بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 459

منه بتنوين «خرب» ورفع «الجُحْر» ثمّ حذف الضّمير للعلم به ، وحوّل الإسناد إلى ضمير «الضبّ» وخفض «الجحر» ، كما تقول : «مررتُ برجل حسنِ الوجه» بالإضافة ، والأصل : «حسن الوجهُ منه» ، ثمّ أتى بضمير الجُحر مكانه لتقدّم ذكره فاستتر .

وقال ابن جنّي : الأصل : «خرب جُحرُهُ» ، ثمّ أُنيب المضافُ إليه عن المضاف فارتفع واستتر .

ويلزمهما استتار الضمير مع جريان الصفة على غير[1096]من هي له ، وذلك لا يجوز عند البصريّين وإن أمن اللبس .

وقول السيرافي : إنّ هذا مثل «مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين[1097]» مردود ، لأنّ ذلك إنّما يجوز في الوصف الثاني[1098]دون الأوّل[1099].

[1096]. وذلك لأنّ الصفة إنّما هي للضبّ وأُجريت على «الجُحر» .

[1097]. «لا قاعدين» عطف على «قائم» الذي هو صفة لرجل جارية على غير من هي له حاصل قول السيرافي في جواب الإلزام : أنّ قاعدين في المثال صفة لرجل ، لأنّ المعطوف على الصفة صفة وهي جارية على غير من هي له ، لأنّ ضمير «قاعدين» للأبوين ولم يبرز الضمير فيها ، وإلاّ لقيل : قاعدين هما ، فكما جاز عدم الإبراز في «قاعدين» فليجز في «خرب» .

[1098]. أي : لاشتماله على ضمير الموصوف استلزاماً ، فكأنّه جار على من هو له .

بيان ذلك : أنّ الضمير في «قاعدين» عائد على «الأبوين» المشتمل على ضمير «الرّجل» ، لأنّ الضّمير في أبواه للرجل ، وضمير قاعدين عائد على الأبوين المشتمل على ضمير الرجل . وحينئذ فقاعدين مستلزم لضمير الرّجل ، فمحلّ تعيّن إبراز الضمير في الصّفة إذا جرت على غير من هي له إذا لم تكن محتوية على ضمير الموصوف استلزاماً وإلاّ لم يجب الإبراز .

[1099]. مغني اللّبيب 2 : 894 ـ 897 -


صفحه 460

أي : «وخرب» في المثال ليس وصفاً ثانياً مثل «قاعدين» ، فقياس خرب على قاعدين قياس مع الفارق على حدّ تعبيره .

وقال ابن هشام في باب المجرورات من الشذور وشرحه :

الثالث المجرور للمجاورة ـ وهو شاذّ ـ نحو : هذا جحر ضبّ خرب ، وقوله :

* يا صاحِ بلّغ ذوي الزَّوْجات كلّهم *

وليس منه : «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم» على الأصحّ[1100].

ثمّ إنّه بيّن أنّ ذلك إنّما يكون في بابي النعت والتأكيد ، ونقل عن بعضهم القول بكونه في باب العطف .

ثمّ مثّل للنعت بالمثال المشهور وقال : إنّما كان حقّه الرّفع ، لأنّه صفة للمرفوع وهو «الجحر» ، وعلى الرّفع أكثر العرب .

ومثّل للتوكيد بقول الشاعر : (ذوي الزَّوْجات كلّهم) ، وقال :

فكلّهم تأكيد لذوي ، لا للزوجات وإلاّ لقال : كلّهنّ . وذوي منصوب على المفعوليّة ، وكان حقّ «كلّهم» النصب ، ولكنّه خفض لمجاورة المخفوض .

ومثّل للمعطوف بالآية الكريمة في قراءة من قرأ بجرّ «الأرجل» لمجاورته للمخفوض وهو الرّؤوس ، وإنّما كان حقّه النّصب ـ كما في القراءة المشهورة ـ بالعطف على «الوجوه» و«الأيدي» ـ على قول الجماعة ـ قال :

وخالفهم في ذلك المحقّقون ، ورأوا أنّ الخفض على الجوار لا يحسن في المعطوف ، لأنّ حرف العطف حاجز بين الاسمين ومبطل للمجاورة ، قال :

ولا يمنع في القياس الخفض على الجوار في عطف البيان ; لأنّه كالنعت والتّوكيد في مجاورة المتبوع .

