إربل
مدينة بين الزابين ، لها قلعة حصينة لم يظفر بها التتر ، مع أنّهم ما فاتهم شيء من القلاع والحصون ، بها مسجد يسمّى مسجد الكفّ ، فيه حجر عليه أثر كفّ إنسان ، ولأهل إربل فيه أقاويل كثيرة ولا ريب انّه شيء عجيب.
ينسب إليها الملك مظفر الدين كوكوبري بن زين الدين علي الصغير. كان ملكا شجاعا جوادا غازيا ، له نكايات في الفرنج يتحدّث الناس بها ، وكان معتقدا في أهل التصوّف ، بنى لهم رباطا لم يزل فيه مائتا صوفي ، شغلهم الأكل والرقص في كلّ ليلة جمعة. وكلّ من جاءه من أهل التصوّف آواه وأحسن إليه ، وإذا أراد السفر أعطاه دينارا. ومن أتاه من أهل العلم والخير والصلاح أعطاه على قدر رتبته.
وفي العاشر من ربيع الأوّل كان له دعوات وضيافات ، وفي هذا الوقت يجتمع عنده خلق كثير من الأطراف. وفي اليوم الثاني عشر مولد النبي ، عليه السلام ، كان له دعوة عظيمة يحضرها جميع الحاضرين ويرجع كلّ واحد بخير.
وكان يبعث إلى الفرنج أموالا عظيمة يشترى بها الأسارى. عمّر عمرا طويلا ومات سنة تسع وعشرين وستمائة.
اردبهشتك
قرية من قرى قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبها عين ماء من شرب منها انطلق انطلاقا عظيما ، ويقصدها الناس من الأطراف في فصل الربيع لتنقية الباطن ، وبينها وبين قزوين نهر إذا جاوزوا بمائها ذلك النهر تبطل خاصيّته.
وقد حمل من ذلك الماء إلى قزوين في جرار واستعمل ولم يعمل شيئا. ومن خاصيّة هذا الماء ان أحدا يقدر أن يشرب منه خمسة أرطال أو ستة بخلاف غيره.
أردبيل
مدينة بآذربيجان حصينة طيّبة التربة ، عذبة الماء ، لطيفة الهواء ، في ظاهرها وباطنها أنهار كثيرة ، ومع ذلك فليس بها شيء من الأشجار التي لها فاكهة.
والمدينة في فضاء فسيح وأحاط بجميع ذلك الفضاء الجبال بينها وبين المدينة من كلّ صوب مسيرة يوم. ومن عجائبها أنّه إذا غرس في ذلك الفضاء لا يفلح الغرس ، وذلك لأمر خفي لا اطلاع عليه.
بناها فيروز الملك وهي من البحر على يومين بينهما دخلة شعراء عظيمة ، كثيرة الشجر جدّا يقطعون منها الخشب الذي منه الأطباق وقصاع الخلنج.
وفي المدينة صنّاع كثير لإصلاحها. ومن عجائبها ما ذكره أبو حامد الأندلسي قال : رأيت خارج المدينة في ميدانها حجرا كبيرا كأنّه معمول من حديد أكبر من مائتي رطل ، إذا احتاج أهل المدينة إلى المطر حملوا ذلك الحجر على عجلة ونقلوه إلى داخل المدينة ، فينزل المطر ما دام الحجر فيها ، فإذا أخرج منها سكن المطر.
والفأر بها كثير جدّا بخلاف سائر البلاد ، وللسنانير بها عزّة ولها سوق تباع فيه ينادون عليها انّها سنورة صيّادة مؤدبة لا هرّابة ولا سرّاقة ، ولها تجّار وباعة ودلّالون ، ولها راضة وناس يعرفون.
قال سندي بن شاهك وهو من الحكماء المشهورين : ما أعناني سوقة كما أعناني أصحاب السنانير ، يعمدون إلى سنور يأكل الفراخ والحمام ، ويكسر قفص القماري والحجل والوارشين ، ويجعلونه في بستوقة يشدّون رأسها ثمّ يدحرجونها على الأرض حتى يأخذه الدوار ، فيجعلونه في القفص مع الفراخ ، فيشغله الدوار عن الفراخ. فإذا رآه المشتري رأى عجيبا وظنّ انّه ظفر بحاجته ، فيشتريه بثمن جيّد ، فإذا مضى به إلى البيت وزال دواره يبقى شيطانا يأكل جميع طيوره وطيور جيرانه ، ولا يترك في البيت شيئا إلّا سرق وأفسد وكسر
فيلقى منه التباريح.
