سجلماسة
مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان ، في مقطع جبل درن في وسط رمل ، بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلا مدّ البصر. حدّثني بعض الفقهاء من المغاربة وقد شاهدها : ان مزارعها اثنا عشر فرسخا من كلّ جانب لكن لا يزرع في كلّ سنة إلّا خمسها ، ومن أراد الزيادة على ذلك منعوه ، وذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الطّنّاء بشيء. وبها أصناف العنب والتمر وأمّا تمرها فستّة عشر صنفا ما بين عجوة ودقل.
ولنسائها يد صناع في غزل الصوف ، ويعمل منه كلّ عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب ، ويبلغ ثمن الازار ثلاثين دينارا وأربعين كأرفع ما يكون من القصب ويتّخذن منه عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان ، وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا لأنّها على طريق غانة التي هي معدن الذهب ، ولأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها ، وهي في بلاد التبر يعرف منها ، والله الموفق.
سرنديب
جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين ؛ قال محمّد بن زكرياء : هي ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا ، لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.
ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته ، والمديون إذا تقاعد عن اداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده ، فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن ، أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين ، ويسلّم ثلثه إلى المستحقّ ويأخذ الملك ثلثيه.
وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار ،
وترافقه زوجته حتى يحتزقا معا.
وبها أنواع العطر والافاويه والعود والنارجيل ودابّة المسك ، وأنواع اليواقيت ومعدن الذهب والفضّة ومغاص اللؤلؤ.
وعن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكّة ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ، وجزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم ، عليه السلام ، بها جبل أهبط عليه آدم ، عليه السلام ، وهو ذاهب في السماء يراه البحريّون من مسافة أيّام ، وفيه أثر قدم آدم ، عليه السلام ، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر. ويرى على هذا الجبل كلّ ليلة مثل البرق من غير سحاب وغيم ولا بدّ له كلّ يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم ، عليه السلام.
ويقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدّره السيل منها إلى الحضيض وقطاع الماس أيضا والبلّور. وقالوا : أكثر أهل سرنديب مجوس وبها مسلمون أيضا ، ودوابّها في غاية الحسن لا تشبه دوابّنا إلّا بالنوع ، وبها كبش له عشرة قرون.
منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي ، ورد قزوين وأهل قزوين تبرّكوا به. وكان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانيّة والعوامّ يكرهون ذلك ، فربّما عملوا غوغاة ونهبوا دار القاضي وخرّبوها ، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به ، كلّما كرهوا من القاضي وخرّبوها ، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به ، كلّما كرهوا من القاضي شيئا ذهبوا إلى السرنديبي وقالوا : قم ساعدنا على القاضي! فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف ، فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح.
فطلبه ذات يوم ، فلمّا دخل عليه تحرّك له وانبسط معه وسأله عن حاله ثمّ قال : إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروكا ، ولست أرى من لا يأخذه في الله لومة لائم غيرك. وأخرج من داره قميصا غسل مرارا وعمامة عتيقة ، وأركبه على دابّة وغلمان الاحتساب في خدمته ،
وكلّ من سمع بهذا استحسن وصار السرنديبي محتسبا.
فإذا في بعض الأيّام جاء شخص إلى السرنديبي وقال : في موضع كذا جماعة يشربون. فقام بأصحابه وذهب إليهم فأراق خمورهم وكسر ملاهيهم.
وكان القوم صبيانا جهّالا قاموا إليه وضربوه وضربوا أصحابه ضربا وجيعا ، فجاء السرنديبي إلى القاضي وعرّفه ذلك ، فالقاضي غضب وحولق وقال : ابصروا من كانوا أولئك ، فقالوا : ما نعرف منهم أحدا.
ثمّ بعد أيّام قالوا للسرنديبي : في بستان كذا جماعة يشربون ، فذهب إليهم بأصحابه وأراق خمورهم وكسر ملاهيهم ، فقاموا وقتاوا أصحاب السرنديبي وجرحوه ، فعاد السرنديبي إلى بيته وأخذ القميص والعمامة وذهب إلى القاضي وقال : اخلع هذا على غيري فإني لست أهلا لذلك ، فقال القاضي : لا تفعل يا سديد الدين ولا تمنع الثواب! فقال له : دع هذا الكلام ، أنت غرضك اني أقتل وأجرح على يد غيرك ، وإني قد عرفت المقصود ولا أنخدع بعد ذلك.
سفالة
آخر مدينة تعرف بأرض الزنج ، بها معدن الذهب ، والحكاية عنها كما مرّ في بلاد التبر من أن التجّار يحملون إليها الأمتعة ، ويضعونها في أرض قريبة منهم ويرجعون. ثمّ ان أهل سفالة وهم سودان يأتون ويتركون ثمن كلّ متاع بجنبه ، والذهب السّفالي معروف عند تجّار الزنج.
وبها الحواي وهو صنف من الطير يعيد ما سمع بصوت رفيع ولفظ صحيح أصحّ من الببغاء ، ولا يبقى أكثر من سنة ، وبها ببغاء بيض وحمر وخضر ، وقال محمّد بن الجهم : رأيت قوما يأكلون الذباب ويزعمون أنّه دافع للرمد ولا يرمدون شيئا البتّة.
سلوق
مدينة بأرض اليمن ؛ قال ابن الحايك : كانت مدينة عظيمة ولها آثار عظيمة باقية ، يوجد بها قطاع الذهب والفضّة والحليّ ، وكان بها صنّاع الدروع المحكمة النسج ، قال الشاعر :
نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه
ويوقد بالصّفّاح نار الحباحب
وبها الكلاب الضّواري ، وذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب ، فتأتي بالكلاب السلوقيّة وهي أخبث الكلاب ؛ قال الشاعر :
منهم ضوار من سلوق كأنّها
حصن تجول تجرّر الأرسانا
سمهر
قرية بالحبشة ، بها صنّاع الرماح السّمهريّة ، وهي أحسن الرّماح ؛ قاله الصولي ، وقال غيره : إنّ هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا ، يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله ويثقّفون جيّده ويبيعونه ، وهو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد ، والله الموفّق.