وينبغي امتناعه في البدل ، لأنّه في التّقدير من جملة أُخرى ، فهو محجوز

[1100]. شرح شذور الذهب : 347 وفي طبعة اُخرى 1 : 427 -


صفحه 461

تقديراً ، ورأى هؤلاء أنّ الخفض في الآية إنّما هو بالعطف على لفظ الرّؤوس ، فقيل : الأرجل مغسولة لا ممسوحة ، فأجابوا بوجهين :

1 ـ المسح بمعنى الغسل .

2 ـ المسح يحمل على المسح على الخفّين .

وقد رُدّ الوجهان مفصّلاً .

ويرجح العطف على لفظ «الرؤوس» ـ كما نصّ عليه ابن هشام ـ ثلاثة أُمور :

1 ـ أنّ الحمل على المجاورة حمل على شاذّ ، فينبغي صون القرآن .

2 ـ أنّه إذا حمل على ذلك كان العطف في الحقيقة على الوجوه والأيدي ، فيلزم الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبيّة وهو : «وامسحوا برؤوسكم» ، وإذا حمل على العطف على «الرؤوس» لم يلزم الفصل بالأجنبي .

قال ابن هشام : والأصل أن لا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلاً عن الجملة .

3 ـ أنّ العطف على هذا التقدير حمل على المجاور ، وعلى العطف على الوجوه والأيدي حمل على غير المجاور ، والحمل على المجاور أولى[1101].

14 ـ موقف محمّد بن فرامرز الشهير بملاّ خسرو (ت 885 هـ)

حمل الجرّ على الجوار وادّعى أنّه كثير في القرآن والشعر[1102]، واستدلّ من القرآن أيضاً بقوله تعالى : (عَذَابَ يَوْم مُحِيط)[1103].

أمّا الحمل على الجوار في آية الوضوء فقد تقدّم الكلام حوله في غير موضع ، وأمّا ادّعاء الكثرة في القرآن والشعر ، فقد ظهر بطلانه أيضاً في الأبحاث المتقدّمة .

[1101]. شرح شذور الذهب : 349 ، وفي طبعة اُخرى 1 : 429 ـ 431 ، شرح اللمحة البدريّة 2 : 235 -

[1102]. درر الحكّام شرح غرر الأحكام 1 : 19 -

[1103]. هود : 84 - وقد تقدمت عند عرضنا لكلام أبي البقاء في قراءة الجر ، والشنقيطي في قراءة النصب .


صفحه 462

والاستدلال بقوله : «عذاب يوم محيط» باطل أيضاً ، لأنّ المحيط وصف لليوم لا للعذاب ، وقد نصّ على ذلك الزمخشري في تفسير الآية من الكشّاف[1104]، حيث يقول :

فإن قلت : وصف العذاب بالإحاطة أبلغ أم وصف اليوم بها ؟

قلت :

بل وصف اليوم بها ، لأنّ اليوم زمان يشتمل على الحوادث ، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذّب ما اشتمل عليه منه ، كما إذا أحاط بنعيمه . انتهى بلفظه .

أقول : وبهذا يتبيّن بطلان الاستدلال على الجوار بنظائر هذه الآية مثل قوله تعالى (عَذَابَ يَوْم أَلِيم)[1105]وأمثاله .

قال الزمخشري في تفسير الآية من الكشّاف[1106]: وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازيّ لوقوع الألم فيه .

فإن قلت : فإذا وصف به العذاب ؟

قلت : مجازيّ مثله ، لأنّ الأليم في الحقيقة هو العذاب[1107]، ونظيرهما قولك : «نهارك صائم» و«جدّ جدّه» .

وقال أبو البقاء الذي هو طوّل أطناب الجرّ بالجوار إلى أطول الغايات منكراً له في هذا المقام :

و«محيط» نعت ليوم في اللفظ وللعذاب في المعنى .

