّما ضَرَبتْ قُدَّام أعْيُنِها***قُطْناً بمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ

[1058]

فخفض «محلوج» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون : «مَحْلوجاً» ; كونه وصفاً لقوله : «قُطْناً» ; ولكنّه خفض على الجوار .

5 ـ وبقول العجّاج وهو من شواهد سيبويه :[1059]

* كأنّ نسج العنكبوت المرمل *

فخفض «المرمل» على الجوار ، وكان ينبغي أن يقول : «المرملا» لكونه وصفاً للنسج ، لا للعنكبوت .

6 ـ وبقولهم : «جحر ضبّ خرب» . فخفضوا «خرباً» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون مرفوعاً ، لكونه في الحقيقة صفة للجُحْر لا للضبّ .

أجاب ابن الأنباريّ في الجواب عن أدلّتهم المتقدّمة واحداً بعد واحد .

فقال في الجواب عن الدليل الأوّل : لا حجّة لهم فيه ، لأنّ قوله : «المشركين» ليس معطوفاً على «الذين كفروا» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «من أهل الكتاب» فدخله الجرّ ، لأنّه معطوف على مجرور ، لا على الجوار .

وقال في الجواب عن الدليل الثاني : لا حجّة لهم فيه أيضاً ، لأنّه على قراءة من قرأ بالجرّ ليس معطوفاً على قوله : «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «برؤوسكم»[1060].

أقول : والظاهر من ذلك هو المسح ، وهو لمّا كان منافياً لرأيه حمله على الغسل مستدلاًّ بما روي عن أبي زيد والتحديد «إلى الكعبين» ، وقد مرّ الجواب عنهما

[1058]. البيت في ديوانه : 995 - والشاهد فيه قوله : «محلوج» ، حيث جرّه للمجاورة ; أي المجاورة اسم مجرور والأصل أن ينصب ، لأنّه نعت اسم منصوب وهو قوله : «قطناً» .

[1059]. وقد تقدم ذكره عند عرضنا لموقف سيبويه .

[1060]. الانصاف 2 : 131 -


صفحه 447

مفصّلاً .

وقال في الجواب عن بيت زهير بن أبي سُلْمى الْمُزَنِيّ :

لا حجّة لهم فيه ، لأنّه معطوف على «المور» ، وقولهم : «لاَ يكون معطوفاً على «المور» ، لأنّه ليس للقطر سواف»[1061].

قلنا : يجوز أن يكون قد سمّى ما تسفيه الرّيح منه وقت نزوله سوافي ، كما يسمّى ما تسفيه الريح من الغبار «سوافي» .

وقال في الجواب عن قول العَجِّاج :

الرواية : المرمِل ـ بكسر الميم ـ فيكون من وصف العنكبوت لا النسج . قال : وعلى تقدير صحّة الرواية التي ذكرتم وأنّه مجرور على الجوار ، فلا حجّة فيه أيضاً ، لأنّ الحمل على الجوار من الشاذّ الذي لا يعرج عليه .

وقال في الجواب عن قول ذي الرمة بمثل هذا الجواب .

وقال في الجواب عن قول العرب : وقولهم : «جحر ضبّ خرب» محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلّته ولا يقاس عليه ; لأنّه ليس كلّ ما حكي عنهم يقاس عليه ، ألا ترى أنّ اللحياني حكى أنّ من العرب من يجزم بـ «لن» وينصب بـ «لم» . إلى غير ذلك من الشواذّ التي لا يلتفت إليها ولا يقاس عليها ، فكذلك هاهنا . والله أعلم[1062].

وأمّا استدلال ابن الأنباري لإثبات الغسل ـ على قراءة الجرّ ـ بقول الرّاعي النميري :

إذا ما الغانيات برزن يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا

[1061]. الانصاف 2 : 131 -

[1062]. الإنصاف 2 : 129 ـ 133 -


صفحه 448

حيث عطف العيون على الحواجب وهي غير مزجّجة ، فقد تقدّم جوابه في المباحث السابقة .

وأمّا الاستدلال بقول الزبرقان بن بدر أو خالد بن طيفان :[1063]

تراه كأنّ الله يجدع أنفه***وعينيه إن مولاه ثاب له وَفْرُ

حيث عطف عينيه على أنفه والعينان لا توصفان بالجدع ، فمردود بمثل ما تقدّم ، وأنّ التقدير : «يقلع عينيه» ، وهو من عطف الجملة على الجملة مع القرينة القائمة من غير التباس ، وليست الآية كذلك .

والاستدلال بقول لبيد :[1064]

فعَلا فروعُ الأَيهُقانِ وأطفَلَتْ***بالجَهْلتين ظِباؤُها ونَعامها

حيث عطف «نعامها» على «ظباؤها» ، والنعام لا تُطْفِل وإنّما تبيض ، أيضاً قد تقدّم ردّه .

وكذا الاستدلال بقول القائل :[1065]

يا ليت بعلكِ في الوَغَى***متقلّداً سيفاً ورمحا

حيث عطف «رمحاً» على «سيفا» ، وإن كان الرمح لا يتقلّد ، أيضاً قد تقدّم الجواب عنه ، وأنّ الآية ليست من هذا القبيل .

ومثله الاستدلال بقول الرّاجز :[1066]

علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى شَتَتْ هَمَّالَةً عيناها

[1063]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الآلوسي .

[1064]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الثعلبي والجويني ، والكياهراسي ، والقرطبي في قراءة الجر ، وابن العربي في قراءة النّصب .

[1065]. تقدم ذكره عند عرض كلام الأخفش في قراءة النّصب .

[1066]. تقدم ذكره عند عرض كلام الخازن في قراءة الجر .


