سلوق
مدينة بأرض اليمن ؛ قال ابن الحايك : كانت مدينة عظيمة ولها آثار عظيمة باقية ، يوجد بها قطاع الذهب والفضّة والحليّ ، وكان بها صنّاع الدروع المحكمة النسج ، قال الشاعر :
نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه
ويوقد بالصّفّاح نار الحباحب
وبها الكلاب الضّواري ، وذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب ، فتأتي بالكلاب السلوقيّة وهي أخبث الكلاب ؛ قال الشاعر :
منهم ضوار من سلوق كأنّها
حصن تجول تجرّر الأرسانا
سمهر
قرية بالحبشة ، بها صنّاع الرماح السّمهريّة ، وهي أحسن الرّماح ؛ قاله الصولي ، وقال غيره : إنّ هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا ، يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله ويثقّفون جيّده ويبيعونه ، وهو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد ، والله الموفّق.
سندابل
قصبة بلاد الصين ودار المملكة ، يشقّها نهر أحد شقيّه للملك والشقّ الآخر للعامّة ؛ قال مسعر بن مهلهل : دخلتها وهي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم ، ولها ستّون شارعا ، كلّ شارع ينفذ إلى دار الملك ، ولها سور ارتفاعه تسعون ذراعا ، وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرّق ستّين جزءا ، كلّ جزء ينزل على
باب من أبوابها ، تلقاه رحى يصبّ إليها ثمّ إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض. ثمّ يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين ، ويدخل نصفه المدينة ويدور في الشوارع كلّها ، وكلّ شارع فيه نهران : داخل يسقيهم ، وخارج يخرج بفضلاتهم.
وفيها من الزروع والبقول والفواكه والخيرات وأنواع الطيب كالقرنفل والدارصيني. وبها أنواع الجواهر كاليواقيت ونحوها والذهب الكثير. وأهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس ، لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن ، وأبوابهم آبنوس ، وفيهم عبدة الأوثان والمانويّة والمجوس ويقولون بالتناسخ.
ومنها خاقان ، ملك الصين الموصوف بالعدل والسياسة ، له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر ، والطرف الآخر عند مجلس الملك ليحرّكها المظلوم فيعلم الملك. ومن عادته ركوب الفيل كلّ جمعة والظهور للناس ، ومن كان مظلوما يلبس ثوبا أحمر ، فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره ويسأله عن ظلامته.
ومن ولد في رعيّته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلّا يخفى عليه أحد.
وبها بيت عبادة عظيم ، فيه أصنام وتماثيل ، ولأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة ، يعبدون الأوثان ولا يذبحون الحيوان ، ومن فعل أنكروا عليه.
ولهم آداب حسنة للرعيّة مع الملك وللولد مع الوالد : فإن الولد لا يقعد في حضور أبيه ولا يمشي إلا خلفه ولا يأكل معه.
قال ابن الفقيه : أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم ، ولهم كتب يشتغلون بها ، والزنا عندهم مباح ، ولهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على البدّ للزنا ، وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.
والملك وكلّ بالصّنّاع ليرفع إلى الملك جميع المعمول ، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته ، وإلّا يباع في السوق ، وما فيه عيب يمزّقه.
وحكي أنّه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلّهم إلّا واحدا ، فسئل عن عيبه فقال : إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس ، وقد حمل قنو موز ،
والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز ، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون : أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.
الشّحر
ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.
حكى بعض العرب قال : قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال : إنّا لنصيده ونأكله ، وهو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل واحدة ، وكذلك جميع الأعضاء ، فقلت : أنا أحبّ أن أراه ، فقال لغلمانه : صيدوا لنا شيئا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه ، وله يد واحدة في صدره ، وكذلك رجل واحدة ، فلمّا نظر إليّ قال : أنا بالله وبك. فقلت لهم : خلّوا عنه. فقالوا :لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا ، فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعا كالريح.
فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه : أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا : فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك وقال : خدعك والله! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد ، فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل ، فإذا واحد يقول : يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر واللّيل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر : كلي ولا تراعي ، فأرسلوا الكلاب عليهم ، فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول :
الويل لي ممّا به دهاني
دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبان
واسمعا قولي وصدّقاني
إنّكما حين تحارباني
ألفيتماني خضلا عناني
لو بي شبابي ما ملكتماني
حتى تموتا أو تركتماني
فالتقياه وأخذاه ، فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويّا ، وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.
شعب
جبل باليمن فيه بلاد وقرى ، يقال لأهلها الشّعبيّون ، قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا وهو خال الشنفرى :
إنّ بالشّعب من دون سلع
لقتيلا دمه ما يطلّ
منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي ، كان عالما ورعا فريد دهره ، ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان ، بعثه إلى الروم رسولا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول ، فيقولون : خدّم للملك ، فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه ، فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له : أمن بيت الخلافة أنت؟ قال : لا ، أنا رجل من العرب.