[1104]. الكشّاف 2 : 285 -

[1105]. هود : 26 - وقد تقدمت عند عرضنا لكلام البغوي ، والمقداد السّيوري ، وأبي السّعود ، والشهيد الثّاني ، والشنقيطي في قراءة الجرّ .

[1106]. الكشّاف 2 : 265 -

[1107]. كذا في الكشّاف والظاهر : المبتلى بالعذاب وهو الشخص .


صفحه 463

وذهب قوم إلى أنّ التقدير «عذاب يوم محيط عذابه» .

وهو بعيد ، لأنّ محيطاً قد جرى على غير من هو له ، فيجب إبراز فاعله مضافاً إلى ضمير الموصوف انتهى[1108].

أقول : وليس ما ظنّه بعيداً ببعيد عند الكوفيّين ، وإن كان بعيداً عند البصريّين ، لأنّ الأمن من الالتباس يسمح لنا بذلك ، كما هو مبيّن في محلّه من كتب الإعراب .

ثمّ إنّ صاحب الدُّرَر بعد أن قوّى الجرّ بالجوار بحصول الأمن من الالتباس بقوله : «إلى الكعبين» ، قال له : هكذا يجب أن يعلم هذا المقام[1109].

وبعد أن عرفت ردّ الجرّ بالجوار في الآية من القائلين به علمت أنّ قوله في غير محلّه ، لأنّ حصول الأمن من الالتباس إنّما يحصل بقوله : «إلى الكعبين» إذا كان التحديد في الغسل وعدم التحديد في المسح ثابتاً عندهم ، وليس الأمر كذلك ، فإنّ كليهما محدود حيث احتاجا إليه ، وغير محدود حيث لم يحتاجا إليه . فالأمن غير حاصل وعلى تقدير حصوله فهو إنّما يخرج الكلام عن الغلط ولا يضمن له البلاغة ، والقرآن مضمون بلاغته وفصاحته فلا يجري هذا التوجيه فيه أصلاً .

15 ـ موقف السيوطيّ (ت 911 هـ)

أثبت الجمهور من البصريّين والكوفيّين الجرّ بالمجاورة للمجرور في نعت كقولهم : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، وتوكيد كقولهم[1110]:

* يا صاح بلّغ ذوي الزَّوجات كلّهم *

[1108]. التبيان 2 : 711 -

[1109]. درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 : 19 -

[1110]. تقدم ذكره قريباً عند عرضنا لكلام ابن هشام الأنصاري .


صفحه 464

بجرّ «كلّهم» على المجاورة ، لأنّه توكيد لـ «ذوي» المنصوب لا للزوجات وإلاّ لقال : كلّهنّ .

زاد قوم : وعطف نسق كقوله ـ تعالى ـ : «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم» ، فإنّه معطوف على «وأيديكم» لأنّه موصول ; قال أبو حيّان : وذلك ضعيف جدّاً ولم يحفظ من كلامهم ، قال :

والفرق بينه وبين النعت والتوكيد أنّهما تابعان بلا واسطة ، فهما أشدّ مجاورةً من العطف المفصول بحرف العطف ، وأُجيب عن الآية بأنّ العطف فيها على المجرور الممسوح إشارة إلى مسح الخُفّ .

وزاد ابن هشام في شرح الشذور : وعطف بيان ، وقال :

لا يمتنع في القياس جرّه على الجوار ، لأنّه كالنعت والتوكيد في مجاورة المتبوع . أمّا البدل فقال أبو حيّان : لا يحفظ من كلامهم ولا خرّج عليه أحد شيئاً .

قال : وسببه أنّه معمول لعامل آخر غير العامل الأوّل ـ على الأصحّ ـ ولذلك يجوز إظهاره إذا كان حرف جرّ بإجماع ، فبعدت مراعاة المجاورة ، ونزّل منزلة جملة أُخرى[1111].