صفحه 449

حيث عطف «ماءً» على «تبناً» وإن كان الماء لا يعلف وكذا قول الراجز الآخر :[1067]

* شَرَّابُ ألبان وتمر وأقِطْ *

حيث عطف «تمراً» على «ألبان» وإن كان التّمر لا يشرب ، فكذلك عطف الأرجل على الرؤوس وإن كانت لا تمسح[1068]على ما زعم القوم .

وقد تقدّم أنّ الآية ليست من قبيل الأبيات ، لأن القرائن فيها موجودة وواضحة دون الآية ، لان الالتباس فيها بين المسح والغسل ، موجود على تقدير الجوار ، والقياس عليها قياس مع الفارق كما لا يخفى .

والاستدلال بقول الرَّاجز :

علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى غَدَتْ هَمَّالَةً عيناها

وقول الرّاعي النميريّ :

إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا

مردود أيضاً بما قاله ابن هشام في مبحث المفعول معه من «شرح الشذور»[1069]، قال :

وإنّما هي في المثالين لعطف جملة على جملة ، والتقدير : «وسقيتها ماءً» و«كحّلن العيونا» ، فحذف الفعل والفاعل وبقي المفعول . ولا جائز أن يكون الواو فيهما لعطف مفرد على مفرد ، لعدم تشارك ما قبلها وما بعدها في العامل ، لأنّ «علفت» لا يصحّ تسليطه على الماء ، و «زجّجن» لا يصحّ تسليطه على العيون ،

[1067]. تقدم عند عرض كلام القرطبي في قراءة الجر ، وكلام ابن العربي في قراءة النّصب ويأتي في قراءة الجر بالجوار عند عرض رأي ابن الأنباري .

[1068]. الإنصاف 2 : 129 ـ 132 -

[1069]. شرح شذور الذهب : 268 ـ 269 -


صفحه 450

ولا تكون للمصاحبة لانتفائها في قوله : «علفتها تبناً وماءً بارداً» ، ولعدم فائدتها في «وزجّجن الحواجب والعيونا» ، إذ من المعلوم لكلّ أحد أنّ العيون مصاحبة للحواجب[1070].

والأصل الذي بنوا عليه كلامهم خطأ من أصله : وهو أنّ «الأرجل» معطوفة على الرأس في الظّاهر لا في المعنى ، وقد يعطف الشيء على الشيء والمعنى مختلف كما استدلّوا بهذه الأبيات .

فابن الأنباري يرى الجرّ بالجوار في الآية الكريمة خَطَأً ، وهو يقول بالغسل ، وأنّ الجرّ بالعطف على الرؤوس لا يفيد المسح[1071].

وأنت تعرف أنّ الجوار خطأ وإفادة الغسل مع العطف على الرؤوس خطأ آخر .

بل الجرّ للعطف على الرؤوس والمفاد المسح ليس إلاّ ، ولما قالوا بالغسل مخالفةً لأهل البيت ، ورأوا أنّ القرآن لا يساعدهم على الغسل ; ارتكبوا هذه التأويلات .

9 ـ موقف الفخرالرازي صاحب التفسير (ت 606 هـ)

لم يتردّد الفخر الرازيّ في الحكم ببطلان الجرّ بالمجاورة في القرآن ـ بل في كلام العرب ـ في حال السعة مستدلاً لذلك بأدلّة مرّ تفصيلها ، والحاصل :

1 ـ أنّ الجرّ على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمّل للضرورة الشعريّة ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .

وأنّ الكسر على الجوار إنّما يكون في مقام الأمن من الالتباس ، والأمن منه في

[1070]. وقد تقدم التفصيل فيه عند عرض كلام الآلوسي في قراءة الجرّ .

[1071]. الإنصاف 2 : 130 -


صفحه 451

الآية غير حاصل .

2 ـ أنّ الجوار لا يمكن القول به في المعطوف بالحرف ، ولم تتكلّم به العرب فيه ، لأنّ العاطف يمنع من المجاورة[1072].

وبعد هذه النصوص الجليّة من أئمّة العربيّة والتفسير ، لا يَصحُ قول أبي الوليد الباجي المالكي المتوفّى سنة 474هـ في المنتقى ـ شرح الموطّأ ـ بأنّ الجرّ على الجوار كثير سائغ في القرآن وكلام العرب[1073].

وان استدلاله بالآيات التي مرّ الجوابُ عنها في القراءات والأشعار كلّها محمولة على الضرورة ، ووجوه أُخرى مقبولة عند الجميع سوى الجرّ بالجوار ; وإنّما حمله على ذلك التوجيه غلبة العصبية عليه وحمله القرآن على هواه وميله إلى بني أمية .

وربّما حمله على ذلك الجهل ، والدليل على ذلك أنّه أنكر النصب في الأرجل ـ إذا كان من باب العطف على محلّ الرؤوس ـ قائلاً : إنّ العطف على الموضع إنّما يجوز إذا كان المعطوف عليه يتعدّى بحرف جرّ وفي معنى ما يتعدّى بغير حرف جرّ كقولك : مررت بزيد وعمراً ، فمعناه : لقيت زيداً وعمراً .

وأمّا قوله : فامسحوا برؤوسكم فإنّه لا يتعدّى إلاّ بحرف جرّ ، فلا يجوز أن يعطف على موضعه[1074].

أقول :

إن كان مراده بما ذكره أنّ حرف الجرّ في المثال زائِدٌ وَلَيْسَ كذلك في الآية فهو

[1072]. التفسير الكبير 11 : 129 -

[1073]. المنتقى 1 : 31 -

[1074]. المنتقى 1 : 31 -