وأهل أردبيل مشهورون بكثرة الأكل ؛ حكى بعض التجّار قال : رأيت بها راكبا وقدّامه طبول وبوقات ، سألت عن شأنه فقالوا : إنّه تراهن على أكل تسعة أرطال أرز ورأس بقر ، وقد فعل ، ورطل أردبيل ألف وأربعون درهما ، وأرزّهم إذا طبخ يصير ثلاثة أضعاف ، فإنّه قد غلب.
أرسلان كشاد
قلعة كانت على فرسخين من قزوين على قلّة جبل. ذكر أن الإسماعيليّة في سنة خمس وتسعين وخمسمائة جاؤوا بالآلات على ظهر الدوابّ إليها في ليلة ، فلمّا أصبح أهل قزوين سدت مسالكها فصعب عليهم ذلك ، فشكوا إلى ملوك الأطراف فما أفادهم ذلك شيئا حتى قال الشيخ عليّ اليوناني ، وكان صاحب كرامات وعجائب : أنا أكشف عنكم هذه الغمّة! فكتب إلى خوارزمشاه تكش بن ايل ارسلان بن اتسز : بعلامة انّك كنت في ليلة كذا وكذا ، كنت وحدك تفكّر في كذا وكذا ، انهض لدفع هذا الشرّ عن أهل قزوين ، وإلّا لتصابنّ في ملكك ونفسك! فلمّا قرأ خوارزمشاه كتابه قال : هذا سرّ ما اطّلع عليه غير الله! فجاء بعساكره وحاصر القلعة وأخذها صلحا ، وشحنها بالسلاح والرجال وسلّمها إلى المسلمين وعاد.
وكانت الباطنية قد نقبوا طريقا من القلعة إلى خارجها وأخفوا بابها ، فدخلوا من ذلك النقب ليلا ، فلمّا أصبحوا كانت القلعة تموج من الرجال الباطنيّة ، فقتلوا المسلمين وملكوا القلعة ، فبعث الشيخ إلى خوارزمشاه مرّة أخرى ، فجاء بنفسه وحاصرها بعساكره وأهل قزوين شهرين ، والباطنية عرفوا أن السلطان لا يرجع دون العرض ، فاختاروا تسليمها على أمان من فيها ، فأجابهم السلطان إلى ذلك. قالوا : نحن ننزل عن القلعة دفعتين ، فإن لم تتعرّضوا للفرقة الأولى تنزل الثانية والقلعة لكم ، وإن تعرّضتم للفرقة الأولى فالفرقة الثانية تمنعكم عن القلعة.
فلمّا نزلوا خدموا للسلطان وذهبوا كلّهم ، فانتظر المسلمون نزول الفرقة الثانية فما كان فيها أحد نزلوا كلّهم دفعة ، فأمر السلطان بتخريبها وابطال حصانتها ، وهي كذلك إلى زماننا هذا ، والله الموفق.
أرمية
بلدة حصينة بآذربيجان كثيرة الثمرات واسعة الخيرات ، بقربها بحيرة يقال لها بحيرة أرمية ، وهي بحيرة كريهة الرائحة لا سمك فيها. وفي وسط البحيرة جزيرة بها قرى وجبال وقلعة حصينة ، حولها رساتيق لها مزارع ، واستدارة البحيرة خمسون فرسخا يخرج منها ملح يجلو شبه التوتيا ، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع الماء منها ، وإذا أصابه الهواء يستحجر.
ومن عجائبها ما ذكر صاحب تحفة الغرائب : ان في بطائح بحر ارمية سمكة تتّخذ من دهنها ومن الموم شمعة ، وتنصب على طرف سفينة فارغة تخلى على وجه الماء ، فإن السمك يأتي بنور ذلك الشمع ، ويرمي نفسه في السفينة حتى تمتلىء السفينة من السمك ، ولتكن سفينة مقعّرة حتى لا يفلت السمك منها.
أستوناوند
قلعة مشهورة بدنباوند من أعمال الري. وهي من القلاع القديمة والحصون الحصينة ، عمرت منذ ثلاثة آلاف سنة لم يعرف انّها أخذت قهرا إلى أن تحصن بها ابن خوارزمشاه ركن الدين غورسايحي عند ورود التتر ، سنة ثماني عشرة وستمائة ، وقد عرض عليه استوناوند وأردهن فترجّح استوناوند في نظره مع حصانة أردهن. قالوا : لو كان على اردهن رجل واحد لم تؤخذ منه قهرا أبدا إلّا إذا أعوزته الميرة ، فتحصّن بها فعلم التتر به ونزلوا عليها ، وجمعوا حطبا كثيرا جعلوه حولها ثمّ أضرموا فيه النار ، فانصدع صخرها وتفتّت وزالت حصانتها ثمّ صعدوا ، وابن خوارزمشاه قاتل حتى قتل.