سندابل
قصبة بلاد الصين ودار المملكة ، يشقّها نهر أحد شقيّه للملك والشقّ الآخر للعامّة ؛ قال مسعر بن مهلهل : دخلتها وهي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم ، ولها ستّون شارعا ، كلّ شارع ينفذ إلى دار الملك ، ولها سور ارتفاعه تسعون ذراعا ، وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرّق ستّين جزءا ، كلّ جزء ينزل على
باب من أبوابها ، تلقاه رحى يصبّ إليها ثمّ إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض. ثمّ يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين ، ويدخل نصفه المدينة ويدور في الشوارع كلّها ، وكلّ شارع فيه نهران : داخل يسقيهم ، وخارج يخرج بفضلاتهم.
وفيها من الزروع والبقول والفواكه والخيرات وأنواع الطيب كالقرنفل والدارصيني. وبها أنواع الجواهر كاليواقيت ونحوها والذهب الكثير. وأهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس ، لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن ، وأبوابهم آبنوس ، وفيهم عبدة الأوثان والمانويّة والمجوس ويقولون بالتناسخ.
ومنها خاقان ، ملك الصين الموصوف بالعدل والسياسة ، له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر ، والطرف الآخر عند مجلس الملك ليحرّكها المظلوم فيعلم الملك. ومن عادته ركوب الفيل كلّ جمعة والظهور للناس ، ومن كان مظلوما يلبس ثوبا أحمر ، فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره ويسأله عن ظلامته.
ومن ولد في رعيّته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلّا يخفى عليه أحد.
وبها بيت عبادة عظيم ، فيه أصنام وتماثيل ، ولأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة ، يعبدون الأوثان ولا يذبحون الحيوان ، ومن فعل أنكروا عليه.
ولهم آداب حسنة للرعيّة مع الملك وللولد مع الوالد : فإن الولد لا يقعد في حضور أبيه ولا يمشي إلا خلفه ولا يأكل معه.
قال ابن الفقيه : أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم ، ولهم كتب يشتغلون بها ، والزنا عندهم مباح ، ولهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على البدّ للزنا ، وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.
والملك وكلّ بالصّنّاع ليرفع إلى الملك جميع المعمول ، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته ، وإلّا يباع في السوق ، وما فيه عيب يمزّقه.
وحكي أنّه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلّهم إلّا واحدا ، فسئل عن عيبه فقال : إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس ، وقد حمل قنو موز ،
والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز ، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون : أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.
الشّحر
ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.
حكى بعض العرب قال : قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال : إنّا لنصيده ونأكله ، وهو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل واحدة ، وكذلك جميع الأعضاء ، فقلت : أنا أحبّ أن أراه ، فقال لغلمانه : صيدوا لنا شيئا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه ، وله يد واحدة في صدره ، وكذلك رجل واحدة ، فلمّا نظر إليّ قال : أنا بالله وبك. فقلت لهم : خلّوا عنه. فقالوا :لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا ، فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعا كالريح.
فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه : أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا : فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك وقال : خدعك والله! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد ، فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل ، فإذا واحد يقول : يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر واللّيل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر : كلي ولا تراعي ، فأرسلوا الكلاب عليهم ، فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول :
الويل لي ممّا به دهاني
دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبان
واسمعا قولي وصدّقاني
إنّكما حين تحارباني
ألفيتماني خضلا عناني
لو بي شبابي ما ملكتماني
حتى تموتا أو تركتماني
فالتقياه وأخذاه ، فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويّا ، وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.
شعب
جبل باليمن فيه بلاد وقرى ، يقال لأهلها الشّعبيّون ، قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا وهو خال الشنفرى :
إنّ بالشّعب من دون سلع
لقتيلا دمه ما يطلّ
منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي ، كان عالما ورعا فريد دهره ، ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان ، بعثه إلى الروم رسولا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول ، فيقولون : خدّم للملك ، فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه ، فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له : أمن بيت الخلافة أنت؟ قال : لا ، أنا رجل من العرب.
فكتب إلى عبد الملك : عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي : حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي : إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال : لله درّك ما عدا ما في نفسي.
وحكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان ، وكانت المرأة من أجمل النساء ، فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج : هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول :
فتن الشّعبيّ لمّا
رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال
وتخطّى حاجبيها
قال للجوّار قرّب
ها وقرّب شاهديها
فقضى جورا على الحص
م ولم يقض عليها
قال الشعبي : دخلت على عبد الملك بن مروان ، فلمّا نظر إليّ تبسّم وقال :
فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها
ثمّ قال : ما فعلت بقائل هذا؟ قلت : أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال : أحسنت والله وأجملت!
وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال :
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وسبّه رجل فقال : يا هذا إن كنت صادقا غفر الله لي ، وإن كنت كاذبا غفر الله لك!
توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة.
شمخ
قرية بأرض اليمن ، من عجائبها أن بها شقّا ينفذ إلى الجانب الآخر ، فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه.
حكى رجل من مراد قال : وليّت صدقات ، فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل : ألا أريك عجبا؟ قلت : نعم. فأدخلني شعب جبل ، فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوّقا ، تشبّث بذروة الجبل وعليه مكتوب :
ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى
لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها
إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
ثمّ أخذ بيدي إلى الساحل ، فإذا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر أخرى ، وعليه مكتوب : يا ابن آدم ، يا عبد ربّه ، اتّق الله ولا تعجل في رزقك ،