ثمّ نقل السيوطي إنكاره مطلقاً عن السيرافي وابن جنّي آخذاً عن «المغني» لابن هشام ، وقال في ردّ توجيههما :

ورُدَّ بأنّ إبراز الضّمير حينئذ واجب للإلباس ، وبأنّ معمول هذه الصّفة لضعفها لا يتصرّف فيه بالحذف .

وقصره الفرّاء على السماع ، ومنع القياس على ما جاء منه ، فلا يجوز هذه

[1111]. همع الهوامع 4 : 304 ـ 307 ، وطبعة اُخرى 2 : 535 ـ 536 -


صفحه 465

جحرة ضبّ خربة» بالجرّ[1112].

وخصّه قوم بالنكرة كالمثال ، ورُدّ بما حكاه أبو ثروان الأعرابي : «كان ـ والله ـ من رجال العرب المعروف له ذلك» .

وخصّه الخليل بغير المثنّى ، أي : بالمفرد والجمع فقط ، قيل : وبغير الجمع أيضاً بالمفرد فقط ، فلا يجوز عليهما : «هذان جُحْر ضبّ خربين» ، ولا على الثاني : «هذه جحرة ضبّ خربة» .

والجواز في المثنّى معزوّ إلى سيبويه ، قال أبو حيّان :

وقياسه الجواز في الجمع والمانع ، قال : لم يرد إلاّ في الإفراد ، وهو قريب من رأي الفرّاء[1113].

وردّ الجرّ بالجوار في «الإتقان» بأنّه في نفسه ضعيف شاذّ ، لم يرد منه إلاّ أحرف يسيرة ، ثمّ قال :

والصواب أنّه معطوف على «برؤوسكم»[1114].

16 ـ موقف الأنصاري الشافعي زكريّا بن محمّد (ت 926 هـ)

انبرى زكريّا بن محمّد الأنصاري الشافعي يؤيّد الجرّ بالجوار حتّى مع العاطف الذي أجمعوا على أنّه لا يكون فيه ـ نقلاً عن النووي في المجموع ـ[1115]قائلاً :

فإن قيل : إنّما يصحّ الاتّباع إذا لم يكن هناك واو ، فإن كانت لم يصحّ ، والآية

[1112]. الهمع 4 : 305 -

[1113]. همع الهوامع 4 : 306 -

[1114]. الإتقان في علوم القرآن 1 : 531 -

[1115]. شرح البهجة الورديّة 1 : 358 -


صفحه 466

فيها واو ؟

قلت : هذا غلط ، فإنّ الاتّباع مع الواو مشهور في أشعارهم ، من ذلك ما أنشدوا :[1116]

لم يبق إلاّ أسير غير منفلت***وموثق في عقال الأسر مكبول

فخفض «موثقاً» لمجاورته منفلت» ، وهو مرفوع معطوف على «أسير» .

وقد مرّ الجواب عن هذا البيت في الأبحاث السابقة ، وقد فصلنا فيه
القول .

17 ـ موقف البغدادي (ت 1093 هـ)

لم ينقل المجوّزون لجرّ الجوار لإثباته إلاّ قولاً واحداً ، زعموا أنّه ورد عن العرب وهو قولهم : «جُحْر ضبّ خرب» .

وهو مثال محتمل لا يصلح لأن يستدلّ به على إثبات شيء ، فقد رووا فيه الجرّ والرَّفع ، فهو لو ثبت وروده عن العرب الموثوق بعربيّتهم لما كان حجّةً أيضاً ، فكيف وهو لم يثبت وروده في كلام الفصحاء الذين يعتمد عليهم في أخذ اللغة والإعراب ؟!

قال البغداديّ في شرح شواهد «النعت» من «الخزانة»[1117]:

واعلم أنّ قولهم : «جحر ضبّ خرب» مسموع فيه الجرّ والرَّفع ، والرّفع في كلامهم أكثر .

وقد أبطل البغدادي بهذا الحكم الاستدلال بهذا القول ، لأنّ الرّفع لو كان فيه

[1116]. وقد تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الشيخ الطوسي ، والمحقق الحلي في قراءة الجرّ .

[1117]. 5 : 89 -