فكتب إلى عبد الملك : عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي : حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي : إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال : لله درّك ما عدا ما في نفسي.
وحكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان ، وكانت المرأة من أجمل النساء ، فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج : هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول :
فتن الشّعبيّ لمّا
رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال
وتخطّى حاجبيها
قال للجوّار قرّب
ها وقرّب شاهديها
فقضى جورا على الحص
م ولم يقض عليها
قال الشعبي : دخلت على عبد الملك بن مروان ، فلمّا نظر إليّ تبسّم وقال :
فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها
ثمّ قال : ما فعلت بقائل هذا؟ قلت : أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال : أحسنت والله وأجملت!
وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال :
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وسبّه رجل فقال : يا هذا إن كنت صادقا غفر الله لي ، وإن كنت كاذبا غفر الله لك!
توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة.
شمخ
قرية بأرض اليمن ، من عجائبها أن بها شقّا ينفذ إلى الجانب الآخر ، فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه.
حكى رجل من مراد قال : وليّت صدقات ، فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل : ألا أريك عجبا؟ قلت : نعم. فأدخلني شعب جبل ، فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوّقا ، تشبّث بذروة الجبل وعليه مكتوب :
ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى
لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها
إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
ثمّ أخذ بيدي إلى الساحل ، فإذا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر أخرى ، وعليه مكتوب : يا ابن آدم ، يا عبد ربّه ، اتّق الله ولا تعجل في رزقك ،
فإنّك لن تسبق رزقك ، ولن ترزق ما ليس لك ، ومن لم يصدّق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر!
شيلا
بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب ، لا يرى بها ذو عاهة من صحّة هوائها وعذوبة مائها وطيب تربتها. أهلها أحسن الناس صورة وأقلّها أمراضا ، وذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر ، وهي قليلة الآفات والعلل ، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله.
قال محمّد بن زكرياء الرازي : من دخلها استوطنها ولا يخرج عنها لطيبها ووفور خيراتها وكثرة ذهبها. والله الموفق.
صنعاء
قصبة بلاد اليمن ، أحسن مدنها بناء وأصحّها هواء وأعذبها ماء ، وأطيبها تربة وأقلّها أمراضا ، ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر ، وهي قليلة الآفات والعلل ، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ ، وإذا اعتلّت الإبل وأرعيت في مروجها تصحّ ، واللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد.
بناها صنعاء بن ازال بن عنير بن عابر بن شالح ، شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها ، وتخرّق مياهها وصنوف فواكهها.
قال محمّد بن أحمد الهمذاني : أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين ويصيّفون مرّتين ، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطا ، فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم ، فيكون شتاء ، فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفا ، وإذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية ، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.
قال عمران بن أبي الحسن : ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء ، وهو بلد بخطّ الاستواء ، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها.
وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة ؛ قالوا : بانيه ليشرخ ابن يحصب ؛ قال ابن الكلبي : اتّخذه على أربعة أوجه : وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر ، وبنى في داخله قصرا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعا ، فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال ، وجعل في أعلاه مجلسا بناه بالرخام الملوّن ، وجعل سقفه رخامة واحدة ، وصيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد ، إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد ، وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق ، وفيه قال ذو جدن الهمداني :
وغمدان الذي حدّثت عنه
بناه مشيّدا في رأس نيق
بمرمرة وأعلاه رخام
تحام لا يعيّب بالشّقوق
مصابيح السّليط يلحن فيه
إذا أمسى كتوماض البروق
فأضحى بعد جدّته رمادا
وغيّر حسنه لهب الحريق
وقال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها :
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
في رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فصارا بعد أبوالا
وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام.
حكي أن عثمان بن عفّان ، رضي الله عنه ، لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له :إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته ، فقالوا له : لو أنفقت
عليه خراج الارض ما أعدته كما كان ، فتركه ، ولمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبا : اسلم غمدان ، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.
ووجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوبا :
صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن بعده لا الحزن دام ولا السّرور
وبصنعاء جبل الشبّ وهو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض ، وهو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.
ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.
وبها نوع البرّ حبّتان منه في كمام ، ليس في شيء من البلاد غيرها ، وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم ، زرع سنة يبقى عشرين سنة.
وحكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة ، بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها ، وسمّاها القلّيس ، وزيّنها بالذهب والفضّة والجواهر ، وكتب إلى النجاشي : إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك ، وأريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها ، فسأل أبرهة عنه ، فقالوا : إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.
فغضب وآلى ليسيرنّ إلى الكعبة ويهدمنّها ، ثمّ جاء بعسكره وفيلته ، فأرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.
وبها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين ، وهي على أربعة فراسخ من صنعاء ، وكانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله ، ويتصدّق على المساكين ، فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا ، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين ، فلمّا رأوها قالوا