أسفجين
قرية من قرى همذان من ناحية يقال لها ونجر بها منارة الحوافر ، وهي منارة عالية من حوافر حمر الوحش ، حكى أحمد بن محمّد بن إسحق الهمذاني أن شابور بن أردشير الملك حكم منجموه انّه يزول الملك عنه ويشقى ، ثمّ يعود إليه ، فقال لهم : ما علامة عود الملك؟ قالوا : إذا أكلت خبزا من الذهب على مائدة من الحديد!
فلمّا ذهب ملكه خرج وحده تخفضه أرض وترفعه أخرى ، إلى أن صار إلى هذه القرية فأجر نفسه من شيخ القرية يزرع له نهارا ويطرد الوحش عن الزرع ليلا ، فبقي على ذلك مدّة وكانت نفسه نفس الملوك ، فرأى شيخ القرية منه أمانة وجلادة فزوّج بنته منه ، فلمّا تمّ على ذلك أربع سنين وانقضت أيّام بؤسه اتّفق ان كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم ونساؤهم ، وكانت امرأة شابور تحمل إليه كلّ يوم طعامه ، فكانت في ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى ما بعد العصر.
فلمّا ذكرت عادت إلى بيتها فما وجدت إلّا قرصين من الدخن ، فحملتهما إليه فوجدته يسقي الزرع وبينها وبينه ساقية. فمدّ المسحاة إليها فجعلت القرصين عليها ، فقعد يأكلهما فتذكّر قول المنجّمين : أكل خبز الذهب على مائدة الحديد.
فعرف أن أيّام البؤس انقضت ، فظهر للناس واجتمع عليه العساكر وعاد إلى ملكه. فقالوا : ما أشدّ شيء عليك في أيّام البؤس؟ قال : طرد الوحوش عن الزرع بالليل! فصادوا في ذلك الموضع من حمر الوحش ما لا يحصى ، وأمر أن يبنى من حوافرها منارة ، فبنوا منارة ارتفاعها خمسون ذراعا ودورتها ثلاثون مصمتة بالكلس والحجارة ، وحوافر الوحش حولها مسمّرة بالمسامير ، والمنارة مشهورة في هذا الموضع إلى زماننا.
أسفرايين
بلدة بأرض خراسان مشهورة ، أهلها أهل الخير والصلاح. من مفاخرها أبو الفتوح محمّد بن الفضل الاسفراييني. كان إماما فاضلا عالما زاهدا أسرع الناس عند السؤال جوابا ، وأسكتهم عند الايراد خطابا ، مع صحة العقيدة والخصال الحميدة ، وقلّة الالتفات إلى الدنيا وذويها. سكن بغداد مدّة فلمّا اعتزم العود إلى خراسان شكا إليه أصحابه من مفارقته فقال : لعلّ الله أراد أن تكون تربتي في جوار رجل صالح! فلمّا وصل إلى بسطام فارق الدنيا ودفن بجنب الشيخ أبي يزيد البسطامي.
وحكى شيخ الصوفيّة ببسطام وهو عيسى بن عيسى قال : رأيت أبا يزيد في النوم يقول : يصل إلينا ضيف فأكرموه! فوصل في تلك الأيّام الشيخ أبو الفتح وفارق الدنيا. وكنت جعلت لنفسي موضعا عند تربة الشيخ أبي يزيد ، فآثرت الشيخ أبا الفتح به ، ودفنته بجنب أبي يزيد.
اشتروين
ضيعة كبيرة من ضياع قزوين على مرحلتين منها. وانّها كانت قرية غناء كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. نزل بها الشيخ نور الدين محمّد بن خالد الجيلي ، وكان رجلا عظيم الشأن صاحب الآيات والكرامات ، اتّخذها وطنا وتزوّج بها فحلّت بها البركة ، وصارت أعمر ممّا كانت وأوفر ريعا وأكثر أهلا.
وكان الشيخ يزرع بها شيئا يسيرا فيحصل منه ريع كثير يفي بنفقته أهله وضيافة زوّاره. وكان الشيخ كثير الزّوّار يقصده الناس من الأطراف. ومن العجب انّه وقع بتلك الأرض في بعض السنين جراد ما ترك رطبها ولا يابسها ، وما تعرّضت لزرع الشيخ بسوء. وكانت تلك القرية محطّ الرحال ومحلّ البركة بوجود هذا الشيخ ، إلى أن جهلت سفهاؤها نعم الله تعالى عليهم بجوار هذا الشيخ ،
فقالوا : ان زروعنا تيبس بسبب زرع الشيخ لأن الماء يقصر عن زروعنا بسبب زرعه! فلمّا سمع الشيخ ذلك فارق تلك القرية وتحوّل بأهله إلى قزوين في سنة أربع عشرة وستّمائة. فلمّا خرج الشيخ منها كانت كبيّت نزع عماده وانهارت قبابها ، وانقطع الماء الذي كانوا يبخلون به على الشيخ ، فأخرج دهاقينها أموالا كثيرة لعمارة القناة فما أفادهم شيئا. وإلى الآن هي خراب.
أصفهان
مدينة عظيمة من أعلى المدن ومشاهيرها ، جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة وصحة الهواء وعذوبة الماء ، وصفاء الجوّ وصحّة الأبدان ، وحسن صورة أهلها وحذقهم في العلوم والصناعات حتى قالوا : كلّ شيء استقصى صنّاع أصفهان في تحسينها عجز عنها صناع جميع البلدان ؛ قال الشاعر :
لست آسى من أصفهان على شي
ء سوى مائها الرّحيق الزّلال
ونسيم الصّبا ومنخرق الرّي
ح وجوّ صاف على كلّ حال
يبقى التّفّاح بها غضّا سنة ، والحنطة لا تتسوّس بها ، واللحم لا يتغيّر أيّاما. والمدينة القديمة تسمّى جي ؛ قالوا : إنّها من بناء الإسكندر. والمدينة العظمى تسمّى اليهوديّة ، وذاك أن بختنصّر أخذ أسارى بيت المقدس أهل الحرف والصناعات ، فلمّا وصلوا إلى موضع أصفهان وجدوا ماءها وهواءها وتربتها شبيهة ببيت المقدس ، فاختاروها للوطن وأقاموا بها وعمروها. وهي مدينة ترابها كحل وحشيشها زعفران وونيم ذبابها عسل.
من عجائبها أمر تفّاحها فإنّها ما دامت في أصفهان لا يكون لها كثير رائحة ، فإذا أخرجت منها فاحت رائحتها حتى لو كانت تفّاحة في قفل لا يبقى في القفل أحد إلّا يحسّ برائحتها. وبها نوع من الكمثرى يقال له ملجي ليس في شيء من البلاد مثله. وإذا وصلوا شجرة الكمثرى بشجرة الخلاف تأتي بثمر لذيذ جدّا.
ولصنّاعها يد باسطة في تدقيق الصناعات ، لا ترى خطوطا كخطوط أهل أصفهان ولا تزويقا كتزويقهم ، وهكذا صنّاعهم في كلّ فنّ فاقوا جميع الصّنّاع ، حتى ان نسّاجها ينسج خمارا من القطن أربعة أذرع وزنها أربعة مثاقيل. والفخّار يعمل كوزا وزنه أربعة مثاقيل يسع ثمانية أرطال ماء ، وقس على هذا جميع صناعاتهم.
وأمّا أرباب العلوم كالفقهاء والأدباء والمنجّمين والأطباء فأكثر من أهل كلّ مدينة ، سيما فحول الشعراء أصحاب الدواوين ، فاقوا غيرهم بلطافة الكلام وحسن المعاني وعجيب التشبيه وبديع الاقتراح ، مثل رفيع فارسي دبير وكمال زياد وشرف شفروه وعزّ شفروه وجمال عبد الرزّاق وكمال إسماعيل ويمن مكّي. فهؤلاء أصحاب الدواوين الكبار لا نظير لهم في غير أصفهان.
وينسب إليها الأديب الفاضل أبو الفرج الأصفهاني ، صاحب كتاب الأغاني ، ذكر في ذلك أخبار العرب وعجائبها وأحسن أشعارهم. كتاب في غاية الحسن كثير الفوائد لم يسبقه في ذلك أحد.
وينسب إليها الأستاذ أبو بكر بن فورك ، كان أشعريّا لا تأخذه في الله لومة لائم ، درّس ببغداد مدّة. وكان جامعا لأنواع العلوم ، صنّف أكثر من مائة مجلّد في الفقه والتفسير وأصول الدين. ثمّ ورد نيسابور فبنوا له دارا ومدرسة ؛ قال الاستاذ أبو القاسم القشيري : حكى أبو بكر بن فورك قال : حملت إلى شيراز مقيّدا لفتنة في الدين ، فوافينا البلد ليلا فلمّا أسفر النهار ورأيت في مسجد على محرابه مكتوبا : أليس الله بكاف عبده؟ فعلمت أن الأمر سهل وطبت به نفسا ، وكان الأمر كذلك ، ثمّ دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات مع الكرامية. فلمّا عاد سمّ في الطريق ودرج ودفن بنيسابور ، ومشهده ظاهر بها يستسقى به ويجاب الدعاء فيه.
وينسب إليها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني ، واحد عصره وفريد دهره.
هو صاحب حلية الأولياء ، وله تصانيف كثيرة ، وله كرامات : حكي أن أهل